وطن صباح قباني في..من اوراق العمر

يتساءل من يقرأ كتاب الدكتور صباح قباني «من أوراق العمر»: هل كتبه مؤلفه ليسجل دمشق التي عرفناها متصلة بشهادات الرحالة عن طباع أهلها وعمارتها؟.

أم ليبيّن للمعاصرين الذين يقولون «يالها من مدينة بشعة»، ومع ذلك يعيشون فيها: لم تكن مدينتنا كما ترونها، بل كما صنعها مخطط ايكوشار؟ أم ليرسم صورة العلاقات الاجتماعية والإنسانية الحقيقية التي شوهتها المسلسلات، ويؤكد أن تلك العمارة البيئية تُسبل جمالها وهدوءها وأناقتها على من يعيش فيها؟ ‏

الكتاب شهادة على زمن بما فيه من شخصيات وعلاقات وطباع ومؤسسات وعمارة. لكنه إلى ذلك يفتح مدى للتأمل في مستويات متنوعة. فنرى فيه صفاء اللغة التي تميز بها جيل القباني، والأداء الأدبي الممتع. ويعيد إلينا بعض شروط العمل الفني التي يرميها المعاصرون باسم التجديد مرة، وباسم الانصراف إلى المحتوى مرة. وفي مستوى آخر نقرأ في الكتاب النبض القومي، والعواطف الوطنية التي أسست التربية الروحية طوال أجيال، ووهبت دمشق تسميتها «قلب العروبة النابض». وفي مستوى ثالث يستنتج القارئ عمق وعي رجال الاستقلال الذين فهموا صلة الاقتصاد الوطني بسلامة البلاد. ‏

لم يحقق الكاتب حلمه في الانصراف إلى الرسم بالألوان. لكنه رسم بمهارة الفنان العلاقات الإنسانية والشخصيات والحارات والمدينة. فتفتحت أمامنا العلاقات الأنيقة بين المرأة والرجل في الأسرة الدمشقية. 

وأعادنا القباني إلى ما عرفناه في طفولتنا: البيت مملكة المرأة، يخدمها الرجل لكنه لايتدخل فيها.

والمرأة، عمليا، حامية تماسك الأسرة وحارستها. في تلك العلاقات التقليدية لاتُسمع في كلام الرجل كلمة نابية أو صوت مرتفع.

يخلع الرجل مشاغله عند الباب، ويسترخي في بيت جعلته المرأة واحة من الأمان، ومنعت فيه الهموم والشجون.

جعلته نظيفا مثل الفلة، وتألق فيه الغسيل في بياض الياسمين، واتسعت فيه أرض الدار كالحديقة المزهرة الفواحة.

كم كان صباح القباني دقيقا وهو يرصد من خلال أمه نساء الأمس الدمشقيات، اللواتي يؤهلن منذ الفتوة المبكرة، بالحكمة والرصانة، ليحكمن أسرهن بأناقة فيتعالين على نزوات الأزواج وأهواء الأبناء وصغائر الجيران والأقرباء، ويسسن مملكتهن بالصبر والحنان.

ويدفن الوجع عند اعتقال الرجال وتفتيش البيوت، مستندات إلى عمق الجذور والأصول. ويخزن تقاليد أدب الكلام والسلوك.

وما أحلاهن وهن يعرضن أمام ضيوفهن أنواع الشراب الدمشقي وأنواع الأطعمة التي تأكل منها العين قبل الفم، ويسعدهن أن يثني على ذوقهن الأهل والضيوف!

لذلك يبدو كتاب القباني وثيقة ترسم العلاقة بالمرأة. حتى في تفاصيل «الحردانة» التي لجأت إلى بيت أقربائها ولوّعت زوجها بالبحث عنها حتى اهتدى إلى مخبئها، فاعتذر وتوسّل بوساطة الأهل حتى عادت إلى بيتها.

ونتبين أن عمارة البيت الدمشقي تجسد هذه العلاقة بالمرأة فتخص الأسرة، بالجزء الوارف، أرض الدار والبحرة والأشجار.

ولانزال نلمح في نزهات الأسر الشعبية التزام الرجل بتأمين يوم الراحة لأسرته ومرافقتها إلى بقايا البساتين. يأتي عرض دقائق تلك العلاقة الأنيقة بين الرجل والمرأة من خلال علاقة أمه بأبيه، وسط رحمة العلاقات الإنسانية التي أوحى بها الكاتب، علاقات التراحم والتكاتف وحب الناس.

فأمه تشارك في إعداد المرشح للعمل في معمل أبيه. تدخل إلى حمامها العامل الشاب، وتلبسه من ملابس أبنائها النظيفة فنلمح الإشارة إلى التبني. وتكمل الأسرة كلها تلك العلاقات بصداقة الأولاد والعمال.

وبها ينسج الكاتب العادات الأخلاقية التي تميز الاجتماع الوطني في نمط اقتصادي نضر، يكاد الناس يتمايزون فيه بنمط العمل والمهارة لا بالطبقة، ويتقمص فيه صاحب المعمل دور الأب الراعي. فيفصّل الكاتب في الشراكة في العمل اليدوي، واحترامه لا الترفع عليه. ويصف المواهب الفنية التي يتميز بها عمال معمل السكاكر، فهذا موهوب بالتمثيل، وذاك ذو صوت حلو، والثالث موهوب برواية الحكاية. فإذا رغب أحد العمال في تأسيس معمله الخاص، أو رغب في وظيفة ما، ساعده راعيه. ‏ وكأنما قدم القباني بذلك صورة البورجوازية الدمشقية المنتجة، التي استندت إلى علاقات المعلم صاحب المهنة بصنّاعه، وحفظت الصلة الحميمة العاطفية بعمالها وبفلاحي الغوطة، واستطاعت بذلك أن تقاوم الاحتلال.

مقابل صورة الأغنياء المعاصرين الذين يحتقرون العمل اليدوي، ويتبجحون بثروتهم، ويحتجبون عن الناس، ولا صلة عاطفية لهم بعمال أتوا من مناطق متنوعة. ‏

ربت القباني العلاقات التقليدية التي ألفها في معمل أبيه. لذلك يستوقفنا شعوره بأن عمله الوظيفي واجب وطني. وأنه يرى نفسه، وهو المدير، واحداً من مجموعة عمل. وبتلك الكفاءة الأخلاقية استطاعت مجموعته اقتحام ظروف التأسيس الصعبة. وبها سجل القباني أسماء كل من عملوا معه في التلفزيون، مقدراً ما تميزوا به. فدفعنا إلى التساؤل: كيف اضمحلت تلك العلاقات الرفيعة؟

وهل تمنى القباني بكتابه استلهام الحنان والغيرة على المصلحة العامة، والصحو لمن تحتل «أنا» مساحة حركته، فينكر من قبله، ويدمر من يتفوق عليه، ويستبعد من يمكن أن يأتي بعده؟ أم يذكرنا بأن الناس كانوا هكذا، وأنه كان واحدا منهم، وبأن الحياة أفسدت الطباع والطباع أفسدت الحياة، ويجب أن نعود إلى ذلك النقاء؟ ‏ درس القباني في الكلية العلمية الوطنية، التي كانت بيتا عربيا واسعا جميلا ثمينا، هدم بالرغم من حماية دمشق داخل السور، وأصبح خرابة تخزن بضائع الباعة المهربين، تجاور مدرسة العظم.

وللقباني الفضل في تسجيل بعض ذاكرتها، بعض أسماء أساتذتها والمواد التي كانت تدرّسها. وكانت مؤسسة متقدمة ذات تاريخ وطني وعلاقة بالحياة السياسية السورية. ‏ يسهل على القارئ، إذاً، أن يلامس التناسق بين مؤسسات البيت والمعمل والمدرسة، ونمط الأخلاق والتربية. وذلك في مدينة تشجع الموهوبين وتحترم الإنسان، ويعرف فيها الشخص حدوده، ويلتزم فيها بالفضائل التقليدية. وبهذه الشهادة الحية الملونة نطل على العلاقات الاجتماعية الاقتصادية.

فالقباني وهو يرسم أباه، بالرغم من فرادة شخصية الأب، رسم رجلا من جيل، فردا من تيار وطني ذي برنامج سياسي واقتصادي، من منبت اجتماعي، شخصا يجسد مرحلة تاريخية في مدينة. رحل وهو فتى بعد إلى مصر، وتعلم صنع السكاكر والملبس، وربى في ذلك العمر أخاه، وأباح له اختيار الفن. وكان ذلك جزءا من هجرة المسرحي السوري أبي خليل القباني. عاد فأسس أول معمل للملبس في دمشق. وأتقن عمله اليدوي.

ولا يفوت صباح القباني أن يذكّر المسحورين بالحداثة الآلية، بقيمة العمل اليدوي. فأفخم أنواع الشوكولا في باريز تزهو بأنها صناعة يدوية. ويعرفنا خلال ذلك بصناعة الملبس الذي نتداوله في الأفراح ونقدمه للأعزاء. ويسجل أن أباه الرجل الصناعي المعروف كان مبادرا إلى الإضراب في سنة 1934 «احتجاجا على إغراق السوق بالبضائع الصهيونية كالأقمشة والحلويات، وقد جرى خلال هذا الإضراب إحراق كميات من تلك البضائع في سوق الحميدية».

ونلمس فخره بأن أباه «استطاع بفضل شعبيته الواسعة في الأوساط التجارية والصناعية والاجتماعية أن يوظف تلك الشعبية في خدمة النشاط الوطني الذي كان يمولّه ويمارسه خلال الانتداب الفرنسي». وأن البارزين في الكتلة الوطنية اجتمعوا في داره وتكلم فيهم فوزي الغزي، أبو الدستور.

وكان الثمن اعتقاله في سنة 1939 مع الوطنيين في معتقل تدمر ثم في سجن الرمل في بيروت. ومع ذلك ألزمته شهامته بأن يلجئ في بيته ضابطا فرنسيا من جماعة فيشي. وفي هذا السياق نتجول، من خلال تنقل هذا الرجل الوطني، حرا ومقيدا، من مصر إلى لبنان، في مستوى آخر هو وحدة الأرض العربية. ‏

هل نستنتج من صياغة هذه الأوراق بمنهج ومشروع، سعة الرؤية التي صاغتها؟ في أدق التفاصيل نتبين المثل الأخلاقية التي تلازم المشروع الوطني. التضحية بالمال في العمل السياسي لا الكسب منه! والفخر بتلك التضحية لا بالمكاسب التي تتدفق من الوظائف السياسية. وما أصدق بسام الشكعة الذي قال لنا منذ سنوات: الكارثة أن العمل السياسي صار مأجورا! فبمقدار ما قرّب إنفاق رجال الاستقلال من مالهم الشخصي على العمل الوطني، الناس منهم، أبعدت الامتيازات السياسيين المعاصرين عن الناس. وفتحت الباب للفساد والمكاسب، وللوهم بأن الموظف السياسي وصيّ على الناس يقرّر لهم الزمان الذي يتحركون فيه ومقدار حركتهم، ونوع كلماتهم. فهمدت الشوارع وانفصل السياسيون عن الشعوب. ‏

عاش القباني في بيت دمشقي جميل في مادنة الشحم. زرته منذ سنوات مع السيدة لورنس ديونا ممثلة اليونيسكو في جنيف، ومع مختار الشاغور. فاستقبلنا أصحابه الجدد وفاجؤوا السويسرية بأغنية قديمة سمعتها من فونوغراف.

يرسم القباني بكتابه ذلك البيت من خلال عناية أمه به في نهار يبدأ مبكرا بشطف الدرج. ويكشف وظيفة بحرة أرض الدار المتنوعة، فمنها يغرف الماء للشطف، ولسقاية أصص الزهور، ولتبريد البطيخ، وللمتعة والرطوبة في أيام الصيف.

يتذكر الفل والياسمين وشجر النارنج والليمون والكباد، وتجفيف الخضار، ونشر الغسيل على السطح، ومواسم التعزيل، واستقبال النساء الذي كان عادة راقية، فلكل سيدة «صالونها» تجتمع فيه بصاحباتها في يوم معين. في باحته الواسعة استقبل القباني الأب فرقة يوسف وهبي وأمتعها بالغداء في أرض الدار، وأمتع أهل الحارة بمشاهدة الممثلين المشهورين.

 وبالرغم من دقة الدكتور صباح قباني في رسم البيت الدمشقي من خلال عمل أمه فيه، ترك لأخيه نزار قباني التغني بعمارته، ورياحينه ومياهه وعطوره وفسحته. ‏

لا يفلت القباني تفصيلا ذا مدى. فأبوه ترك العمل السياسي بعد الاستقلال. عازفا عن الوظائف، متفرغا لمعمله وحياته الاجتماعية. مدركا أن بنية الدولة الجديدة قد تفرض عليه نوعا من المهمات لا يريدها. وبهذا التفصيل ثبّت موقفا رفيعا يستدعي التأمل. فهذا الرجل الذي اندفع في العمل الوطني يوم كان ذلك العمل يستلزم التضحية، تنحى عن قطف الثمار. ‏ يضعنا كتاب القباني أمام مسألة أخرى واسعة، هي علاقة الإنسان بالثقافة. لنستنتج أن الثقافة عمل مستمر. ففي اللحظة التي نتوقف فيها عن القراءة والتطلع والانتباه إلى ما حولنا وقراءة الحياة والتخيل والطموح وصياغة مشروع، يجفّ العقل وتنضب الروح ونبدأ بالانحدار.

صباح قباني مثل على كسب الثقافة المستمر. فهو يتأمل عمله الديبلوماسي، وخطر الإعلام، وبنية الولايات المتحدة التي يمثل بلده فيها. ويصل إلى نتائج يفيد منها من يليه في وظيفته. يستمر كسفير في مساره القديم: لابد من عمل المجموعة، ولاشيء يبدأ من الصفر، لا ثقافة ولا عمل ناجح ولا حضارة! ويحترم ما يمثله، فنرى في الصور المنشورة ظهراً مستقيماً ورأساً مرفوعاً، ولباقة تشهد على عراقة وتهذيب، وعملا دقيقا. وكأنه يقول: لابد من الثقافة في المهنة والعمل والسلوك! فينتسب إلى دورات ليتعلم الرسم والتصوير الفوتوغرافي الذي يهواه. ويستنقذ هواه الفني الذي ابتعد إلى الخلفية منذ انصرافه إلى الدراسة في باريز، ثم إلى العمل الإعلامي في تأسيس التلفزيون السوري، ثم إلى العمل الديبلوماسي. فيصيد فرصة الدورات ليتعلم الأصول العلمية. وما أبلغ تقديم نزار قباني أول معرض فوتوغرافي نظمه الدكتور صباح: «لكن الوطن ليصبح وطنا حقيقيا يجب أن يخرج من نطاق التجريد ليكون وطنا نراه ونشمه ونلمسه بالأصابع، فلا وطن خارج الحواس الخمس». ‏ بأوراق العمر سجل صباح قباني، بعض ذاكرة الوطن، بصور حية نشمها ونلمسها. ‏

ذات يوم بعيد، لمحت من الطريق في عين الكرش الدكتور صباح قباني في شرفة بيت زميلتي في المدرسة. كانت مهى نعماني شابة نحيلة قرأت لصفّنا ما كتبته عن غرفتها على ورق أزرق. واستمعنا بدهشة إلى بوحها الرقيق. ثم تركتنا وتزوجت الدكتور صباح. وكان يومذاك من طليعة مثقفة تأملناها في احترام، وكانت مثلا لأجيال آمنت بأن الثقافة ضرورية كالهواء والشمس! وكان يمكن أن يتهامس الشباب: «هذا هو الدكتور صباح قباني»! كما كنا نتهامس بعد خطوات من بيت مهى: «هذا هو الدكتور أمجد الطرابلسي»، وزوجته تقدم له في الشرفة المتسعة أمام الباب كأسا من شراب التوت الشامي! ألا نضيف هذا الانبهار بالثقافة إلى ملامح الزمن الذي سجله كتاب «من أوراق العمر»؟ ربما تبدد دور الثقافة في العالم أمام سطوة المال. لكن المدن تحفظ عادة في ذاكرتها المراحل السابقة وتغتني بها. ولو التزمنا بهذا المعيار المعاصر لثبّتنا على تلك الأبنية في حيّ عين الكرش لوحات تذكر أعلامنا المعاصرين الذين عاشوا فيها. ولأذهلنا أن تجتمع شخصيات مهمة ومتنوعة في التاريخ الثقافي والسياسي السوري في تلك المسافة القصيرة في شارع صغير يوازي شارع بغداد، منها صباح قباني وأمجد الطرابلسي. ولشعرنا حقا بغنى مدينتنا. ‏

  د. ناديا خوست 

نشر في: تشرين الثقافي

16/8/2009

إضافة تعليق

7 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.