عبد العزيز المقالح وينابيع الشعرية..

انشغل النقاد العرب المعاصرون بدراسة الشعراء الذين حققوا شهرة واسعة سواء أكانت حقيقية أم مزيفة صنعها الإعلام المحابي، وينسى هؤلاء النقاد مبدعين حقيقيين أثروا الأدب العربي بألوان عديدة من الإبداع وإذا ما أردنا الحديث عن ذلك فإن القائمة طويلة ولكننا نقف عند حدود كتاب هام صدر حديثاً عن دار الفكر في دمشق وحمل عنوان التشكيل التخيلي والموسيقي في شعر المقالح.
وعبد العزيز المقالح الشاعر والأكاديمي اليمني مبدع متميز ترك بصمات هامة وقدم للمكتبة العربية عشرات الكتب النقدية والمجموعات الشعرية، وخرّج أجيالاً في الجامعات العربية...
والمقالح مثل غيره من المبدعين لم يحظ بالدراسات النقدية الجادة... ولكن هذه الدراسة التي نقف عند ملامحها تقدم نقداً أكاديميا وتتناول السمات الفنية في شعر المقالح.
الكتاب أطروحة أعدتها عناية عبد الرحمن عبد الصمد أبو طالب وهي دراسة تحليلية نقدية للأدب اليمني من خلال شعر المقالح.
والمقالح كما تقول: شاعر معاصر وقع اختياري عليه بعد فترة غير قصيرة من التأني والبحث، فقد كان المقالح بشعره وأدبه واحداً من أربعة شعراء يمنيين رأيت أن شعرهم أهل للدراسة منذ أن كنت طالبة في مرحلة الإجازة، حين حزَّ في نفسي أن أقرأ كتب النقد وقد أغفلت الأدب اليمني وهؤلاء الشعراء هم: محمد محمود الزبيدي / أحمد الشامي/ عبد الله البردوني/ عبد العزيز المقالح.
وتشير المؤلفة إلى أن الدراسة تقتصر على دراسة مجموعته الشعرية الأولى التي تمثل مرحلتي المحاكاة والاستقلالية والتي تمتد منذ عام 1957 وحتى عام 1974 م وتصور مرحلة من أحرج المراحل في تاريخ شعبنا اليمني، وهي مرحلة استطاع الشاعر عبر قصائده تقديم رؤيته لها بعين بصيرة، بل تقديم صورة عن معاناته ومعاناة اليمنيين فيها.
ومن الأسباب التي دعت لهذا الاختيار أن المقالح من الشعراء المبرزين في اليمن وعلى مستوى الوطن العربي، كما أن شعره يجمع بين القصيدة العمودية والشعر الحر، ما يتيح للباحث فرصة التعرف على خصائصها عند شاعر بعينه، بل التعرف على العملية الإبداعية عنده تمهيداً لتبين علاقتها مستقبلاً بموقفه النظري من الفن، هذا الموقف الذي يمكن أن يستنبط من بعض قصائده في الديوان ومن المقالات الكثيرة والكتب النقدية التي تكشف عن أهمية تفكيره النقدي في النقد المعاصر.
وقد سعت هذه الدراسة إلى تبين الشعرية والجمالية في هذا الشعر واضعة نصب عينيها مقولة جاكبسون «ما الذي يجعل من رسالة لفظية أثراً فنياً» محاولة الإجابة عن هذا السؤال، مفيدة مما أتيح للباحثة من معارف جديدة مدتنا بها العلوم الإنسانية، ولاسيما علم اللغة في تطبيقاته على الفن والأسلوبية بمنازعها المختلفة والنقد باتجاهاته الحديثة.
ولم يفتنا أن الشعرية كما يقول (جيرار جونت) علم غير واثق من موضوعه إلى حد بعيد وأن معايير تعريفها هي إلى حد ما غير متجانسة وأحياناً غير يقينية.
تستغرق الدراسة أكثر من 400 صفحة وتتوزع على بابين أساسيين هما: في التشكيل التخيلي وفيه تتناول الباحثة العناوين التالية: بنية الصورة الشعرية/ الصورة القائمة على المشابهة/ الصورة الاستعارية/ينابيع الصورة/ الينابيع وعلاقات التوحد/الينابيع - الرموز /المحارق المولدة/أنماط الصورة / الصورة الحسية.
وفي الباب الثاني تتناول التشكيل الموسيقي وتبحث من خلاله التكرار الفني / التكرار الترنمي/ التكرار المعنوي/ التكرار التعبيري/ التكرار والبناء الكلي للقصيدة/ الوزن وجمالية الايقاع/ الوزن /الايقاع /نموذج من الشعر الحر... الخ.
قيم جمالية ومن خلاصات البحث يمكن أن نشير إلى بعض المقتطفات السريعة إذ ترى الباحثة أن الشاعر بدأ مع الشعر في مرحلة إبداعية مبكرة وتقدم السنوات لا يعني تطور تشبيهات الشاعر تطوراً كبيراً لأنها نقع علي إيقاعات مبكرة له لا تقل شعرية عن التشبيهات التي أبدعتها مخيلته في سنوات متأخرة.
وتحليل النماذج الشعرية يوحي بأن المقالح جدد في التشبيه حتى جعل منه قيمة جمالية لا سبيل إلى نكرانها، ولعل حاجة السياق كان لها شأن في ظهور هذه الجمالية.
أما ينابيع الصورة فقد جاءت خادمة لرؤية الشاعر للعالم تسهم في خلق وعي المتلقي بما يدور حوله من معضلات تتصل بحياته الوطنية والقومية، كما تتصل بتجاربه الذاتية، والطبيعة بعناصرها المختلفة تمثل المنبع الأول في العملية التخيلية وثمة تمايز بين هذه العناصر على صعيد الاستخدام الاستعاري والرمزي، وهذه الينابيع كثيراً ما خرجت عن مدلولاتها المرجعية للتعبير عن مدلولات رمزية وكثيراً ما جاء الرمز مندمجاً مع الصورة مما يزيد في غناها.
ديب علي حسن
نشر في جريدة الثورة
15/12/2009

إضافة تعليق