حواس حروف: الكتابة خارج الأبجدية

ليتنا نعي
تأثر الهواء
بما نقول. (لاتح ص. 118)
هل أن عبد الحميد الطائي وهو يواصل رحلته مع مخلوقاته الحروفية صوفي يرتدي خرقته ويولل في الطرقات يقدم لنا نصوصا صوفية تمتاز كما يقول الناقد ناظم عودة بجملة من المحددات النوعية لأنها نصوص مكاشفات تؤمن بقدسية الحرف الى الحد الذي يجعله متحدا بالذات الإلهية، على نهج الحلاج وابن عربي؟ أم تراه فيلسوفا؟

 أم مجرد حروفي يتلاعببمعجمه الحروفي؟ طلسمي أو مُطلسم؟ أتراه شاعرا أوهم الكثيرين بأنه درويش أو ساحر؟لكنه بالتأكيد من أشد الناس تعلقا بالحياة الحقة وبالمحسوس الموهوب ومن أكثرهم شبقابالحرية المُلزَمة. وهل سنظلم حواس حروف، ان أطرناه بإطار الحروف وحواسها، وهيالثيمة الاساسية في الاجزاء الاربعة التي صدرت عن دار الفكر في دمشقالأقل هذا ما يصرح به المؤلف، وما يدور حولها (أي الحروف) من جماليات خاصة علىالمستوى الرمزي. ان بعض نصوص حواس حروف في واقعها اساطير يكتبها عبد الحميد الطائيمستفيدا من خبراته الحياتية من قراءات وتجارب، وحتى نفهم هذه النصوص لابد لنا منتعريف الاسطورة اولا... حين تذكر الاسطورة، تتبادر الى الاذهان، مفاهيم الخرافة،والاباطيل، والسحر، واللامعقول والاهم من كل ذلك، الماضي, "هذا الماضي يفهم فيحاضرنا على أنه لا شيء لنا مما كان لنا" كما يقول المؤلف في مقدمة لاتح.
وصارالحديث عن الاسطورة اليوم مع التقدم العلمي الواسع الذي حققه الإنسان من المفارقاتالمدهشة (موسوعة اساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها، د.محمد عجينة) ـ أو أنهاجليسة المرضى العصابيين وحدهم، كما يرى فرويد ـ فاليوم لا توجد اسطورة حقيقية فاعلةعلى نطاق واسع في الحياة الفكرية والروحية والادبية للثقافات الحديثة، ولم يبق منالاساطير الا تأثيرها المتجسد بالنزوع الاسطوري المتجذر في السيكلولوجية الفرديةوالجمعية. (الاسطورة والمعنى، فراس السواح). إن هذه الاراء تلخص موقفين منالأسطورة، أولهما: المفهوم التقليدي المحدود للاسطورة المتجسدة في النصوص الملحمية،وثانيهما: الانبهار لحد الدهشة بالتقدم العلمي والتكنولوجي، الكفيل بتحقيق التقدماللامتناهي، وإن أدى الى سحق الانسان، وإخراجه من دائرة اتخاذ القرار، وجعلهمفعولا، لا فاعلا في التاريخ. يقول آرنست كاسيرر إننا في هذا العصر، وليس في هذاالقرن ـ ومن حيث ندري ولاندري ـ ترتدينا الاسطورة أونرتديها. فلقد كتب على عصرناالتقني النهوض بفن أسطوري جديد، بل أصبح من الميسور صنع الاساطير على نفس الوجهالذي يتبع صنع أي سلاح. (الدولة والاسطورة، ارنست كاسيرر). الأسطورة نسق لا حواس حروف: الكتابة خارج الأبجديةزمانيكما يقول توماس مان وهي لا زمانية في كونها أبدا حاضرة, كتذكير دائم بالعود الأبديللشيء نفسه.
وأدونيس يراها دفئا للعقل والروح. وقال الشاعر الفرنسي، باتريسدولاتور دوبان: (الشعب الذي لا أساطير له يموت من البرد) وأضاف ادونيس موضحا: خصوصابرد التقنيه الآخذة في تدمير طفولة العالم. واللجوء الى الأسطورة يعني العودة فيالبحث عن الينابيع الأولى في التجربة البشرية, لكن هذه العودة, كما يقول أحدالباحثين (د. محسن أطيمش في كتابه دير الملاك) ليس حلية جمالية تضاف الى العملالشعري بقدر ما هي عامل أساسي يساعد الأنسان المعاصر على اكتشاف ذاته وتعميق تجربتهومنحها بعدا شموليا وضرورة موضوعية تستطيع النهوض بما تمتلك من طاقات متجددة بعبءالهواجس والرؤى والأفكار المعاصرة, وهي أي الأسطورة واقع غير ملحوظ بلغة الظاهرةالملحوظة, كما يقول شتراوس لأنها فضاء طاف مجرد وغير ثابت, فضلا على أنها متحررة منالضوابط والقوانين الأمر الذي يجعل منها منطقة جذب تعفي الشاعر من التقييدوالالتزام لأن للأسطورة من الخصائص حسب رأي شتراوس ما يجعلها قريبة من الأحلاموالحكايات الخرافية.
لكننا ولغايات ترتبط بأهداف المقالة سنحصر حديثنا عنالأسطورة بالمنهج اللغوي البنيوي. يقول رولان بارت في تعريف بنيوي للأسطورة استقاهعلى ما يبدو من ثنائية لغة /كلام التي جاء بها فيرديناند دي سوسير (مؤسس علم اللغةالحديث) ان الاسطورة نوع من الكلام يرتبط بالدال والمدلول والعلامة، ينتقل منالواقع الى المعنى الكامن في الحلم، وهي نظام مزدوج يحدث فيه نوع من كلية الوجودالذي تجتمع فيه الفكرة ومعناها وصورتها. يفهم من هذا التعريف ان الكلام دال لمدلولثان يأتي بعده محال عليه، اضافة الى كونه (اي الكلام) مدلولا لدال سابق أو يحيلعليه. قد تبدو الاسطورة ـ استنادا الى بارت ـ مرائية في طبيعتها فهي تكشف شيئا (اواشياء) وتظهر نقيضه وعناصر الاسطورة قد تكون واقعية وربما حقيقية إلا ان هذهالعناصر تستخدم لتحريف الحقيقة ومسخها او حتى قلبها. على سبيل المثال يعمد بعضالشعراء الى صياغة عناصر الحدث الحقيقي لكتابة اسطورة تحتوي على عناصر الحقيقةمبعثرة وكأنها ليست هي وتقوم بوظائف غريبة عما كانت تؤديه وهي خارج محيطهاالاسطوري. حيث يحلو لبعض النظم الحاكمة شراء الأساطير وتوظيفها لمصلحتها. يكتبالشاعر أساطير لمصلحة هذا النظام السياسي أو ذاك, وطبعا لمصلحته الخاصة أيضا, لذلكتتحول الهزائم والنكبات الى امجاد وانتصارات لا تنتهي. إن حواس حروف ينتمي الى شكلمختلف من الاسطورة ، تلك التي تقول ما لا نريد سماعه :

حواس حروف: الكتابة خارج الأبجدية

حتى الان، على
لمن تكلم امام
من لا يريد أن يسمع أو يرى. (حموه يرابي .ص68)
وهذه الصورة تمنح القصائد القوة والشرعية, ويجب أن نذكر ان بارت يعتقد أنالاسطورة ليس من واجبها قول الحقيقة.
ان بعض القصائد في حواس حروف تعتمد الارخنة (توظيف الاحداث التاريخية) بشكل سيميائي يزاوج بين زمنين متباعدين, حيث يستدعيالشاعر, أو حروفه, حادثة (او حوادث) معروفة للجميع ويحاول ان يترك الزمام للقارئلاستنتاج المدلولات المعاصرة من الدال القديم, على سبيل المثال قصيدة (جب) التيتستدعي الى البال مباشرة قصة نبي الله يوسف عليه السلام (نحن نعرف ان كلمة جب تعنيالبئر او الحفرة، لكننا لا نستخدم الكلمة اليوم للإشارة الى الحفرة أو البئر,وكأنها بقيت مقصورة على ما حدث ليوسف من اخوته من ظلم وحيف, والظلم وغياب العدل هماديدن ديوان حموه يرابي). يقول عبد الحميد الطائي في ديباجة حموه يرابي "الحديث عنالعدل محصلة واقع نعيشه, وللاخذ بالتعريف الحرفي للكلمة نعلم عدم تطابقها مع ميزانالحاضر، نفورنا من الظلم, وشخوصه, فطرة العدل فينا". في هذا الاستدعاء ثلاثة عناصر (سوسير يحصر الأمر بعنصرين هما الدال والمدلول , والدال بالنسبة له هو الصوت في حينان المدلول يشير الى الفكرة او البعد النفسي وهو يعتقد ان الدال والمدلول هما مثلوجهي الورقة لا يمكن الفصل بينهما, وهما بذلك ملتصقان بعقل القارئ بحيث ان احدهمايستدعي الاخر. الا ان الفيلسوف الاميركي بيرس تحدث عن ثلاثة عناصر هما الدالوالمدلول, كما عند سوسير, والعلامة). ان كلمة "جب" تستعدي الجب في قصة يوسف والجبيستحضر معه الظلم الذي تعرض له يوسف على يد اخوته . في هذه التقنية يقف الشاعروحرفه وهما ينظران الى الماضي (قصة نبي الله يوسف وهي واقع تاريخي قبل أن تكونواقعا قرآنيا ذكرتها التوراة, وهي دراما إنسانية شديدة الواقعية وشديدة الجاذبية,نزلت في وقت حرج عاشه صحابة الرسول الأكرم محمد صلى الله وعليه وسلم ، فقد نزلت فيالعهد المكي، والمسلمون في وقت شدة، لا تزال تكتنفهم أجواء عام الحزن، مع ترقبهملبيعة العقبة الأولى وما ستسفر عنه.نزلت السورة في تلك الأجواء، شاحذة للهمم، مسليةعما مضى، مبينة السبيل التي سلكها من سبقهم للخروج من أزماتهم.ففي قصة يوسف عظةوعبرة لهم، إذ مر ,عليه السلام, بأصناف من المحن والابتلاءات، ثم خرج منها جميعاًبتوفيق الله عز وجل. وفي الوقت نفسه تعيش أمتنا اليوم وقتاً حرجاً من تاريخها، خاصةبعد عودة عصر الاستعمار، الذي ولى , كنا نعتقد , بلا رجعى) والحاضر بعيون مليئةبالحيرة لمن اكتفى بدور المتفرج .... "لمن أغمض عينيه وأصم اذنيه وشلت يداه عنالايفاء بالكيل ونطق متثاقلا" (حموه يرابي. المقدمة).. لم ير القراء يوسف الا انهمشعروا به خلال حروف الشاعر(هل هي آنانه؟) الذي يتقلب على جمر التوقعات المحبطة... "الظلم ان ساد بدار، فلأن مترفيها تجاهلوا الامر بالعدل بينهم وفسقوا في شأنهم." (المصدر أعلاه) .لقد اراد الشاعر ان يقول ان محنته مع حرفه اليوم قد تكون اكبر منمحنة يوسف مع اخوته. ان العودة الي قصيدة نطق صامت (حموه يرابي ص 68-71) (وهيالوحيدة التي انفلتت من عقال الديوان ووضعت نفسها في مكان ليس مكانها ، حسب الترتيبالابجدي للقصائد فجاءت وكأنها كتابة خارج الابجدية اي ابجدية الديوان) , تعطيناصورة واضحة لمعاناة الشاعر مما آل اليه حالنا هذه الأيام, فنحن حرمنا سماعه (أيالعدل) في أروقتنا وبرضانا و :
العدل: لسان
فاق وصفه جورا
يفسر كمايشتهي
غرورا .
وضاع العدل لأننا فقدنا الصبر حيث ضاقت صدورنا ضرعا به وجفتالدموع في المآقي , وعمتنا كبرياؤنا ورياؤنا عن رؤيته , وهو في النهاية :
العدل:مساواة
حق صامت نطقه..
أعينه أحق بذكره؟
لم يضطر الشاعر الى اعادة سردالتاريخ او توظيفه او تضمينه كما يفعل الشعراء عادة، انما استخدم العلامة اوالاشارة التي استحضرت الحدث الاسطوري بجميع جوانبه امام القارئ الذي تمر في مخيلتهوهو يقرأ القصيدة . لقد عاد به الشاعر آلاف السنوات الى الوراء وحملا معا القصةليعودا بها الى الحاضر . ان هذا الاسلوب يخلق صورتين أو قصتين متشابهتين (يقولجيرار جينيت إن الحكاية مقطوعة زمنية مرتين... فهنالك من جهة زمن الحكي "الدال"،ومن جهة أخرى زمن الشيء المحكي "المدلول" وهذه الثنائية تدعونا الى ملاحظة أن إحدىو ظائف الحكاية هي أدغام زمن في زمن اخر. أن جينيت يتحدث في كتابه خطاب الحكاية عنموضوع هام يرتبط بالعلاقة بين زمن الخطاب وزمن الحكاية, وهو مفهوم قريب من ثنائيةالمبنى الحكائي/ المتن الحكائي الذي جاء به الشكلانيون الروس وطوره تزفيتان تودوروففي كتابه الشعرية) في الاولى يوسف عليه السلام ضحية الاخوة وتقابلها صورة الشاعروحروفه وقلقهما الذي لا ينقطع من اخوة لهم . "صدوا بالهوى عن الهدى" ان هذا الاسلوبمكن الشاعر من دفع قارئه الى التعرف الى الاسطورة التي احتضنت النص والبحث فيتفاصيلها الدقيقة، لأنه (أي الشاعر) لم يكن مضطرا الى سرد التاريخ خاصة وان القصةمستقرة هناك في ذاكرة الجميع لانها موجودة في القرآن الكريم . إن استلهام الشاعرلروح الأسطورة لا يعبر عن مقاصده الذاتية لتأكيد هويته الشخصية فحسب, بل إن هويةالشاعر تذوب هنا ليأتي التعبير وكأنه انعكاس لوعي جمعي يجد امتداده في تلك الجذورالبعيدة لأن البحث عن الجذور الأسطورية كما يقول هانز ميرهوف في كتابه الزمن فيالأدب , قد لا يكون بحثا عن الهوية الشخصية بل عن توحد مع الجنس البشري عموما , وقدتنقل الأساطير حسا بالاستمرار الزمني والوحدة التركيبية الى ذات الأنسان , كذلكفإننا , والكلام لميرهوف , حين نتعرف أنفسنا في الصور الأسطورية قد يتاح لنا أيضاأن نوفق بين أنفسنا وتلك الحدود التي لا مفر منها والمفروضة من الطبيعة والمجتمععلى الوضع الأنساني الأن وفي كل زمان .
لا تخرج قصيدة (حموه يرابي) عن سياقشقيقتها (جب) الا في اختلاف بسيط في تقنية المخاطبة , الا أن التشويه المتعمد فيكتابة اسم الملك حمورابي (حكم بابل بين عامي 1795 - 1750 ق. م , . ومسلته الشهيرةالمنحوتة من حجر الديوريت الأسود والمحفوظة الآن في متحف اللوفر بباريس ، تعتبر منأقدم وأشمل القوانين في وادي الرافدين بل والعالم. وتحتوي مسلة حمورابي على 282مادة تعالج مختلف شؤون الحياة. فيها تنظيم لكل مجالات الحياة وعلى جانب كبير منالدقة لواجبات الافراد وحقوقهم في المجتمع، كل حسب وظيفته ومسؤوليته) الذي كان أولمن سن قانون وضعي في تاريخ البشرية استهدف منها الشاعر الاشارة الى حالة التفرجالتي انكفأنا اليها اليوم ونحن نرى العدل وقد تحول الى مجرد نطق صامت . لقد سافرالشاعر من جديد الى الماضي ليستدعي لنا حمورابي الذي استقر في ذاكرة العالم انهامحاولة من الشاعر للتمرد على محليته التي اخذت عنوان القصيدة (حموه يرابي) للوصولالى الانسانية ولفت انتباها الى العدل الذي ضاع . ثمة شخص واقف ينظر (هل هو الشاعرأم حرفه أم حمورابي؟), ولكن لماذا؟ هل هو العجز أم القلق اللذان يعتصران الشاعروصديقه الحرف, أم هو دهشة واستغراب حمورابي لتفشي الظلم بين أحفاده بعدما سطر لهمتفاصيل العدل والظلم منذ حوالي خمسة الاّف سنة ؟ تساءل الشاعر في عنوانه الثانويللقصيدة :
هل يعرف المستبد ..
شيئا عن الميزان؟ (حموه يرابي ص313)
مشاعرمن المؤججة؟ ومن يراقب البث الحي لانتحار كلماته؟ أنه الشاعر بالتأكيد لكنه فضلالاختباء وراء مرآة , لكنه في النهاية لن يرى الا نفسه , بالرغم من محاولته الايحاءللقراء انه يتحدث عن شخص اخر:
ساقته أقداره نحو مدرج ...
تساقطت على أطرافه ,أجنحة
تجارب الأنعتاق...
من رهبة التحليق , فسما .
الا ان اجواء الأنتحارما زالت هي المسيطرة, الأنتحار من أجل السمو, فتراه يرنو الى صخب يومه "منذ بزوغشمسه حتى زوالها" وهو يحاول تحاشي المفاجآت التي يخبئها الزمن بحلوها ومرها. ويبقىالبطل مع ذلك يحمل الأماني التي تصبح وجعا تضغط بعنف على قلبه و"تستبيح الأمل" الذييستدعيه البطل من أجل تفسير يريد سماعه للأحلام (أو الكوابيس) التي تراوده, انهاصورة أخرى "للمتواكل الذي لن يتابع بقية مشهده فقد ارتضى العمى وتغاضى عن أحشائه"والذي التقينا به في مقدمة الديوان , والذي ينتظر الإحسان "من جيوب التخمة.." أنهكنخلة عاشت بسماد ما هو بسمادها فلن يتذوق رطبها أحد .وهو ليس من الخاصة أو العامةانما " تفنى في زمان / ليس ملكا لك .. " ولن يحس بالأمان أبدا.
تتحول الاسطورةعند الشاعر الى متاع لرحلة زمنية عبر التاريخ وهي رحلة انطولوجية تتشظى فيهاالاسطورة الى صورة ومرآة (كما قال سوسير الى ورقة بوجهين) يصعب التفريق بينهماوالشطران متساويان في القيمة الرمزية حيث لا سيادة للواحد على الاخر (ان حكايةالمرآة وهي شكل من أشكال السرد الذاتي كما يقول د. حاتم الصكر في كتابه مرايا نرسيس , تمنح الشاعر فرصة الهروب من استخدام ضمير المتكلم وبها يروي الشاعر عن شخصية "المثل " التي تتبدى على سطح المرآة كما لو أنه يروي عن نفسه وهو يسعى الى خلق مثلهذه الشخصية عندما يشعر بحاجته الى استعادة حالة نفسية مفقودة .و بما أن الشاعريمثل ذاتا مستقلة غير قادر على أن يتجاوزها فأنه يسبغ على الاخر (المثل) خصائص أخرىيراها مكملة لذاته و بأنشطار الأصل الى نصفين.... يواجه الأول الثاني. بتعبير أخرينسلخ شخص عن ذاته , كما يقول أبتر في كتابه أدب الفنتازيا, و ينسب الى شخص أخر تلكالخصائص التي ينكر أنها موجودة عنده لكن بما أنه لا يزال يعترف لا شعوريا بالخصائصالمسقطة على أنها خصائصه فأنه بذلك يماثل نفسه مع الاخر) . فالقصيدة تحمل حدثينأحدهما وهو الأصل مزروع التاريخ وفي الذاكرة الجمعية والاخر يرتبط بالنص الذي كتبهالشاعر وهو غير منظور ويغدو نصه مرآة محدبة تجمع كلا الحدثين والبطلين (الاسطورةوالشاعر) والدليل اننا ما زلنا نعاني مثلما عاني يوسف من اخوته , من ظلم وجور حذرنامنه حمورابي في مسلته .ان ظلمة البئر التي يتحدث عنها الشاعر هي ظلمة قاسية وهي لاتختلف عن غيابة الجب التي ألقى فيها اخوة يوسف اخاهم وعادوا يبكون الى ابيهم . لكنهل من سيارة تنقذنا كما انقذت السيارة يوسف في القصة الاصلية ؟ هل اصبحنا أشباحافلا احد يرانا ام ليس فينا مما يغري السيارة على انقاذنا فنترك في ظلمة البئرينهشنا الخوف والانتظار ليبقى نص الشاعر واسطورته مفتوحتين على جميع الاحتمالات (القدر او الصدفة) وان خرجنا من الظلمة لكن خسائرنا ستكون فادحة .
وللطين الذييشكل الرمز المركزي في مزاج الطين معاني عديدة تقف شاخصة أمام القارئ قبل أن يعبرالبوابة الأولى للكتاب , فهو مرتبط بالخليقة الأولى ، قال تعالى (هُوَ الَّذِيخَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْتَمْتَرُونَ). ويستدعي الطين أيضا صور الحضارات الأولى , حيث عمد الإنسان في القديمإلى استخدام الطين لتخليد نفسه وأعماله, قال تعالى (أني أخلق لكم من الطين كهيئةالطير) لماذا ؟ فقد كان الرومان الذين يمثِّلون ذروة القدرة البشرية في تلك الحقبةالزمنية متفوقين في فنون النحت والرسم والتصوير، فكان تصويرالطين كهيئة الطير ثمنفخ الروح فيه ـ إعجازٌ يحقق هدف المعجزة، في تحدي القدرة البشرية، وإثبات النبوة.والطين يستدعي أيضا الطفولة حيث إن الطين سبب للبهجة والسعادة قبل أن يكون رمزاللحضارة, فأي من أعمار سني اللعب لم تكن تسعى نحو الطين لكي تختمر بسحر خيالاتالنفس العائمة في رغبات الطفولة؟ ومن منا لم ينتش فرحا وهو يتسلم دمى لعب صنعتها لهمن الطين يد حنون؟ أي أن الطين, المادة الأزلية, تلتقي عند ضفافها طفولتنا الشخصيةمع الطفولة الإنسانية, ويبدو ذلك واضحا عند النحاتين.أنه , أي الطين ، المنبعوالمنتهى . إن الطين خالد والزمن خالد أيضا وكذلك الحق والعدل, إلا أن الإنسانمتحول المزاج " طين عقله عاند صلاحه فاستوحى قوانينه من عصارة وقته" فضاع القلبوتجوف الرشد وأصبح الإنسان أسيرا لزمن "لا تتغير سننه أبدا. لقد حجرت المادة (الطفرة) قلب الإنسان وعقله لأنها دخلت وبقوة معادلة البناء الفكري للإنسان, فتحولذلك الإنسان إلى الحلقة الأضعف في تلك المعادلة بالرغم من أنه هو من ابتدعها,والسبب هو نسيان الإنسان لأصله و هذه الفكرة تجدها في "لاتح " ثم تعود من جديد في "بن" . انها الجذور (الحروف) التي تشد الطائي بقوة الى الأرض / الهوية /الفطرةوجميع الصور التي تنبع وتلتقي هناك . يقول عبد الحميد الطائي في إهدائه: من سلمتأصيل طينه....عرف الفطرة.وفي قصيدة مزاج الطين خاتمة الكتاب والتي حمل الكتابعنوانها:من نقى طينه محمود الطباع. جاءت التشريعات (أو هكذا نفترض) لتضمن للإنسانالحق والعدل وبالتالي فهي تسمو به. إلا أن تلك التشريعات (ونحن نتحدث عن الوضعيةمنها) وضعت لمعالجة زلات الإنسان, أي مجرد ردود أفعال لخلل, وبما أن الخلل هو جزءمن ذلك الإنسان, ستبقى التشريعات تعاقبه إلى الأبد " محن نستبلى بها /حطبها و نارهابشر ". كيف الخلاص من هذه العقوبة الأزلية؟ يطالب الطائي بالعدل والعودة إلى يقينالطين الطاهر . " وكيف تطهر الارض، ان خلت من العدل؟". فالطين يعني الطهارة ومادمنا نفتقر الى هذه الطهارة فلن نعرف العدل وتظل اللعنات و"اللنات"تلاحقنا.
وتتواصل رحلات الشاعر (المكوكية) بين الماضي والحاضر وهو يحمل في كلمرة حدثا اسطوريا يلقي به على الواقع ليزيده تعرية وانفضاحا ,على سبيل المثال فيلاتح يمزج الشاعر بين حدثين الاول قد يبدو سرياليا وهو ينظر الى الحاضر العربيالمبهم باللعنات واللنات " الوصايا التي ../ لن تحبذ أن تحكى في سيرة أمة ,/تأريخها مبهم باللعنات " , وبين اساطير حفظها لنا الماضي (الانتداب الاجنبيوالثورات العربية وواقعة الجمل واحتلال بغداد (الجديد والقديم) وشهرزاد وشهريار) انالماضي اصبح دينا يحمله الحاضر فوق كتفيه . " العقل تمت استباحته بقناعة أن أمسناسبب أوجاعنا , ان يومنا لا ثمار له " هذا ما يعلنه الطائي في مقدمته للاتح . انكتاب لاتح كتاب سياسي بامتياز وهو يتحدث عن الأسطورة السياسية التي تحدث عنها أرنستكاسيرر : كيف استطاعت السياسة في العصر الحديث إستثمار الاساطير القديمة , مثلا ماأشار اليه إفلاطون , ولم يستبعده أرسطو , من أن الاساطير كانت ترمز الى اخضاع الفردلمشيئة الدولة ، وصناعة أساطير زائفة لتخدم ايديولوجيتها ومصالحها ، مستغلة المشاعرالانفعالية والنزعة اللاعقلانية المتجذرة في سيكولوجية الفرد والجماعة ، وبخاصة فيالظروف الحرجة ، حين يواجه الانسان مواقف خطيرة . لقد غدت الاسطورة السياسية أخطرشأناً ، وأعظم أثراً وتأثيراً ، حيث أصبح وقودها ملايين البشر ، وثمارها الدمارالشامل . عاد الينا المستعمر من جديد "طيور مزكومة " و " نفسا أمارة بالسوء /وعينها غادرة / تذبح قطيع أغنامك " والصمت العربي يطبق الأرجاء:
لن تحتاج مزاميراليأس،
لرضاب الود..
ساعة الوجع لليباس. (لاتح ص.11)
أية صورة سريالية أوخرافية يرسمها لاتح لحال العرب اليوم , فبغداد (شهرزاد) ضاقت بها الحيل أمام شهريارالجديد (بريمر)، فبغداد حبيبة الرافدين المدللة التي عاشت وهي تغسل ضفائرها بمياهدجلة والفرات منذ أن رأت النور ، اليوم بغداد
التي يحرقها جريان
دجلة,وانسياب الفرات كعرق على جبين
مستغل لزيف الطائفية لا العرقيات .( لاتحص.37)
والعرب الذين أضاعوا الهوية أو باعوها طمعا "بوصفة طبيب زائر/ لمحمياتسرطان" انتاجهم الدائم, صمتوا إلا من "عواء فكري" في دواخلهم, مثلما فعلأدبهم:
اعتلاء عرش كتابة الحدث الاني, تمتزج
فيه روائح جنة موعودة , بإنبعاثعوادم
مصانع الوهم , فيستحيل تمييز مدخل
حرفها , ومخرج جملتها , فتكون حال
القارئ كحال كاتبها وهو حاف ..(لاتح ص.39)
وانشغل الجميع " بالأهازيجالمخملية " واستيقظت الدندنة المدفونة غدرا في/ وحل الرقص الأعوج " الذي أطلقالعنان لذاكرة الخصر وهز الرأس , وضاع التاريخ الذي يبكيه لاتح (ص 26 ) قائلا " لاأملك من رحيق المساء/ سوى/ رشفة لشفاه جافة كلما دنا كأسي منها " , وأصبحت " الأيامتمر/ لا ذاكرة لها " واصبح تأريخنا المليء بالعبر بلا عبر لأننا ما عدنانعتبر.
في القرن العشرين ـ وفجأة ـ اتخذت الصدارة مشكلات لم تكن معروفة لدىالمفكرين السياسيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر . ولعل أهم مظاهر هذاالتغيير الذي حدث في الفكر السياسي الحديث ، وأكثرها إثارة للفزع هو ظهور قوة جديدة ، هي قوة الفكر الاسطوري . ولقد أصبحت غلبة الفكر الاسطوري على الفكر العقلانيواضحة في بعض المذاهب السياسية . بل من الناحية العملية ، صار الفكر العقلاني ،يستحث على الرجوع الى المراحل الاولية للحضارة الانسانية ، الى الدم والقتل والذبحعلى الهوية. (مذابح التاريخ / عار قديم)... الا أنها عادت من جديد:
تغرق فيتفاصيل
تجهل مفرداتها ..
بمناوشاتك لكتيبة،
تحرس أسدا في قفص..
دوندراية . ( لاتح ًص.69)
هنا اعترف الفكر العقلاني والعلمي بصراحة بهزيمته ،واستسلامه لأخطر عدو له . وقد حدث ذلك على أيدي صناع مهرة " قاموا بحل مشكلة تتشابهفي جملة نواحي مع مشكلة إثبات أن المربع دائرة ." إن هذا الربط الغريب بين المعقولواللامعقول ، من أهم الملامح المثيرة للدهشة في أساطيرنا السياسية الحديثة .(أرنستكاسيرر في كتابه الدولة والاسطورة). لقد شاعت في زمننا أفكار ميكافيلي وأقوالهالمشهورة ، ومنها إن الناس يصنعون التاريخ بصنعهم الاساطير أولاً . وكذلك دعوته الىالاعتماد على التنجيم وقراءة الطالع فهو يقول : إننا ندرك عدة أمثلة في التاريخالقديم والحديث أن المنجمين وقراء الطالع ، قد استطاعوا التنبؤ بأية كارثة كبيرةتعرضت لها أية دولة قبل حدوثها . وربما استطاعوا معرفة ذلك من بعض علامات تظهر فيالسماء . واعترف ميكافيلي بعدم قدرته على تفسير هذه الحقيقة ولكنه لم ينكر الحقيقةذاتها . (كتاب الاسطورة ك.ك.راثفين ، ترجمة صادق الخليلي) إنه بهذه الطريقة تركبصمات واضحة على نفوس وعقول الكثير :
بتأريخنا دم ..
قتلاه أحياء.
وانتشرتبين السياسين أفكار كارلايل ، التي سطرها في محاضراته التي ألقاها في 22 مايو 1840عن الابطال والبطولة في التاريخ . والذي ساوى فيها بين التاريخ في جملته وبين سيرةالرجل العظيم ، فبغير العظماء لن يوجد التاريخ ـ وراجت أفكار جوبينو الذي تحدث عنتفاوت أجناس البشر ، وشاعت كذلك أفكار ليفي برول المؤمن من موقع المستعمر بتفوقأوروبا ـ وريثة العقل اليوناني ـ والمهيمنة على العالم آنذاك ، المعتدة بقوتها ،والمؤمن بوجود قطيعة فكرية ذهنية بين الاوروبيين ، وبين ما يسميهم الهمج . وأن منالعبث البحث عن مقياس مشترك بين العقلية البدائية وعقلية الاوروبي ، لأن المجتمعاتالبدائية عنده تتميز بنظام ذهني ذي طبيعة أسطورية وبفكر غبي أو سابق للمنطق . كلهذا طبعاً انطلاقاً من القول بمعقولية واحدة ، هي المعقولية الاوروبية . وبالاضافةالى أفكار هؤلاء، ظهرت ـ وهذا أمر حتمي ـ شخصيات في هذا المناخ تشد الآخرين منعيونهم، وتثير دهشتهم ـ في البداية ـ كالبرق يستفز العيون ، ويوخز غرائز التوجس ،لقد كانت لتلك الشخصيات تأثيراتها الاسطورية في حياة الجماهير ، لانها كانت تتكلمإليهم بلغة الشعور والانفعال وتدفعهم الى العيش لحظات من المطلق الصوفي ، وتدغدغالنزعة اللاعقلانية المتجذرة في سيكولوجيتها حتى ترى الجماهير في إحدى تلك الشخصيات ، صفة الزعامة وقوتها ، ترى فيه أنه يمثل رغبتها الجماعية ويجسدها ، وتصبح الروابطالاجتماعية كالقانون والعدالة والدساتير بلا قيمة.
إنما الذي يستحق البقاء فقطهو التأثير الاسطوري للزعيم . وتصبح إرادة الزعيم هي القانون الاسمى , فلذا تظهرصفة القديس ، بل إن الزعيم نفسه يبدأ بالاعتقاد بأنه مقدس ، وأنه لا يخطئ في أحكامهأبداً (خوارق اللاشعور لعلي الوردي) , وهذا ما حدث لهتلر . وقد حدث قبله لنابليونوآخرين كثيرين قبلهما وبعدهما :
سور عال ..
تتناوب في حراسته ..
أعينتمتلكها
أشاعات غزو مباغت ،
لأقزام الوغى ..
عند التبادل ... دون دليل .(لاتح ص.67)
لذلك تقتضي مصالح الفئات الحاكمة ـ بالضرورة ـ إيجاد صيغة متقدمةدائماً للاستفادة من هذا الفكر الاسطوري للاضطهاد وتبرير الحالات الاجتماعيةالعديدة ، والتي تخص الفرد . إن أساس الفكر الاسطوري وتبلوره وانتشاره مع محاولةالاجهاز على أية محاولة يقوم بها المفكرون للرد عليه. والتشبث بالاسطورة لدى الفئاتالحاكمة ، كان متنفساً كبيراً للبقاء على وجودها ، ودعمه وزيادة الهيمنة الاقتصاديةوالاجتماعية والثقافية بواسطة خلق ووضع الحلول الاسطورية اللازمة التي تؤكد وتدعمما وجد وما يوجد . وبين هذا وذاك ضاع العرب عندما أضاعوا هويتهم أو باعوها أوتجاهلوها وهم لا يدركون ان "محور الهوية/ وطن" . يقول جورج قرم (مجلة العربيالكويتية ـ أول يوليو 2008) وإلى اليوم لم يحسم العرب قضية هويتهم الممزّقة بينالعقيدة الدينية كإطار جامع ونظام قيم أي ما يمكن أن يُسمّى القومية الإسلامية،وبين مفهوم قومية عروبية متمحورة حول اللغة والثقافة ووحدة التاريخ والمصير،وأخيرًا بين عصبيات قطرية يلتف حولها المواطنون لدرء مخاطر الصراع بين النوعين منالقومية، الذي يمزّق الأمة ويفقدها المناعة الداخلية والخارجية. وفي اعتقادنا أننتيجة هذا الصراع الذي أخذ طابعًا سياسيًا حادًا، قد حال دون الوصول إلى أي نوع منالتراكم المعرفي حول تاريخنا وأوضاعنا ونفسيتنا الجماعية بتلاوينها المختلفةوالطبيعية وإلى المنظومة الفكرية والثقافية والسياسية العربية المتماسكة، يرتاحإليها العرب إلى أي قطر انتموا، وتسمح لهم بالتعبير عن التعددية سياسية الطابع مندون تعرُّض المجتمعات إلى الهزات والعنف بين أبناء القطر الواحد.أي اننا وكمايختصرها لنا لاتح:
شاطئ وهمه
يحوي الآن
اسماك نتنة
كان قد لفظها
قاع بحره
بموجة حيض شفيف .( ص.29)
ويضيف جورج قرم "ولذلك، لقد آن الأوانلنترك جانبًا نشر عقائد هوية جامدة وحادة ومبسّطة التي تولّد حالات الضيق النفسيوالتوتر والفتن، أكانت مبنية على قومية وعصبية دينية أو مذهبية الطابع، أو ثقافيةالطابع، أو نتيجة تطور عصبية قطرية حادة لكي نقوم بمراجعة ضمير نقدية تتناول كل هذهالسلبيات الموصوفة هنا، وذلك لاستبيان طريق تفكير جديدة تفتح الآفاق بدلاً من أنتقفلها كما هو الحال الآن. وفي ماضينا، البعيد كما القريب ـ كعرب من أقطار مختلفة،أصبح كل واحدة منها واقعًا لا يمكن التغاضي عنه ـ مخزون ثمين من التفكير النيّر،دينيًا كان مصدره أم مدنيًا وفلسفيًا، والتجارب، ومنها المرّة ومنها البرّاقة، لكيْنعيد إنتاج فكر إبداعي جديد ومتكيّف مع الزمن الحديث الذي نعيش فيه، والتحدياتالعملاقة التي علينا أن نواجهها بكل جرأة. لكن، لكيْ نواجه بفعالية التحديات لابدّمن أن يكون في أيدينا سلاح فكري فعّال يمكن أن يولّد واقعًا فكريًا مجتمعيًا جديدًافي كل قطر عربي، وتضامنًا بين الأقطار العربية في معمعة النظام الدولي الحالي." واختصرها صاحب لاتح بقوله في المقدمة " كنا أقوياء وبتنا ضعفاء ، و(لا) مستقبل لناحتى نعود لمعنى كان ، كي نكون ".
لن تحرف قولا التقطته أذنك،
بانشطار كلمةسمعتها مصادفة
وإن كانت بهتانا عظيما.(لاتح ص.21)
ويبكي عبد الحميد الطائيعلى حال العرب والمسلمين كما بكى الخليفة الثاني الفاروق عندما تسلم مفاتيح القدسوقال مذكرا بحديث رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم (فوالله ما الفقر اخشى عليكم ،ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كماتنافسوها ، وتلهيكم كما ألهتهم) وفي رواية أخرى (وتهلكم كما أهلكتكم). فأمة السلامبأكملها تعاقب على غفلتها لأن أبناءها أترفوا في بناء مخازن النمل وتناسوا بناءالإنسان) مقدمة بن الجزء الرابع من حواس حروف، وهي بالمناسبة الغفلة ذاتها التيحجرت القلوب و العقول التي سماها الطائي الطفرة في مزاج الطين ):
اشتغل المورثونبمال دنياهم
غفلوا عن تقاهم، خرب كوكب آواهم (ص.167)
وفي تلك الغفلة "يتصيدالمفترس "ضحاياه .... و" ليعلن/ من اليابسة، تخضب موج البحر ."لقد صاغ الكارهونالتهم و" نحن منها براء ، نسبت خصال الدم لإنسان هذه الأمة المسالم" مثلما فعل أخوةيوسف عندما لطخوا ثياب أخيهم بدم كذب وراحوا يهرلون الى أبيهم . ولم يكتف الكارهونبذلك ، بل سولت لهم أنفسهم أن يرموا ذلك المسالم بتهمة الأرهاب ، ثم تباكوا عليهوعرضوا عليه حمايته فضاع كل شيء:
شمسنا تتصب عرقا باردا
لأفواهالنقمة
وعبدة القمر الحالم
بوراثة الشروق
قبل غروب آخر غسق
وإقامةالصلاة على روح
"
فقيدة النور"
في ساحات الظلام الدامس
ظهرا . ( لاتحص.28 )
وعرضوا عليه سلاما من هنا "بقع الأسمنت على التراب ../ تسللت للبحار ،بفساد الطين " وسلام من هناك :
سلة مهملات كبيرة تسمى الأرض ..
مدمر ظهرها ،يأكله دود بطنها . ( بن ص.167)
وهذا السلام هو سلام ساسة ماكرين يستثمر الحصىلأن فيه "... جحور زواحف / للانتفاع المادي "، إنه سلام إرهاب معه " يحترق غصنالزيتون "
يستدعي عنوان الجزء الرابع " بن " صورة القهوة العربية ليمتزج هيلهاالجميل مع المرارة (هذه المرة ليست مرارة القهوة) انما المرارة التي يحسها بطلالكتاب وهو يسافر مع حروفه في دهاليز الغفلة التي أدمن عليها صاحبهما العربي وهويتابع الجلسات الصوفية لمجلس الأمن ومارثون السلام في الشرق الاوسط وندوات لقاءالحضارات .أنه " تشوق ناثر الرمل ...لاهتزاز/الجبل ، وسد أودية العطشى ." والقهوةعند العرب عنوان للأصالة والكرم .. وهو تراث عميق ارتبط بالإنسان العربي في حلهوترحاله .. غناه وفقره .. أفراحه وأتراحه .. وهي بطقوسها عادة لها احترامها الذييصل إلى حد القداسة . يحرص العربي على أن تكون القهوة في بيته قبل حرصه على الطعاموالقهوة العربية يرتبط اسمها دائما بالبن ويقال أن كلمة البن تعني الريح الطيبة .والتراث العربي مليء بالقصص عن البن والقهوة. فالعرب قدموا الكريم الجواد في تقديمالقهوة على غيره وجاء بعده الفارس الشجاع ، وشبهوا في شعرهم قوام الدلة بقوامالمرأة ووازن المجتمع القبلي ما بين قيمة القهوة العربية المعنوية، وقيمة الرجالالمشاهير، فإذا ما توفي شيخ قبيلة ما، أو أحد وجهائها، أو أحد أعيان المجتمع قلبوادلال القهوة على وجهها، وحرموا شربها فترة من الزمن، كتعبير عن تقديرهم للراحلالمتوفى، وإخلاصهم له، وعدم استغنائهم عن رأيه ومشورته، فمكانته بينهم لا تقل عنمكانة القهوة التي لا يستغنون عنها.وللمنزلة الكـبيرة التي تحظى بها القهوة فـيأوسـاط المجتمع الـبدوي قديماً، فإنهـم كانـوا يحافـظون علـى بـقاياها (الحثل) منأن تدوسه الأقدام، فيحفرون حفرة بعيدة عن مرور الناس، ويدفنون الحثل فيها، ولعل ذلكراجع إلى خوفهم من أن تزول هذه النعمة التي تمثل الجاه والنفوذ، نتيجة رميها عنالأرض وسير الناس عليها مما يدلل على مكانة القهوة وكرامتها وعظيم شأنها عند العرب . ويقال إن شيخا من شيوخ العرب كانت عنده دراهم قليلة فذهب الى السوق واشترى بهابنا فلما سأله الناس قال القهوة أبقى من الدراهم . (الحياة الاجتماعية عند البدو ,الدكتور محمد زهير مشارقة). لقد لعبت القهوة دورا محوريا في ترسيخ الحياةالاجتماعية العربية ونبذ الفردانية، والبراجماتية، والنفعية،فضلا عن حالة ترسيخالوعي الاجتماعي باعتبار المجالس مدارس ـ كما يقال ـ كما أسهمت القهوة في بلورةمكونات المنظومة السلوكية العربية،باعتبارها رمزا لهذه المنظومة، ففنجان القهوة قديكون سببا في صفح، أو صلح، وبه يمكن تجاوز الخصومات وفض المنازعات، ومن أجله قدتنشب حروب أو تنتهي، وهكذا خطبة النساء، والتجاوز عن الثأر، والتنازل عن الحقوق(القهوة في الموروث الشعبي نادر سراج ـ جريدة المستقبل ـ 2005 ).ماذا عن اليوم ؟نحن نعيش عصرا لا يحمل أية بوادر يمكن أن تؤسس لحالة الاجتماع الثقافي والوحدةالاجتماعية في ظل غزو ثقافي يستهدف منظومتنا الاجتماعية بالدرجة الأولى، ويهدف إلىاختراق خصوصيتنا والتدخل السافر في نمط حياتنا الجمعية، وفرض البدائل الغريبة عنتاريخنا وتراثنا ومعارفنا ،بل واستهجان أنماطنا السلوكية والتشكيك بجدواهاباعتبارها لم تستطع تحقيق تقدمنا العلمي وكأنها هي سبب تخلفنا وتقديم منظومة القيمالغربية على أنها الأصلح ،باعتبارها ثقافة الأقوى فهل كانت عادات وتقاليد الشعوبالغربية في الأكل، والشرب ،والملبس ،هي سبب تقدمه ؟ أم هي حملة منظمة لمحاولة محوذاكرة الشعوب المغلوبة والضعيفة ؟ وإبعادها عن هويتها الحضارية ،وترك فجوة بينأجيالها لقطع الاتصال بين الأجيال عبر قطع علاقتها بتراثها ،فلا تستفيد من دروسهوتجاربه بنجاحاته وإخفاقاته، ومن ثم ترك هذه الأجيال لقمة سائغة وعجينة يمكنأمركتها بسهولة. لقد غدت قهوتنا، كما يقول الطائي، يصعب طحنها لأنها تقلى "بنار حطبمبلل" أو ربما تقلى في "ناصية مظلمة" على نار "أوراق أفكاره" التي تحرق يوميا "بنواد يمارس فيها/ فعل الكلام "حتى تراخى الجسد الى أن فسد. وما زال صاحبنا العربيمصر ولأنه طيب النية وخيّرها "يطحن قهوته المرة/ لشفاه تقطر عسلا". هل هي الطيبةذاتها التي تحدث عنها لاتح عندما قال :
لن تحلك دوافع المدى
في سلب مقلتيه ،ومده أخاذ
ينير على سطحه وجها مبتسما .( ص.10)
وما أن أصيب صاحبنا " بنوبةقلبية / فتفرقوا من حوله ليرثوا فنجانه حيا " ثُم:
بنياشين الفراقابنوه
ودفنوها معه... وفي
عزائه ذاقوا بنه
المطحون." (بن ص.323)
ويلقيبنا " بن " بعد وفاة بطله في أحضان لاتح من جديد لنبحث في لناته ولعناته عن ذلكالبلاء الذي حل علينا ضيفا ثقيلا يتمشى معنا وينتقل ، علّنا نجد هناك الخلاص. لكنانْا لنا هذا ونحن نريد عندما نغضب "طرق، أبواب القيود/ بطرف أصبع نحيف " أو نحياوحولنا تنمو "ثمار فاسدة الطعم/ تسقى بذورها برضاك". انها الهوية التي ضاعت أو التيلم نعرف انها بسمة والتزام ودفاع وكرم وسلام ووفاء .كيف يرجو السمك خلاصا منالمحيط. وبانتظار القلم والنور في الجزء الخامس من حواس حروف لا نملك إلاالقول:
سحقا لزمان أدمن الناطقون بأحداثه،
وشؤونه شم الجمرة الخبيثة. (لاتحص. 32)
محمد نجيب السعد *
*
رئيس قسم الدراسات الانجليزية / كليةالبيان / مسقط
جريدة " الوطن" العمانية 11/5/2010
 

إضافة تعليق

9 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.