كيف تكون معلما مؤثرا

في حياةِ كلّ طالبٍ قصّةُ معلّم لا تُنسى، منقوشةٌ في أعماقه، ومُحاطةٌ بدفءِ مشاعره، فهي ذكرى غالية يسقيها بماءِ الحنين المتدفّق، ويضمُّ لحظاتِها الخالدة بشغافِ قلبه الحاني كلما داعبَ نسيمُ الذكريات خيالَه المشتاق لأجمل مراحلِ العمر وأنداها؛ مرحلة التعلّم والجلوس على مقاعد الدراسة.
ما كانت تلكَ القصّةُ الزاهيةُ لتورقَ، وتبقى دائمةَ الخُضْرة لولا قوّةُ تأثيرِ ذاكَ المعلم الذي يتجمّل بالقيم، ويتكلّلُ بالمعارف فيعيشُها فكراً وسلوكاً، ويحكيها عطاءً وحبّاً، ويرسمُ بريشةِ إيمانِه ومدادِ إخلاصه أفكارَ أُمَّته وآمالها، ثم يرسّخُها في نفوسِ طلاَّبِه لتثمرَ من جديد، ويبتسم المجدُ بعد أفوله.
فلو سألت المبدعين من الأطباءِ والمهندسين واللغويين والكيميائيين والرّسامين عن سِرِّ اختيارهم لتلك التخصُّصات؛ وتميّزهم فيها لأجابوك: إنّ المعلمَ هو مَنْ حرّكَ ميولَهم نحوَ الشّمال العلمي، وهو المرشدُ الذي ربطَ بين قلوبهم وأذهانهم من جهة، وتلك التخصصات من الجهة الأخرى بوثاقٍ من عشق عظيم.
ولو سألتَ الذين تركوا المدارسَ، ومزّقوا الكتبَ، ورمَوْها في الطرقات، أو أولئك الذين رشقُوا شبابيكَ فصولهم بالحجارة عن سببِ ذلك لقالوا: إنه المعلمُ الذي لم يتمكّن من معرفةِ الطريق المناسب إلى أذهانهم ولا إلى قلوبهم، وهذا ما يؤكّدُه هورس مان إذ يقول: “إنّ المدرّسَ الذي يعلّمُ دونَ أن يحاولَ إثارةَ رغبةِ الطالب؛ يكون كمن يطرقُ على حديدٍ بارد”.
ومن المسلَّم به أنّ عروقَ الإبداعِ تتجمَّد، و ينابيعَ التفكير تجفُّ، و ابتساماتِ المدى الرّحب تتقلّص في عيون الطلاب عندما تثورُ أعصابُ المعلم، أو يلوّحُ بلغةِ التّهديد والوعيد؛ لأنّ النفوس كالأزاهير الغضّة يُنْعِشُها الندى، ويمزّقُها المطر الغزير....
ولايذهبِ الظنّ بالقارئ أنني سأقتصر على الحديث عن مهارات التأثير التي تتمحور حول مهارات الاتصال مع الآخرين، ولغة الجسد واستخدام الإشارات بوساطة الأيدي وملامح الوجه، والتحكمِ بطبقات الصوت وفنون الخطابة وغيرها، ولكنني سأتحدّث عن الأسس التي ينبغي على المعلم أن يمتلكها ليصبح مؤثّراً، ومن خلال هذه الأسس سأتطرّق لمهارات التأثير في وقتها وحسب الحاجة إليها.

إضافة تعليق