كلمة الدكتور أحمد خير العمري في حفل تكريمه

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
قائمة الشكر طويلة حتما، لكني أشعر أن الشكر الأول يجب أن يتوجه إلى دمشق...ليس من اجل تكريم اليوم بل من أجل الكرم، و اقصد بالكرم ذلك الموقف الذي وقفته دمشق مع أكثر من مليون عراقي يدين الكثيرون منهم بحياتهم لها..

فتحت دمشق لهم أبوابها في زمن الحدود المغلقة.. و احتضنتهم في زمن ازورار الوجوه، تحمل رجل الشارع فيها جراء ذلك الكثير و قابله بلطف شامي أصيل، فلها، و لأهلها الطيبين أتوجه أولا بالشكر، أصالة عن نفسي و نيابة عن كل عراقي شريف..
بالنسبة لي لم تفتح الشام فقط أبوابها، بل فتحت قلبها و أذنها و عقلها ، و أسكنتني في دار عريقة ، صرت أعدها مثل بيتي و بيت أبي ، تقع تلك الدار في البرامكة و أسمها "دار الفكر"..
الشكر لدار الفكر مؤسسةً و أفراداً ، إلى الرجل الذي على قمة هرمها ،الأستاذ عدنان سالم، و الذي تبناني و دعمني منذ العمل الأول ، كنت بالنسبة له مجرد كاتب شاب آخر، لكنه منحني ثقته الغالية بمعزل عن أي واسطة و محسوبية ، و الحق أني أتخدته أبا قبل أن يتخذني هو أبنا ، و أن عواطفي تجاهه تصب في هذا الاتجاه بلا مجاملة ، لكن الأهم من عواطفي هو تقديري العميق لرجل يحمل هم النهضة معه صبح مساء ، سألني بلا مقدمات في أول لقاء لنا: هل إلى خروج من سبيل ؟..وهو سؤال يلخص مشروع حياته –دار الفكر- أن يساهم في خروج هذه الأمة مما هي فيه ..
و الشكر لدار الفكر لا يقف عند قمة الهرم فيها، بل هو موصول أيضا إلى كل العاملين، من لجنة النشر إلى المبيعات مرورا بالتدقيق اللغوي و التصميم، كل منهم ساهم بطريقته في تسلمي هذا التكريم..تشاجرنا و تخاصمنا و علت أصواتنا أحيانا ، لكن كذلك يحدث بين أفراد الأسرة الواحدة..
لقد تعلمت منهم إن الكتابة الجيدة قد تكون عملا فرديا ، لكن "الكتاب الجيد" ليس كذلك على الإطلاق..
أشكر أيضا السيدة هدايت سالم ، أم بشر ، التي ضمتني بكرم بالغ إلى أولادها من آل هاشم الكرام ، و كانت خير مرشد و موجه و ناقد لكاتب شاب في مقتبل حياته ، ما يجمعني معها أعمق من مجرد الدعم و التشجيع ، بل هو هذا التوافق على ثوابت فكرية مشتركة تتخطى العقود الثلاثة التي تفصل بيننا ، و هي ثوابت تجعل الفكرة المفترضة عن صراع الأجيال تبدو غير واقعية على الإطلاق عندما يتعلق الأمر بنهضة أمة، فالأجيال المختلفة قد تلتقي و تتفاعل و تتكامل عندما تملك هدفا مشتركا و ثوابت مشتركة تخص هذه النهضة ، و أزعم أنني و السيدة هدايت نشترك في هذا و أن هذا هو السر في دعمها لي ، فقد حاولت دوما أن أسهم في تقديم قراءة للنص الديني على نحو يجعل هذا النص محركا يدفع الأمة إلى النهوض و الحراك ، قد تلغي هذه القراءة قراءات أخرى متراكمة صارت جزءا من الفهم العام للدين ، و قد تتواصل معها و تضيف إليها دون أن تحذفها بالضرورة ، المهم أنها تجعل النص الديني في السياق الذي أتصور أنه أنزل من أجله: أي من أجل نهضة هذه الأمة و جعلها أمة قائمة بدورها بين الأمم ..نهضة لا تستورد تعريفها و معاييرها و مقاييسها من تجارب الأمم الأخرى ، بل تؤصلها من قيمها و ثوابتها...
لكن الشكر الأكبر يجب أن يتوجه إلى القراء، القراء بلا تحديد، لقد كان دعمهم بمثابة "حجر الزاوية"، و كانوا العنصر الأهم في التفاعل كله بلا منازع، دونهم كانت كتبي ستبقى مجرد حبر على ورق، لكنهم تفاعلوا و تحمسوا، أحيانا سلبا و أحيانا إيجابا، أحيانا اعتبروا إني كتبت بالنيابة عنهم ، و في أحيان أخرى اعتبروا أني كتبت لأغيظهم شخصيا، أحيانا أسمعوني أجمل ثناء ، و في أحيان أخرى ...، البعض منهم صار صديقا مقربا إلى قلبي ، و البعض منهم بقي مجهولا ، لهؤلاء كلهم بلا استثناء ، و للحراك الذي أحدثوه ، أوجه شكري و تقديري ، بل أقول حقيقة أن تكريم اليوم هو لهم حصرا ، و أني أنوب عنهم في استلامه فحسب ، ذلك أنهم هم الذين أوصلوا كاتبا شابا إلى منصة التكريم التي سبقني لها عمالقة و أعلام ممن ليسوا بحاجة إلى تعريف ، و أود أن أوضح هنا أني لا املك أوهاما حول هذا الأمر بالتحديد ، فمجرد وقوفي على منبر سبقتني له تلك الأسماء البارزة لا يعني أنني صرت في سوية واحدة معها في النتاج أو التأثير، بل هو التشجيع و الدعم الذي أطمح أن يكون نتاجي أهلا له..
الشكر موصول أيضا لعائلتي الصغيرة ، لوالدتي التي منعتها ظروف التيه العراقي من القدوم ،و التي انحازت دوما للكتابة ، للمرحوم والدي الذي جعل حيطان بيتنا مكتبات كبيرة ، و الذي كان كاتبا و مؤرخا هو الأخر قبل أن يختطفه المرض مبكرا ، لزوجتي التي لم أنتج شيئا حقا إلا بعد اقتراني بها و التي تؤمن بي أكثر مما أؤمن بنفسي بكثير ، و لأولادي زين العابدين و آمنة و أروى الذين كانت كلمة" كتاب" من أولى المفردات التي تعلموها ...
جرت العادة في احتفاليات التكريم ، أن يعرض فيلم عن الحياة الفكرية للمكرم ، و هو ما يقوله البروشور المرفق، لكني اقترحت على اللجنة المشرفة اقتراحا بديلا ينسجم مع عنوان الأسبوع الثقافي لهذه السنة ، و بدلا عن فلم يحكي عن ما لا يهم أحدا عن سنة ولادتي و تخرجي ، اقترحت أن تعرض حلقة من حلقات عمل تلفازي ، كتبته أنا و نفذّه فريق شبابي خالص بقيادة المنتج و المخرج المهندس طلال القدسي ، و سيبدأ عرضه قريبا على الفضائيات ..و ستشاهدون بأنفسكم كيف استطاع فريق العمل السوري الشاب أن يقدم تقنية عالية جدا في قالب فني راقي لا يشابه سواه من البرامج الدينية..
العمل يحمل عنوان "القرآن..لفجر آخر"..فكرة العمل، كما عنوانه، تلخص المشروع الذي حاولت الإسهام فيه و الذي أظن أنني أقف هنا اليوم من أجله، و المشروع كأي مشروع لا شك يحتاج إلى جهود من قبل أفراد آخرين، و لا أشك أن بعضهم قد يكون حاضرا بينكم اليوم..
بدأت بدمشق و أود أن اختم ببغداد، لا أريد أن أشكر بغداد بل أود أن أهدي لها هذا التكريم الذي لا شك انه أقل من قدرها و مكانتها، أقدمه لبغداد هدية من أبن لها حملها معه أينما حل.. ربما لأخفف من شعوري بتأنيب الضمير، تأنيب الضمير الذي يحمله كل من غادر بغداد في محنتها ..
أكرر شكري و تقديري لكم جميعا ، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته...

إضافة تعليق

16 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.