حموه يرابي.. سيمفونية الحرف ـ السيف تتواصل

هذا الكاتب يصيبني بدهشة بالغة ويثير كوامني كلما غمس حواسه في حروفه التي يسطرها بمداد ناري ينحاز للعدل ويرفض الظلم، ويلوذ بالجمال في مواجهة القبح، ويستظل بالخير مقابل شر مستطير أظلمت به النفوس وغابت شموس العدل و الحرية ..

هل أستطيع القول إنني أصبحت أتوجس من أي كتابات جديدة لـ "عبد الحميد الطائي"، إذ تضعني قبالة تساؤلات وجودية عن معاني ما غابت حروفها وان ضاعت منها الحواس ؟ .. ربما ! لكن الحقيقة المؤكدة أن كل حرف ـ سيف من حروف الطائي يغوص حتى نهايته في قلب كل ما أحاول تحاشيه حتى تظل علاقتي بالعالم في سلام زائف، أو فلنقل في حالة تطبيع قهري يفرضه من ملأوا عالمنا جورا ودمامة ووحشية، لا نملك دفعها ودرء شرورها إلا بأضعف الإيمان !
"حموه يرابي" هو الإصدار الثالث في سلسلة حواس الحروف التي تقدم للقارئ العربي زاداً ثقافياًّ ثرياًّ، يغوص في بحار التراث، ولا ينفصل عن القضايا الآنية المعيشة مثل الإنتاج والنماء (ص215) ويتخذ في ذلك شكلاً يجمع بين الأمثال العربية بحكمتها وشكل الكتابة النثرية في أحدث تجلياتها حين تتوفر فيها الحكمة.
وكتاب (حموه يرابي) يقع في أكثر من ثلاثمائة وخمس عشرة صفحة، سطّرها مؤلف الكتاب عبد الحميد الطائي بقلم الحكمة التي أنضجتها السنون، وبمداد المحبة للغة العربية، تلك المحبة التي يبوح بها كل سطر من سطور الكتاب.
قسّم الطائي كتابه على أربعة حروف هي الثاء والجيم والحاء والخاء، وقد أوضح ذلك في المقدمة حين قال:
ثَبَتَ
جلياًّ
حجمُ
خرابِ دارٍ ذُمَّ المصلحُ فيها.
وأيضاً حين قال في الإهداء:
ثمرة جامعة حروفها خلاص.
يركز "عبد الحميد الطائي" في مقدمة كتابه على العدل، فيقول: (الحديث عن العدل محصلة واقع نعيشه، وللأخذ بالتعريف الحرفي للكلمة نعلم عدم تطابقها مع ميزان الحاضر).
ثم يقول:
(وحواس العدل في "حموه يرابي؟" تتساءل بحروف أربعة عن جدوى الاكتفاء بدور المتفرج في ما يخص الاحتكام لشأننا).
يلفتنا هاهنا وجود علامة الاستفهام بعد (حموه يرابي) ولم تكن موجودة في ست مرات سبقت، فإن (حموه يرابي) وردت كالآتي:
1- على غلاف الكتاب.
2- في الصفحة الأولى من الكتاب.
3- في الصفحة التالية حيث أُثبتت فهرسة مكتبة الأسد.
4- في الصفحة التي بعدها وردت في شكل عنوان.
5- في الصفحة المحتوية على عنوان (القدس) وبيانات الكتاب.
6- في أول صفحة المقدمة.
وتبرز تساؤلات تصاحب مشاهدة علامة الاستفهام، هل كانت هذه العلامة خطأ مطبعياًّ؟ هل سها الكاتب فأثبتها؟ هل لها ضرورة أو معنى في هذا الموضع؟
نقرأ الكتاب فنكشف أن علامة الاستفهام لم تكن خطأً مطبعياًّ ولا سهواً من الكاتب، وندرك ضرورتها.
* * *
استخدم "عبد الحميد الطائي" في حرف الثاء (ثاقب، وثقوب) ذاكراً بعض ما يبدأ بالثاء يعقبه ألف .. فيقول:
(1)
ثائر على العفو
قاسٍ
(2)
ثابت العدل
حازم
واستخدم في ( ثقوب) حرف الثاء يعقبه حرف القاف، مثل قوله:
ثقاب يحرق الجمال
بلذة.
ويرتحل الكاتب بنا إلى عالم حافل حين ينتقل إلى حرف الجيم، فهو يبدأ بالجيم يعقبه ألف، ثم الجيم يعقبه باء ثم الجيم يعقبه حاء، ثم دال ثم راء حتى يصل إلى الجيم يعقبه ياء، بترتيب حروف الهجاء مع إسقاط بعضها، فجاء استخدامه إياها هكذا: جاء/ جب/ جح/ جد/ جر/ جز/ جل/ جم/ جن/ جه/ جو/ جي.
ويسير على نفس النهج في حرف الحاء وفي حرف الخاء. ونقتطف بعض الثمرات حيث يقول:
جناح الحر ..
لا يُنْتَفُ . (ص 50)
ـــ
حال فهرسك
لن يصنّفه غيرك. (ص97)
ـــ
حدق في البرواز ..
تعرف الصورة. (ص134)
ـــ
حضارة الأمة باقية ..
وورثتها نيام. (ص160)
ــ
حول تباين التَّلَقِّي
رُوِّجَ خطأً
وجود مساوئ للمساواة. (ص199)
ــ
حول هُدَى النور ..
مُظْلِمٌ يناقض البصيرة. (ص199)
ــ
خارق البصيرة ..
لا يضلٍّل. (ص271)
ــ
خطاب القلوب ..
عَفَوِىّ الكلمة. (ص292)
ــ
خَفَّتْ أحمالهم ..
ويمتعضون. (ص296)
ــ
خوارق التاريخ ..
إعجاز للغد. (ص 304)
ــ
خير المكان ..
في ناسه. (ص309).
ونلاحظ أن "عبد الحميد الطائي" قد استخدم إمكانات اللغة بكل طاقاتها، واستعار من أشكال القول بعض ملامحها، فهو أخذ التقفية - على سبيل المثال - من الشعر، ويتضح ذلك في قوله:
جَهَلَةُ الأسباب
يغلقون الأبواب
قبل الاستيعاب. (ص57)
وقوله أيضاً:
خَرْقُ العهود
مَسْلَكٌ معهود
عند عَبَدَةِ النقود. (ص285)
وقد حرص الكاتب على إيراد حاشية لغوية في بداية كل مجموعة لغوية. وحين يصل بنا إلى آخرها في الكتاب نجدها تحت عنوان (حموه يرابي؟) بإثبات علامة الاستفهام، وفي الحاشية يقول: (في الدارج العماني يعني: لماذا يُشَاهِدُ؟) وهنا يتضح لنا أن علامة الاستفهام لم تكن خطأ مطبعياًّ، ولا سهواً من الكاتب، وأن لها ضرورة لأنها تعقب سؤالاً.
ويقول في الحاشية بعد ذلك: (وحمو رابي أول من وضع قانوناً وضعياًّ في تاريخ البشرية في العراق).
هكذا اكتملت حبات العقد في هذا الكتاب القيم الذي بدأ بالحديث عن العدل في مقدمته، وانتظمت فيه كلمات العدل التي تتألق من أوله إلى آخره، ويتضح ذلك فيما ورد في صفحات 68، 69، 70، 71، 172، 266، 307 والكاتب يراوح فيها بين ألفاظ العدل والعدالة والعادل، وعلى جانب آخر تحدث عن الظلم الذي يستدعى بالضرورة انصراف الفكر إلى العدل. ثم هناك حمو رابي واضع القانون الوضعي للبشر ساعياً بذلك إلى تحقيق العدالة بين الناس.
(حموه يرابي؟) لماذا يشاهد وكل هذا شاهده من قبل؟ لماذا يشاهد والأمر واضح وضوح الشمس في زمن القيظ؟ لماذا يشاهد فقط ولا يشارك؟؟
(حموه يرابي) حموه والد زوجته يرابي (من الربا) والربا ظلم للمقترض والظلم عكس العدل وهي التي لم تعقبها علامة الاستفهام، فكأن الكاتب أراد أن تكون دلالة علامة الاستفهام في نطاق الدارج العماني فجاء بها مرة في المقدمة، ومرة في صفحة 313، ومرة في الفهرس، لأن حواس الحروف في إبداع الكاتب تختص باللغة العربية الفصحى، فجاء قوله (حموه يرابي) ست مرات بالفصحى خلال الكتاب، وجاء ثلاث مرات بالدارج.
وتآزر شكل الكتاب مع مضمونه، فهذا اللون الأخضر الذي يشغل مساحة الغلاف يدل على الخير، والعدل أحد وجوه الخير، وجاء اللون الأصفر للصفحات متوافقاً مع اللون الأصفر الذي كُتب به عنوان الكتاب في منظومة لونية لها دلالتها، فالأخضر يدل على العدل حين يكون مزدهراً، والأصفر يدل على العدل حين يكون ذابلاً.
إن كتاب (حموه يرابي) يمثل إضافة مهمة إلى سلسلة حواس الحروف الصادرة عن دار الفكر بدمشق والتي يبدعها الكاتب عبد الحميد الطائي، وهو يفتح للقارئ سبلاً للفكر ومساحات للمشاعر، بما يقدمه من إبداع مرموق، يمثل اتجاهاً فريداً في الكتابة العربية في هذا العصر. ويبقي القول إن الطائي يواصل سيمفونية يعزف خلالها لحنا واحدا تتعدد آلاته بدأت ب "لاتح" مرورا ب "مزاج الطين" ثم "حموه يرابي" وصولا إلى ما يحمله الغد الآتي من حروف لن تنضب منها جعبته ..

إنها ضربات حرف ـ معول - سيف تتواصل بلا هوادة في أركان متلازمة القبح والجور لعالم فقد حواسه ومعها شرفه ، يندفع فيها الكاتب بجسارة نبيلة إلى قلب معركة غير متكافئة مثل محارب الساموراي ، وان تكاثر الأعداء وازداد الكلاب تكالبا !

شوقي حافظ
عضو اتحاد كتاب مصر

( الوطن) العمانية 

19/8/2009 

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.