دعوة إلى تخطيطٍ بعيد المدى لاستعادة القدس

- قبل سنتين، احتفلت إسرائيل بمضي ستين عاماً على تأسيسها، ولعقنا جراحنا لنعلن القدس عاصمة للثقافة العربية عام 2009، ربما كان ذلك تعويضاً عن تفريطنا بها، أو اعتذاراً عن عجزنا الفاضح عن نصرتها، أو ربما لتكون عاصمة في المنفى تعيدها إلى ذاكرة أهلها وعشيرتها..

- ستون عاماً من الصعود الإسرائيلي، نجحت فيه إسرائيل:
-على أرض المعركة بالسيطرة على 85% من أرض فلسطين في أشرس استعمار استيطاني إحلالي عرفه التاريخ البشري..
-وفي البعد القومي العربي نجحت في إقصائه، واختراق أنظمته، وإشغال كل بلد بهمومه، وحصره داخل حدوده، وعزله عن قضية فلسطين، بوصفها شأناً داخلياً يخص الفلسطينيين منذ أوسلو، وكسر حاجز العداء بينها وبين بعض دوله التي استقبلت سفراءه ورفعت أعلامه في عواصمها..
-ولم ينج البعد الإسلامي من الإقصاء، فلم يعد الأقصى أولى القبلتين، وثالث الحرمين اللذين تشد إليهما الرحال، ولم تستطع دول العالم الإسلامي- على الرغم من حرارة إيمانها- أن تكون ملكية أكثر من الملك، فأهل مكة أدرى بشعابها..
-أما على الصعيد الدولي، فقد نجحت إسرائيل في تضليل العالم وتثبيت أكذوبة حقها في الوجود، والتغاضي عن كون هذا الوجود قد تم عبر السطو والنهب والتقتيل والتهجير.. 
لم تكن نسبة اليهود إلى عدد السكان في فلسطين عام 1850 تجاوز 5و1% ارتفعت إلى 5و6% عام 1872و 8و8% عام 1886 حتى وصلت إلى 5و32 عام1948  بسبب الهجرة المدعومة ظلماً وعدواناً من الدول الغربية، وبسبب التهجير والإبادة الجماعية لأهل الأرض.
- ستون عاماً من التقهقر والانحطاط العربي:
تم فيها إقصاء الشعوب عن دائرة الفعل، على أساس أن حكوماتها هي الأقدر على حماية الأرض وصيانة العرض؛ عن طريق جيوشها النظامية التي تولت كِبْرَ هزائمها المتلاحقة من 48 إلى 67 إلى 73، ثم صمتت أسلحتها صمتاً مطبقاً بعد ذلك بذريعة التفوق التكنولوجي لجيش العدو، فحوَّلتها باتجاه الداخل لحفظ أمنها الرسمي.
كما تم إقصاء الشعوب بعد ذلك عن دائرة القول، فكُمت أفواهها حتى عن التظاهر والاستنكار، باعتبار أن الدولة هي الأقدر على الكلام عبر وسائلها للإعلام التي تولت ترويض شعوبها حتى تركت الكلمة للسلطان؛ يتحدث باسمها، ويقرأ عنها، ويفكر عنها، لكي تتفرغ لهموم أكلها ومتاعها كالأنعام. 
تقليبُ شاشات التلفاز، بحثاً عن أخبار العدوان، ومشاهدُ القتل والتهجير وتدميرِ المنازل؛ هو كل ما بقي للقدس في ضمير الإنسان العربي والمسلم في مواجهة العدوان الإسرائيلي المتواصل عليها، بينما المضيُّ في إجراءات تهويدها، وإقامةُ الهيكل على أنقاض الأقصى، وإقامة الجدار العازل،وقضم المزيد من الأراضي، وبناء المزيد من المستوطنات، والاعتقالُ اليومي لمزيد من الشباب الفلسطيني هو ما تمارسه إسرائيل فعلياً على الأرض.
هكذا تم حرمان القدس وما حولها من بعديها العربي والإسلامي، وتقليصها إلى بعدها الفلسطيني الضيق، حتى استباح بعض العرب أن يبني علاقات صداقة ومودة مع أعداء أمته، وطابت نفسه أن يستقبلهم بالأحضان، وهم يقتلون أبناءه ويدمرون منازلهم في الوقت ذاته في غزة، ثم راح يضيف حصاره الظالم عليها إلى حصار العدو، ويكمل الجدار الإسرائيلي الإسمنتَّي العازل بجدار عربي من فولاذ؛ يذهب عميقاً في الأرض يحف به الماء منعاً لأي اختراق؛ كأنما لم تعد الحدود المصطنعة الوهمية التي خطتها اتفاقية سايكس بيكو حول كل بلد عربي، وقالت له كما يقول الشيطان لعبدته إياك أن تتخطى الدائرة.. كأنما هذه الخطوط الوهمية لم تعد تقنع الشيطان على الرغم من قناعة أصحابها بها، خوفاً أن يستعيد عبدته وعيهم يوماً فيدوسونها بالأقدام. ولو أننا صدقنا ذريعة السيادة لكان علينا أن نبنيَ جدران العزل الفولاذي على طول خطوط الحدود الوهمية التي خطها الشيطان لنا.. لكنها المقاومة، الملاذ الأخير والخيار الوحيد الذي بقي لنا في صراعنا مع العدو الغاصب، لا بد من إحكام الحصار عليها وتجويعِها للقضاء عليها،ووضع اللمسات الأخيرة على التصفية وإسكات الصوت الفلسطيني النشاز.. 
* نكاد لا نشارك في ندوة أو مؤتمر أو أمسية شعرية أو مجلس؛ إلا وتكون الشكوى والتحسر والبكاء على الأطلال والإزراء بما تعانيه الأمة العربية من تفكك وانهزام؛ اللغةَ المشتركة السائدة فيها، بكل ما تنتجه هذه الحسرات من إحباط ويأس وكره للذات؛ يشل فاعليتها ويخدرها إلى درجة الإدمان.
وأتساءل: إلى أي مدى يمكن أن يصل بنا هذا الموقف السلبي الانفعالي؛ غيرِ المزيد من حلقات مسلسل العجز والانهزام؛ إزاء مشروع صهيوني توسعي خُطط له بعناية؛ لاقتلاع شعب من أرضه وإحلال أشتات يهود مكانه!!
* ماذا لو رفعنا جميعاً أصواتنا في مواجهة العالم المخدوع، مثلما فعل الملك فيصل؟!
لقد سبق للملك فيصل آل سعود أن ضرب مثلاً رائعاً في كشف الزيف عندما زار الجنرال ديغول في قصر الإليزيه قبيل حرب حزيران عام 1967 فقال له ديغول بلهجة متعالية: إنكم يا جلالة الملك تريدون أن تقذفوا بإسرائيل إلى البحر.. إسرائيل هذه أصبحت أمراً واقعاً، ولا يقبل أحد في العالم رفع هذا الأمر الواقع.
أجابه فيصل: يا فخامة الرئيس! إن هتلر احتل باريس، وأصبح احتلاله أمراً واقعاً؛ استسلمت له فرنسا كلها إلا أنت: انسحبتَ مع الجيش الانكليزي، ورحت تعمل لمقاومة هذا الأمر الواقع حتى تغلبت عليه، وها أنت ذا تطلب مني أن أرضخ للأمر الواقع، فالويل عندئذ يا فخامة الرئيس للضعيف إذا احتل القوي أرضه وراح يطالب بالقاعدة الذهبية للجنرال ديغول: أن الاحتلال إذا أصبح أمراً واقعاً فقد أصبح مشروعاً.
قال ديغول: لا تنس يا جلالة الملك أن هؤلاء اليهود يقولون: إن فلسطين وطنهم الأصلي، وجدهم الأعلى إسرائيل ولد هناك.
فقال فيصل: أنت يا فخامة الرئيس رجل متدين وتقرأ في الكتاب المقدس أن اليهود جاؤوا من مصر غزاة فاتحين؛ حرقوا المدن وقتلوا الرجال والنساء والأطفال، ما تركوا مدينة إلا أحرقوها. فكيف تقول: إن فلسطين بلدهم، وإنما هي بلد للكنعانيين العرب، استعمرها اليهود قبل أربعة آلاف سنة لمدة سبعين عاماً، فلماذا لا تعيد استعمار روما لفرنسا؟ أتريد إصلاح خريطة العالم لمصلحة اليهود، ولا تصلحها لمصلحة روما التي كانت تحتل فرنسا والبحر المتوسط كله وانكلترا أيضاً قبل ثلاثة آلاف عام؟
ونحن العرب أمضينا مئتي عام في جنوب فرنسا، فهل تسمح لنا بالعودة إليه؟!
- ماذا لو فكرنا على مستوى الأفراد والمجتمعات بطريقة إيجابية تضع أقدامنا على طريق الفعالية، ونفوسنا على أعتاب الأمل؟!
ماذا لو حملنا على عواتقنا، وحمّلنا شبابنا قضيةً، نسخر لها طاقاتنا ومواهبنا؟
كم سوف تغير هذه القضية من حياتنا وتكسبنا من الثقة بأنفسنا؟!
كم ستحولنا من رقم مهمل لا يجاوز الصفر على الشمال، غثاءٍ كغثاء السيل، لا وزن له، ولا يُكترث به، إلى رقم على اليمين تثقل به الموازين، ويحسب له ألف حساب؟!!
وهل ثمة قضية للإنسان العربي والمسلم أسمى وأغلى من قضية القدس؟! وهل ضاعت القدس واستهدف الأقصى إلا بالفعل المخطط له بإحكام، منذ المؤتمر الصهيوني في بازل 1897م، في مقابلة ردود فعل عشوائية لم تندرج في إطار خطة واضحة الأهداف بعيدة المدى؟!
* لقد قامت دولة إسرائيل في فلسطين على أكذوبة حق إسرائيل في الوجود، ولسوف تزول دولة إسرائيل تلقائياً بقدر ما تنفضح هذه الأكذوبة للعالم وتنكشف الحقائق:
-بدفاع أهل الأرض عن أرضهم وتشبثهم بها..
-باستخدام تقنيات العصر الإعلامية لدحض الزيف والافتراء، واستنفار الضمير الإنساني لنصرة الحق..
-بالإسهام في نهوض المجتمع واستئناف الأمة دورها الحضاري الذي يؤهلها له مخزونها الفكري والقيمي الكامن، وحاجة الإنسانية الملحة إلى هذا المخزون..
* إننا نملك في الأرض المحتلة قوة المقاومة يمارسها مجاهدون يبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيل الله والحق، ونملك خارج الأرض المحتلة قوة الحق ذاته ندير بها معركة ثقافية؛ رقعتُها هي الأوسع، إذ تستوعب العالم بأسره. يستطيع كل شاب من شباب عصر المعرفة أن يوجه رسائله إلى العالم بلغاته المختلفة عبر الإنترنت، ليدحض بها باطل إسرائيل وأكاذيبها، ويفضح بها عدوانها وهمجيتها، وينشرَ على الملأ جرائمها ضد الإنسانية، ويرفع القناع عن وجهها الكالح، فلا تستطيع أبرع عمليات التجميل (الماكياج) أن تلمع صورتها، ولن يستطيع حينئذ أحد في العالم أن يدافع عنها أو يظاهرها، لأنه سيكون معها في قفص الاتهام.
* ماذا لو كان ذلك في إطار خطة عربية و إسلامية محكمة، ذاتِ أبعاد متعددة، وأهداف واضحة، وجداول زمنيةٍ دقيقة يتيح لنا عصر المعلومات والاتصالات اختزالها؟!
ومن أجدر من مؤسستكم الموقرة (مؤسسة القدس الدولية) بوضع هذه الخطة الشاملة، متجاوزة ردود الأفعال الآنية، ومقدرة لكل حال قدرها؛  تستنفر لها كبار المختصين في التخطيط الاستراتيجي الشامل، بكل أبعاده العسكرية والثقافية والإعلامية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية، يخططون لإخراج الأمة من حالتي الغثاء والعشوائية إلى حالتي وعي الذات والفعالية، ويضعون لذلك جداوله الزمنية الدقيقة مهما طالت  ويحسبون لكل الاحتمالات حسابها، ولكل الصعوبات حلولها؟!
 ?يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله? [الروم 30/4-5 ]  وتعود القدس إلى أهلها، ويكتب التاريخ لها صفحة جديدة بعنوان : ( عودة القدس إلى  أهلها على يد جيل كان كله صلاح الدين)..

 


المؤتمر السابع لمؤسسة القدس الدولية

13-14/1/2010 

 محمد عدنان سالم

 

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.