التعصب المذهبي من يصنعه

كتاب "التقارب السني الشيعي: بين حق الاختلاف ودعوى امتلاك الحقيقة" للصحفي السوري "وحيد تاجا" هو مجموعة من الحوارات المطولة مع قيادات حركية ورسمية وفكرية من الجانبين السني والشيعي حول مسألة التقارب المذهبي، وما يلفت الانتباه هو حجم الاعتدال الذي يطرحه هؤلاء في تناولهم للقضية محل النقاش وحجم الرؤى الرصينة التي تشخص المسألة وتطرح الطرق لعلاجها.

لكن يبقى السؤال: من الذي يخلق هذه الحالة المحتقنة والمتأزمة في العلاقات المذهبية بين السنة والشيعة؟ ومن الذي يقود الشارع المذهبي نحو التعصب والانغلاق؟ هل تلك القيادات أم إن هؤلاء مجرد أصوات مشهورة في فضاءاتنا الثقافية والدينية..

لكن من يقود الشارع المذهبي ويؤثر فيه هم قادة آخرون يمتلكون رؤية واضحة وقدرة على تحريك الجماهير بها؟!.

في البداية هناك حقيقة لابد من تقريرها؛ هي أن الاختلاف والتنوع في حد ذاته ليس مشكلة أو أزمة، بل هناك من آيات الذكر الحكيم ما تشير إلى أن الاختلاف سنة كونية وأصل في الخلق، لكن إغفال الجانب الإيجابي في الاختلاف والتنوع، ومحاولة تحويل عوامل القوة إلى عناصر ضعف تبقى هي القضية التي تستحق النقاش والاجتهاد، وكان فقهاؤنا القدماء يدركون أن اختلاف الرأي هو عنصر قوة، وأن الاختلاف هو سبيل للاجتهاد وتجويد للرأي واختبار مدى قوته، ولذا كان الإمام أبو حنيفة يقول: "رأيي حسن، وهو أحسن ما قدرت عليه، فمن جاءني بأحسن منه فهو أولى بالصواب مني".

أصنام الوعي الكاذبولذا لم يكن غريبا أن تزدهر المناظرات والجدل العلمي والمعرفي في عصور القوة الإسلامية وتتراجع المناظرات وتحل مكانها الاتهامات والتعصب في عصور الضعف؛ حيث تنقلب النقاشات إلى دفاع عن الهوية وليس بحثا عن الحق والحقيقية التي من المفترض أن تكون سعيا دائما للإنسان، فضعف الوعي بالاختلاف أزمة عقلية تظهر آثارها في أوقات التراجع والضعف الحضاري، فيظن كل طرف أنه يمتلك الحق المطلق وما عداه في ظلام الضلال، وفي هذه الحالة تبزغ أصنام الوعي الكاذب التي يتقاتل الناس عليها وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

في البداية من المهم أن نؤكد أن مسالة الشحن المذهبي بل والتقاتل والتمذهب  ليست أمرا حديثا نراه في وقتنا الحاضر، ولكنها أزمة قديمة ورماد قديم في النفوس قابل للاشتعال بنفس القوة والعنفوان، فمنذ إضفاء الأبعاد الدينية والمذهبية على الخلافات السياسية في صدر الإسلام والاختلافات والاحتقانات تتجدد، وهو ما يؤكد أن الكثير ممن انخرطوا في هذه الصراعات لم يدركوا حقيقة الاختلاف وأنه في عمقه وجذره هو صراع على السلطة وتنافس على الإمارة، فالصراعات تنشأ أولا ثم يحتمي أطراف الصراع بالمذاهب لتبرير أفعالهم ولتوفير الوقود البشري لمعاركهم.

ومما لا شك فيه أن السياسة هي محور الحياة العربية وهي القيمة المركزية في الثقافة العربية التي لو صلحت لصلح الكثير من الأمور، ومن يطالع التاريخ الإسلامي يجد أن القذف المذهبي كان سلاحا استخدمه البعض لتصفية خصومه خاصة السياسيين، فالإمام أبو حنيفة اتهم بالتعاطف مع الشيعة، وكاد الإمام الشافعي يفقد حياته لاتهامه بالتشيع في ظل خلافة هارون الرشيد؛ حيث جيء به مكبلا بالقيود من اليمن إلى العراق.

هل السياسة ملعونة؟

الخلاف الأول الذي حدث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان سياسيا، وقد كان حول شروط الخلافة ومواصفات الخليفة لكنه حل سلميا، ثم عاد الخلاف مرة أخرى بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وظل هذا الخلاف سياسيا أكثر من كونه مذهبيا أو طائفيا، أو بالأحرى جاء الخلاف المذهبي في مرحلة لاحقة وتالية للخلاف السياسي، وهذا الرأي اتفق عليه أغلب من تحاوروا في هذا الكتاب في أن الخلاف في منشئه وعمقه سياسي ثم انعكس في القضايا الفقهية، خاصة إذا عرفنا أن الإمام أبا حنيفة كان من مؤيدي وداعمي ثورة الإمام زيد بن علي السجاد في العصر العباسي الأول، وهو ما يؤكد أن نشأة المذهبية كما يقول الدكتور علي جمعة مفتي مصر أن نشوء المذهبية كان من أجل قيادة قضية الاختلاف الفقهي لكنها تحولت إلى أداة للاستغلال السياسي والطائفي.

ظاهرة الانقسام المذهبي يمكن أن تفهم من زاويتين:

أولاهما: حضارية؛ حيث يصعب أن يكون هناك نوع من الاتفاق الدائم في كل الحضارات بين العناصر المكونة والفاعلة فيها، إذ يكون هناك قدر من التباين في وجهات النظر وقد يكون هذا التباين حول قضايا أساسية، وبالتالي يكون التساؤل في هذه الحضارة هو كيف نجتهد في ضبط هذا الاختلاف والتنوع والاعتراف بوجوده ضمن حدوده الآمنة.

الأمر الثاني: هو أن الاختلاف المذهبي إذا كان عامل ضعف فهو عامل قوة؛ إذ إن الاختلاف والتنوع يخلق قدرا من السعة في الحركة والإدراك نظرا لتعذر الاتفاق الدائم في فهم النصوص، وهو ما يجعل الاختلاف أمرا واردا.ومن هنا فالواقع يؤكد أنه لا يمكن تفسير فترات التوتر المذهبي استنادا إلى النصوص وإنما إلى عوامل من خارج المذهبية؛ هذه العوامل توظف الخصوصيات لضمان قدر من تجييش المذهبيين، ومن ثم تبقى المهمة الأولى هي الحيلولة دون التوظيف السلبي.

ويرى البعض مثل المرجع الشيعي البحريني السيد كامل الهاشمي أن الانقسام قد يكون بدأ سياسيا محضا، لكنه عند الشيعة كان يستند إلى مبررات عقائدية ودينية تقوم على انحصار الحق الديني والسياسي في خلافة النبي صلى الله عليه وسلم في بني هاشم.. لكن ما لبثت المذهبيات أن تحولت إلى حدود فاصلة بين أهل الملة الواحدة، غير أن الخلافات المذهبية دارت حول ثلاثة محاور أساسية، هي:

المحور الفقهي: لكن هذا المحور لم يؤد إلى انقسامات داخل الأمة.

والمحور العقائدي: وقد بدأ في عصر بني أمية، وهو بالجملة خلاف حول فروع العقيدة، وقد خفت هذا الخلاف رغم نبش بعض الحركات الإسلامية فيه؛ لبعث هذه الخلافات من قبرها.

والمحور الثالث: هو الخلاف السياسي المتعلق باختيار الحاكم وصلاحياته ومدى حق الأمة في الشورى والمشاركة في صناعة واتخاذ القرار.

والواقع أن غياب مؤسسات تنظيمية ترعى تنفيذ الحقوق ربما هو ما فتح الباب أمام عدد من الثورات الغاضبة في التاريخ الإسلامي تحت شعار رفع الظلم ورد المظالم.ويرى الشيخ فيصل مولوي أن كل أنواع الخلاف الفقهي والعقائدي والسياسي كانت تنوعا طبيعيا لا يؤدي إلى انقسام عميق في الأمة، وأنه عندما ألبس الخلاف السياسي حول الإمامة لباسا عقائديا تحول إلى انقسام مذهبي حاد، أقام بين السنة والشيعة خلافا عميقا..

وربما هذا ما يؤكده الدكتور لؤي صافي من أن المعارضة الشيعية في بدايتها لم تقم على عقيدة دينية، بل على موقف سياسي مغاير، ولذا ضمت الحركة الشيعية في بدايتها رجالات محسوبة على الاتجاه الفقهي السني، ويؤكد ذلك الفقيه السوري محمود عكام من أن السياسة هي التي تفرق، وحين ترتبط العقيدة بالسياسة يحدث الانقسام.

ويرى الكاتب الدكتور إبراهيم البليهي -عضو مجلس الشورى السعودي- أنه خلال التاريخ العربي مثل الشيعة دائما تيار المعارضة السياسية؛ لذا كانت الدول المتعاقبة توجه الفكر نحو معاداة الشيعة وتشويه التشيع؛ لأن الشيعة لا يرون مشروعية هذه الدول، فكان الرد هو اعتبار التشيع خارج دائرة الإسلام، وكان الدافع سياسيا، ولكن لا يمكن حشد الأفراد واستنفارهم إلا من خلال العقيدة، وهكذا فعلت السياسة فعلها في تزييف الوعي وخلق الكراهية.

العلاقة المأزومة مع التاريخ

يؤكد المفكر التونسي أحميده النيفر أن المسلمين يعيشون علاقة مأزومة مع تاريخهم؛ سواء على المستوى السني أو الشيعي، فالحس التاريخي يحمل قدرا كبيرا من الاضطراب يأخذ المسلمين بعيدا عن مقتضيات اللحظة الراهنة، فيصبح التاريخ حائلا أمام بناء المستقبل، فالمسلمون يتسلحون بخلافات الماضي في سيرهم نحو المستقبل.ولا شك أن اللحظة الراهنة تفرض أن يكون التاريخ عاملا للتقارب وليس مانعا له، ويفرض أيضا على المسلمين أن يقيموا مسافة نقدية بينهم وبين التاريخ تتيح لهم النظر بصورة متوازنة، فالبعض يتعامل مع الزمن وكأنه لا يريد أن يعلمه شيئا جديدا، والبعض يتعامل مع خلافات التاريخ وأحداثه وكأنها لحظات تأبيدية لا تمضي، فيخلد أوقات الأزمات.ويرى السيد جواد الخالصي -المرجع الشيعي العراقي- أن كل شيء في التاريخ يؤثر سلبا في واقعنا يجب أن يزال وأن يرفع من الواقع، وألا تكرر أخطاء التاريخ ومآسيه، ويوافقه الشيخ حسن الصفار -من علماء الشيعة بالسعودية- من أن قراءة التاريخ بالعيون الطائفية والمذهبية جعلت الأمة المسلمة ساحة للفتن وقابلة للاشتعال الطائفي، خاصة في ظل وجود العامل السياسي الداخلي والخارجي، في حين يرى المرجع الشيعي السوري عبد الله نظام أن المسلمين هم ضحايا جهلهم عبر التاريخ، ويرى القيادي الحركي اللبناني فتحي يكن أنه مع الانخلاع الكامل من أسر الخلافات التاريخية.

التوظيف السياسي

والواقع أن الخروج من التوظيف السياسي للخلافات المذهبية لن يتأتى إلا من خلال رؤية ترفض العنف لحل الخلافات السياسية، وتدعو إلى تحكيم المؤسسات الشورية الديمقراطية لتداول السلطة.ويرى الدكتور النيفر أن روح العصر الذي نعيش فيه سوف تفرض شروطها على الجميع، وستدفع إلى الاستفادة من بعض الاجتهادات الفقهية التي توجد في المذاهب الأخرى، فالمذهب الجعفري وقع اعتماده في لبنان من قبل بعض العائلات السنية في بعض القضايا المتعلقة بالإرث، وفي تونس في بعض قضايا الأحوال الشخصية، فهناك حالات من الانفتاح المذهبي لأن الانغلاق غير مجد علميا، لكن توترات السياسة هي التي تغذي الاكتفاء بالذات.

وأشار النيفر إلى مسألة مهمة وهي أن رفض الاستفادة من المذاهب الأخرى يعود لمناهج التكوين العلمي في عموم المؤسسات التعليمية الدينية التي تبدو مطبوعة بطابع الدفاع الأيديولوجي.

وأكد النيفر أن من افتقر إلى الحلول الناجعة يستسهل الوصفات القديمة.. وبالتالي هناك حاجة إلى مراجعة عميقة -خاصة في المؤسسات السنية- لإحداث تحول نوعي يستبعد الروح التمجيدية بما يمكن من ظهور المجتهد القادر على العودة إلى مذهب آخر غير مذهبه لينظر في أدلته وطريقة بنائه، واختصارا هناك حاجة إلى إعادة الثقافة الفقهية.. لكن هذا يطرح إشكالية الارتهان للسياق السياسي وما يتيحه من قبول أو رفض، ومدى استقلالية المؤسسة التعليمية بالنسبة للسلطة السياسية.

ويؤكد راشد الغنوشي -زعيم حركة النهضة التونسية- أن القتال على المذهب أو الدين قليل في التجربة التاريخية الإسلامية، إذ إن القتال في غالبه كان على السياسية.

وأشار الغنوشي إلى أنه لا تزال أمتنا هي الأمة الوحيدة التي تتقاتل وتتصارع فئات واسعة من أبنائها على خلافات مضت عليها قرون، ولذا يرى الشيخ حسن الصفار أن الساحة الدينية بمختلف مذاهبها بحاجة إلى إقرار مبدأ التعددية، والاعتراف بالرأي الآخر واحترامه، واعتماد نهج الحوار والحجة.المفتي علي جمعة يرى أن النسق السني كان مفتوحا على الشيعة سواء على مستوى أصول الفقه أو الفقه، وأن النسق السني كان يقبل الآخر ويناقشه.

ويرى جمعة أن أهل السياسة لا يستطيعون أن ينشئوا صراعات مذهبية لكنهم قادرون على استغلال تلك الصراعات لخدمة مصالحهم، وهو ما يتفق معه الدكتور إبراهيم البليهي من أن التدخلات الخارجية لا تؤثر إلا في المجتمعات التي لديها استعداد مسبق للصراعات، فنحن الذين نعطي عناصر القوة لخصومنا، فالسلطة هي القيمة المحورية في الثقافة العربية، أو كما يقول الدكتور نصر حامد أبو زيد فإن التدخلات الخارجية لا تنشئ واقعا في فراغ، بل تستثمر الإمكانات الموجودة، وأن المقاومة الحقيقية تبدأ من الإقرار بالمسئولية الذاتية سعيا لإصلاح أخطاء وخطايا الذات، وبالتالي فالإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي يعد مخلا لمقاومة التدخلات الخارجية في القضية المذهبية.أما السيد كامل الهاشمي فيرى أن المشكلة ليست في الاختلاف، ولكن في أن المجتمعات لا تعرف كيف تختلف وتدير خلافاتها، والعدل عندما يفقده الإنسان في تعامله مع الآخرين فإنه يبتعد عن القدرة على التوازن وإنشاء علاقات سوية.

الشيخ فيصل مولوي يرى أن المذهبية تعد تنوعا عندما تكون وجهة نظر يمكن قبولها ضمن الثوابت الأساسية للدين، أما عندما تكون فكرة جديدة تناقض الثوابت فهي مرفوضة من الفريق الآخر.. ويرى أن المذهب الجعفري يخالف المذاهب الأربعة في النظر إلى بنية السلطة الإسلامية، ومن أين تستمد شرعيتها، وهو خلاف سياسي كان من الممكن أن يزول؛ إلا أن إقامة هذه النظرية السياسية على قاعدة عقائدية لا تقبل التغيير أو التطور أو الاجتهاد، وهي قاعدة (الإمام المعصوم المعين) جعل هذا الخلاف يتعمق على مر الزمن.

ويرفض الدكتور النيفر مقولة إن الدين قادر على إلغاء الاختلاف نظرا لأن كل تدين يفضي في جانب منه إلى اتفاق، وفي الجانب الآخر سيؤدي حتما إلى مواجهة قدر من الحركية الاجتماعية والفكرية الخاصة؛ حيث لا يوجد مجتمع خاضع لنسق فكري واحد تخترق فئاته نفس المصالح والنوازع والطموحات... وهو ما يفرض ألا يستخدم الدين كقوة معبرة عن الانقسام؛ لأن ذلك يحرم الدين من قدرته التجميعية والتربوية والقيمية.

مصطفى عاشور

موقع مدارك ( اسلام اون لاين )  26/10/2009

 

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.