فلسطين المُتَخَيَّلَة

عن دار الفكر صدر مؤخراً كتاب جديد بجزأين حمل عنوان "فلسطين المُتَخَيَّلَة" للأستاذ الباحث المختص بعلم المثيولوجيا والثقافة العربية القديمة "فاضل الربيعي"

 أثار صدور هذا الكتاب جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والأكاديمية كونه يطرح نظرية جديدة حول تلفيق النص التوراتي في موضوع فلسطين. فند د. الربيعي في كتابه رواية الاستشراق التي قدمها عدد كبير من الباحثين الغربيين الذين استندوا في دراساتهم على النصوص التوراتية الملفقة.

 زهرة المدائن التقت الدكتور الربيعي وأجرت معه الحوار التالي: • تتناول في مجمل دراساتك وأبحاثك القضية الفلسطينية من جوانبها المختلفة لكن كتابك الجديد حمل عنواناً غريباً "فلسطين المتخيلة"، حدثنا عن سبب هذه التسمية؟

** اخترت هذه التسمية لأنني أعتقد أن فلسطين التي ظهرت فيما يسمى "الدراسات التوراتية" نسبةً للكتاب المقدس هي "فلسطين متخيلة" لا أساس لها من الصحة، هناك "فلسطين تاريخية" وهناك "فلسطين أخرى مخترعة" لفقها الاستشراق الغربي استناداً لروايات التوراة، فالنقاش حول مسألة وجود اسم فلسطين أو الفلسطينيين أو أن التوراة ذَكرت أي شيء عنها أو عن القدس هو أمر بالغ التأثير والخصوصية وينبغي البرهنة على أن التوراة لم تذكر قط لا اسم فلسطين ولا اسم الفلسطينيين كما أنها لم تذكر اسم القدس، والقدس هي ضحية عمل استشراقي غير علمي مبني على غايات استعمارية كان الغرض منها فلسطين المُتَخَيَّلَةتمهيد الطريق لاغتصاب فلسطين وتشريد شعبها بتلفيق رواية مفبركة، ولذلك وَجَدت أن الطريق الوحيد لمعالجة هذه المسألة هو الأسلوب العلمي وإعادة بناء الرواية التاريخية عن فلسطين استناداً لمرويات التوراة نفسها، والتأكيد على أن ما ورد في التوراة لا يتطابق لا من قريب ولا من بعيد مع جغرافية فلسطين وتاريخها القديم والموثق والمثبت علمياً. ولذلك فكتابي هو مساهمة في تصحيح تاريخ فلسطين القديم بشكل خاص، وتاريخ المنطقة المجاورة بشكل عام والذي روَّج له الاستشراق عندما زعم أن تاريخ فلسطين يرتبط بروايات التوراة وأنه يرتبط بقصة ما سمي بـ"أرض الميعاد".

• وردت الكثير من المسميات الخاطئة والمضللة في أبحاث المستشرقين الغربيين عن فلسطين والقدس، ماذا تقول عن ذلك؟

** بنيت الرواية التاريخية الإسرائيلية أو الصهيونية أو التوراتية على القراءة الخاطئة والمضللة والمخادعة لنصوص التوراة، فعندما قرأ التوراتيون كلمة "فلشتيم" أو "فلستيم" على سبيل المثال، كرَّسوا بذلك في أذهان ملايين البشر أن هذا الاسم يعني "فلسطين"، وهذا لا أساس له من الصحة أو المصداقية، لأن "فلشتيم" لا يمكن أن تكافأ بكلمة "فلسطين"، الياء والميم في العبرية القديمة هي أداة جمع وتثنية، والعبرية ناطقة بحرف الطاء، فإذا كانت تقصد اسم الفلسطينيين لكتبت اسمهم بحرف الطاء وليس بحرف التاء "فلسطين".

هذا يعني أنها تقصد شعباً آخر، لا علاقة له بالفلسطينيين، هذا الشعب الآخر، وإذا أعدنا قراءة الرواية التاريخية وأعدنا بناءها على أساس المقارنة مع مرويات التاريخ العربي القديم ومع النقوش والآثار والمكتشفات، سنلاحظ أنها منصرفة إلى اسم جماعة بشرية وثنية قديمة عبَدَت إله "الفلس" وهو صنم عربي قديم، والنسبة إليه "الفلسة أو الفلست" كما يُكتب في النقوش اليمنية، فضلاً عن ذلك أن مسرح الأحداث التي تدور فيها "مرويات التاريخ التوراتي" لا يتطابق مع جغرافية فلسطين، ولا مع أسماء الأماكن ولا مع أسماء الجماعات البشرية، ولذلك حاولت أن أعيد قراءة النص التوراتي بلغته الأصلية العبرية، لأنني لا أعترف بالنص العربي السائد وأعتبره نصاً ملفقاً، لأنه قام بمكافأة عشرات بل مئات الكلمات التي لا يوجد لها مكافئ باللغة العبرية ترجمت بطريقة اعتباطية وتعسفية، وعلى هذا الأساس عندما قمت بالبحث اكتشفت - وهذا هو الأمر الهام- وثيقة خطيرة لم يقترب منها البحث في الدراسات والبحوث العربية بطريقة علمية هي "صفة جزيرة العرب" لمؤلفها "الهمداني"، وصفة "جزيرة العرب" وهو كتاب صدر منذ ما يزيد عن ألف ومئة عام، وجدت في هذا الكتاب وصفاً متطابقاً مع ما ورد في التوراة، كذلك وصف "الهمداني" أرض اليمن، والتوراة بمحتواها كتاب إخباري تناول يهود اليمن، ووصف أرضها دون أن يذكر فلسطين، ولا علاقة له بها لا من قريب ولا من بعيد، هذا هو جوهر الأطروحة أو النظرية التي يتضمنهما.

• ما هو المنهج الذي اعتمدت عليه في دراستك التي احتواها كتابك الأخير؟

** يقوم المنهج الذي استخدمته على ثلاث ركائز أساسية:

1 ـ إعادة ترجمة النص الأصلي العبري القديم من التوراة واستبعاد الترجمة العربية.

 2 ـ مطابقة نص الهمداني الذي وصف وسمى مواقع وجبال وأماكن وأسماء قبائل في أرض اليمن ومطابقتها مع ما ورد في التوراة، هنا لاحظت مدى التطابق دون أي تزوير أو تحريف في طريقة لفظ الكلمة وفي طريقة رسم الحرف وكتابته.

 3- استخدمت الشعر الجاهلي القديم للبرهنة على أنه يصف أماكن ومواضع يمنية وعربية وليست يهودية تنسب إلى تاريخ اليهود المزعوم في فلسطين.

 • هل لدى الغرب كُتَّاب ونقَّاد يجرؤون على نقد هذه الأسطورة اليهودية المزعومة والمبنية على التوراة؟

** هناك تياران رئيسيان اليوم في ما يسمى الدراسات الكتابية وفي علم الآثار.

 الأول: التيار التوراتي التقليدي الذي يقوم عمله بشكل رئيسي على مطابقة ما تم اكتشافه في باطن الأرض مع الرواية التوراتية، أي أنه يلوي عنق كل المكتشفات من أجل أن تتطابق مع المروية التوراتية، وهذا التيار معروف بأنه تيار متعصب ومحافظ وغير علمي، ولكنه سائد في علم الآثار وفي الدراسات الكتابية، يقوده كثير من العلماء المتعصبين الذين أعماهم تعصبهم عن رؤية الحقيقة.

 ـ أما التيار الثاني فيمكننا وصفه بالنقدي العلمي، يقوده عدد من الدارسين وعلماء الآثار وكتَّاب التاريخ والأكاديميين، أبرزهم العالم الإسرائيلي الشهير "هرتسوغ" الذي نشر في منتصف التسعينات دراسة خطيرة للغاية أثارت ضجة في أوروبا وإسرائيل صدرت عن معهد إسرائيل في أمستردام، أهم ما جاء فيها: "اليوم وبعد سبعين عاماً من البحث الأثري في فلسطين أستطيع أن أؤكد أننا لم نعثر على أي شيء يؤكد صحة ما ورد في التوراة من روايات وقصص عن داود وسليمان وعن الهيكل وعن أورشليم"، وفي موقع آخر من الدراسة: "إن ما ورد في هذه القصص لا يمكن بأي شكل من الأشكال اعتماده كمادة تاريخية للمطابقة مع جغرافية أو تاريخ فلسطين القديم". أيضاً هنالك العالم الشهير"طومسون" الذي كتب عن شعب إسرائيل القديم والذي طُرد من الجامعة بسبب كتاباته، على إثرها خَسِرَ منصبه وطرد وحورب بسبب نفيه نفياً قاطعاً بالأدلة العلمية أن تكون للرواية التوراتية أي أسس تاريخية يمكن أن تتطابق مع تاريخ فلسطين القديم أو مع جغرافية فلسطين القديمة، هذا يعني أن هناك تياران متصارعان، المشكلة ليست في وجود هذا التيار، المشكلة أن الثقافة العربية لم تُنتج حتى الآن تياراً نقدياً يقرأ هذه المنجزات الثقافية، بطريقة جديدة، ويعيد بناء الرواية التاريخية، كما أن الدارسين والباحثين وحتى علماء الآثار العرب يكررون الرواية الاستشراقية الملفقة ويعيدون إنتاجها، وفي يومنا هذا هناك مأساة أود أن ألفت الانتباه إليها تكمن في جامعاتنا العربية التي تُخرِّج كل عام عشرات الطلاب من قسم التاريخ، هؤلاء الخريجون سيصبحون بعد وقت قليل أساتذة، وكل هذه الأجيال العربية تكرر وتعيد إنتاج رواية زائفة عن التاريخ الفلسطيني القديم لأن ما ورد ويَرِد في المناهج الدراسية في الجامعات مبني على مقولات استشراقية زائفة معادية للعرب ومعادية للعلم، ومن موقعي هذا أدعو إلى إعادة النظر بما يسمى "تاريخ الممالك الآرامية في سورية" الذي يُدرَّس في الجامعة، بغية إعادة النظر فيه، لأن 90% من هذا التاريخ الذي يُدرَّس في الجامعات مبني على رواية التوراة دون أي دليل علمي أو نقوش أو سجلات.

 • في أبحاثك سلطت الضوء على تشابه الأسماء والأمكنة الموجودة في اليمن، هل هذا دليل كافٍ أو مُقنع؟

 ** لا يوجد في كتابي على الإطلاق أي شيء اسمه مطابقة بين الأسماء الواردة في اليمن أو في فلسطين أو التوراة، أنا على العكس من ذلك لم أذهب لا إلى تحويل الكلمات ولا إلى مناقشة هذا التشابه، إنما قدَّمت أدلة علمية، وأعدت ترجمة النصوص التوراتية الأصلية، وقارنتها مع نصوص الهمداني، على سبيل المثال: "يرد في سفر يشوع" وصفٌ لما يسمى أرض الميعاد، قارنته مع وصف الهمداني، وهو يتطابق حرفياً بالأسماء وأوصاف الأماكن، ثم دللنا على ذلك بأبيات من الشعر الجاهلي. وعندما قمت بتفكيك النص التوراتي اكتشفت أن التوراة تتحدث عن سبأ وحضرموت وعدن وأوزا التي هي صنعاء القديمة، وليس هناك أي شيء اسمه فلسطين، التوراة تتحدث عن "قَدَس" بفتح الحرف الأول والثاني، و"قَدَس" كما تصفه التوراة هو جبل شامخ، ولا يوجد جبل في فلسطين اسمه "قَدَس أو قُدُس"، والقدس العربية فوق هضبتين كبيرتين، وليست فوق جبل، ولذلك فالجماعة الصهيونية المتعصبة للهيكل "أمناء جبل هيكل" يكونون على حق عندما يقولون نحن نؤمن بأن الهيكل في الجبل، ولا يوجد في فلسطين جبل في القدس بحيث أنهم يفتشون عنه، علماً أن هذه الجماعة تفتش تحت قبة الصخرة، وليس فوقها عن الهيكل، ويسمون أنفسهم "أمناء جبل الهيكل"، أين الجبل وأين الهيكل؟.

هذا يؤكد أن الرواية التوراتية تتحدث عن مكان آخر لا علاقة له بفلسطين.

 الشيء الآخر هو أن القدس في التوراة لا تسمى "أورشليم" قط، ولا يوجد أي نص في التوراة يقول أن القدس هي أورشليم، هذا تلفيق استشراقي للاستيلاء على فلسطين، فلسطين عرفت شيئاً اسمه أورشليم ولكن نحو (200 ق.م)، بينما التوراة كتبت في (500 ق.م).

 • هل جئت لتضيف شيئاً جديداً في أطروحتك، هل هناك تقاطع أو نقاط مشتركة مع الآخرين ممن كتبوا عن هذا الموضوع؟

** أولاً أنا أرفض فكرة أن اليهود جاؤوا من الجزيرة العربية، باختصار شديد اليهودية دين عربي قديم، لم تظهر لا في المكسيك ولا في إيرلندا ولا في إسبانيا، والنبي موسى ليس نبياً استرالياً، وداود ليس ملكاً دانماركياً أو سويدياً، وسليمان ليس بحاراً في البرتغال، هؤلاء أنبياؤنا وملوكنا وهذه أرضنا وشعوبها القديمة قبائلنا. اليهودية دين عربي قديم، والتوراة كتاب من كتب يهود اليمن، مثلها مثل المسيحية، والمسيحية دين عربي قديم اعتنقته الإمبراطورية الرومانية ، وأصبحت مسيحية ثم انتشرت، واليهودية ولدت ونبتت في هذه الأرض، ومن المثبت عند العرب القدماء والمؤرخين أن اليهودية ظهرت في اليمن، وجميع المؤرخين العرب القدماء يؤكدون ذلك، وهذا أمر بديهي ومن المعروف أيضاً أن اليهود كانوا يهود اليمن، والمسيحية ظهرت في نجران، والإسلام ظهر في الحجاز هذه بديهيات، لذلك ليس هناك شيء اسمه اليهود جاؤوا من الجزيرة العربية. هذه قبائل عربية اعتنقت ديانة إسرائيلية قديمة أو ديانة يهودية، وهي ديانة عربية قديمة، كُتِبَتْ نصوصها بلهجة من لهجات العرب القدماء اسمها "العبرية"، وعرف العرب هذه اللهجة بوصفها لهجة من لهجات اليمن، وفي كتابي حللت أدوات التعريف والتصريف والتثنية والجمع في هذه اللهجة لأقول أنها لهجة يمنية، ووجدت أن كثيراً من حروف هذه اللهجة يتطابق كلياً مع طريقة رسم بعض الحروف في لهجات الصفويين والمعينيين والسبئيين والثموديين، حتى طريقة التصوير والنطق واللفظ تتشابه مع لغة عاد وثمود، هذا يعني أن هذه لهجة عربية قديمة مندثرة في طفولة العرب الأولى، قبل أن تتطور العربية في صورتها التي نعرفها، وكتب هذا الكتاب الديني وهو يروي قصص ويصور أماكن لا علاقة لها بفلسطين، التوراة تجربة تاريخية لشعب عاش في الجزيرة العربية، وعلى وجه التحديد "جنوب الجزيرة العربية" وعلى وجه التحديد أكثر في "اليمن"، ولديَّ شهادة خطيرة من رحَّالة سوري شهير اسمه "مؤيد نزيه العظم"، زار صنعاء عام (1916) وكتب كتاباً شهيراً اسمه "اليمن السعيد" في هذا الكتاب يقول: "سألت كبير حاخامات اليهود في اليمن في منطقة القاع، (قاع اليهود) بالمناسبة كلمة قاع وردت في التوراة حرفياً، يقول: سألته كانت لكم مملكة بناها داود وسليمان فأين هذه المملكة، فأجابني: كان لدينا مملكة ومدنية عظيمة شرقي صنعاء حتى نجران".

فكيف تسنى لكبير حاخامات اليمن عام (1916) قبل الحديث عن احتلال فلسطين أن يقول ويجزم أنه كيهودي وكبير الحاخامات هناك بأن هذه المملكة في شرق صنعاء.

 دعونا نعود إلى صفة جزيرة العرب ونقرؤها لنكتشف هذه الحقيقة، ما يسمى مملكة الشمال والجنوب يعني يهودا والسامرا وإسرائيل لا أساس له في التاريخ الفلسطيني، له أساس واحد في جغرافية اليمن  

إضافة تعليق

6 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.