DNA الخلية التي تلخّص حياة وتطوّر أي أمّة (الجزء 3)

لا أريدك في النهاية أن تقرأ هذه المقالة وتصفّق إن اشتهيت ذلك، بل أريدك أن تنظر إلى المرآة. سترى شخصاً ربما غير الذي تعوّدت أن تراه، لكنّي أؤمن أنّ بداخل هذا الشخص صلاح للـدين آخر. مهما كان وضعك وكيفما كان.
ثمّة شيء خاطئ في واقعنا وفي فهمنا المباشر لديننا. الذي يؤدي بشكلٍ مباشر إلى الوضع المزري الذي نحن فيه. لذلك يجب أن لا ننسى أبداً أنّ فهمنا الصحيح للقرآن يجب أن يؤدي بشكلٍ مباشر وحاسم إلى النهضة، وأي تأخير في حدوث النهضة يعني حتماً وجود خلل في فهمنا للقرآن.
هل تعلم بعد هذا كله.. أنّ توبتنا قد أصابها الخللُ أيضاً. والأغلب أن التوبة منذ عقود لم ولن تقبل منا جميعاً حتى لو رافقتها الدموع الغزيرة!.
سأسرد القصة من بدايتها:
جميع أئمة المسلمين قد اتفقوا منذ زمنٍ بعيد على أن شروط التوبة ثلاثة، الأول الندم على الذنب، الثاني الإقلاع (التوقف) عن الذنب، الثالث العزم على عدم العودة. ويضاف شرط رابع هو، في حال كان الذنب مع إنسان آخر، إعادة الحقوق إلى أصحابها. المشكلة أن القرآن قد أشار إلى شرط إضافي أساسي وحاسم لقبول التوبة. بعد بسم الله الرحمن الرحيم: ?إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ? [الفرقان 25/70].
فالله سبحانه وتعالى لن يبدّل سيّئاتك حسنات إن لم تتب وتؤمن وتعمل عملاً صالحاً. الآية واضحة وضوح الشمس. فلم يعد الندم وإيقاف الذنب والإعلان عن عدم العودة كافياً للتوبة لكي يبدّل سيئاتك حسنات إن لم يرافقه عمل صالح. وهذا العمل الصالح لن يحدث وأنت منعزل عن الناس، عن المجتمع، عن الآخرين. فالعمل الصالح لا يكون إلا بهم.
هنا يجب الانتباه إلى أنّ الإيمان في الآية لا يشير أبداً إلى معنى الإيمان في أذهاننا والمتمثل بالإيمان بالله. لأنّ التوبة تعني فيما تعنيه الإيمان، فعندما تعترف بالخطأ وتقر للإله أنك نادمٌ حقاً فهذا يعني أنك مؤمن بهذا الإله وأنك تطلب
مغفرته إيماناً به. لذلك ثمة معنى جديد كلمة الإيمان هنا.
الآية تخبرنا أن هناك ثلاث مراحل أساسية للتوبة الكلية، لكي يبدّل الله عزّ وجل سيئاتنا حسنات، الأولى التوبة الجزئية. الثانية الإيمان. الثالثة العمل الصالح. فعندما نقرّر أن نتوب فإنّ أول خطوة تبدأ من النيّة، من التوبة الجزئيّة، بالإقرار والندم والتوقف عن أداء الذنب والعزم على عدم العودة. لتأتي بعدها المرحلة الثانية، مرحلة الإيمان، الإيمان بالتغيير، الإيمان بأن الشيء الذي اقترفناه (الذنب) كان له مقدّمات أدت إلى هذه النتيجة، أن نؤمن بالتغيير لكي لا نعود ونقع في نفس المشكلة مرة أخرى. الإيمان بأنّ حياتنا أقصر من أن نكرر الخطأ مرة ثانية، الإيمان بأن النتائج ستكون نفسها إن لم نغيّر الطرق المؤدية لتلك النتائج. عندها ننتقل إلى المرحلة الثالثة، مرحلة العمل الصالح، مرحلة الترجمة العمليّة للإيمان والنيّة، حيث لا مخرج من الذي كنا فيه غير العمل الصالح الذي يكون غالباً من جنس المشكلة. فالعمل الصالح لن يكون مزيداً من الصلاة أو الصيام أو الاستغفار أو حتى الدعاء لأنّ هذا كله يندرج تحت اسم آخر، تحت اسم العبادات. لكن العمل الصالح المراد هنا في الآية هو العمل من أجل الآخرين. من أجل ذلك الاحتمال بأن يكون أحدهم قد تأثر أو تعلّم منك عندما اقترفت المعصية. أن تفهم أنه سيكون هناك بعض من الناس من سيتأثر ويسيء عندما تسيء. أن تفهم أنك لا تعيش وحيداً، وأنك كجزء من هذه الأمة لك دور، تتفاعل ويتفاعل معك الآخرون. من أجل هذا كله، فإن العمل الصالح سيكون موجّهاً لهم. لتبني مثل ما هدمت. لتصلح ما كسرت، حتى لو بدت لك للوهلة الأولى أن لا أحد تأثّر، فثمّة دائماً خطوط متشعّبة ومتداخلة مع بعضها البعض. قد لا تراها ولا تفهمها، لكن هذا لا يلغي وجودها.
أعلم أنّ الأمر أصبح صعباً ومعقداً، حيث في كل مرّة نريد أن نتوب يجب أن نقوم بعمل صالح بمفهومه الجديد، لكن صعوبة الأمر لا تلغي حقيقة الأمر. والأمر يهون علينا عندما نتذكر قول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في أنّ مهر الجنّة غالٍ. أيعقل أن نطلب الفردوس في كل رمضان بدون أن نتعب؟ بدون أن نعرق؟ بدون أن نفتخر بما أنجزنا؟
ولا تنسَ قبل كل شيء أننا ما زلنا نتكلم عن أدنى شعب الإيمان.
الآية الأخيرة تجبرك على الاحتكاك بالناس، تجبرك على الخروج من قوقعتك وبرجك العاجي وهمومك وحياتك اليومية الشخصية، والنـزول إلى الشارع والتفكير بحلول إصلاحية لمشاكل الآخرين في كل مرّة تعصي وترغب في أن يبدّل الله سيئاتك حسنات. إنه البرهان العملي على إيمانك بالتغيير، على توبتك، لتثبت أنك تعلّمت وفهمت الدرس. إنه الجزء العملي مثل أي مادة تدرّس في الجامعات العريقة، فلابد من دليل، فالكلام ربما يُمحى أو يُنسى،
لكن العمل وحده يبقى خالداً، على الأقل في صفحات سجلّك.
دعونا ننظر إلى الموضوع نظرة جانبية، فعندما نرى أنفسنا في هذا الموقع ربما نتلكّأ خوفاً من عدم استطاعتنا لفعل هذا، قد يكون معنا حق فقط لأننا لم نتعوّد. لكن، خروجك من قوقعتك لا يشملك أنت وحدك، وهذا بالحقيقة ما يهوّن الأمر علينا. لأنّه سيكون هناك شخص ما يفكر بك وبهمومك، بل يفكر بإيجاد الحلول المثلى لها. لأنّه قد عصى وقرر أن يتوب فأمره الله كما أمرك لكي يبدلّ سيّئاته حسنات أن يقوم بعمل صالح، فعلم بمشكلتك، وعمل على إيجاد حلول لها، على تقديم العمل الصالح لك ليغفر ويتوب الله عليه.. بهذه النظرة يصبح الأمر أهون قليلاً. وسيكون أهون مرّة بعد مرّة كلما ازداد عدد الأشخاص الذين يفهمون المعاني الحقيقية لآيات القرآن.
لكن لماذا بعد كل هذه المعاني العميقة جاء في الحديث أنّ إماطة الأذى (تقديم العمل الصالح) يعد من أدنى شعب الإيمان!؟ ألا يجب أن يكون أعلاها؟ وخاصةً عندما نتذكر أنّ في الحديث نفسه ذُكر أن الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. أليس بعد كل الذي رأيناه من معاني جديدة تكاد تكون
أصعب وأعمق من قول لا إله إلا الله، فلماذا إذاً أدناها؟
تذكّر دائماً أنّ الذي تعوّدنا عليه ليس بالضرورة هو الشيء الصحيح. لقد تعوّدنا أن كلمة أدناها تعني الأسهل والأقل ثواباً. فقط مجرد عادة وتكرار متكرر لمعنى بسيط وسطحي أدى إلى انغراس المعنى تماماً بحيث لا يمكن الجدال فيه، تماماً مثل تعوّدنا على معنى إماطة الأذى عن الطريق بإماطة حجر ما في الطريق.
فلا تعني كلمة أدناها في الحديث الأسهل والأصغر والأقل ثواباً، بل تعني وتدل على أول خطوة من خطوات الإيمان الطويل، إنّها بوابتك نحو الإيمان كله. إنها تعني وتدل على أوّل (أدنى) درجة من ذلك السلم الذي ينتهي بـ لا إله إلا الله.. نعم، تماماً نفس معنى السلم, فدرجات السلم واحدة ومتشابهة ولا تختلف الدرجة الأولى عن الدرجة الأخيرة أبداً إلا بكون الدرجة الأولى كانت مقدّمة للدرج كله، والدرجة الأخيرة كانت نتيجة للدرج كله. لن نستطيع أن نفرّق بين الدرجتين الأولى والأخيرة إن غُيّر مكان الدرجة الأولى. جميع شعب الإيمان لها نفس التأثير ونفس الثواب، لا تختلف إحداها عن الأخريات غير أن بعضها لا يصح ولا يكتمل إلا باكتمال الأخرى، إلا بوجود الآخر. فإماطة الأذى لا تختلف عن قول لا إله إلا الله في الأجر والثواب، فلهما الأجر نفسه والثواب نفسه. لكن الفرق الجوهري والأساسي أن الواحدة تأتي قبل الأخرى، أنّ إحداهما البداية والأخرى النهاية.
الدين الذي نحن عليه الآن، الدين الذي تربينا عليه، الدين الذي نفهمه ونطبّقه، يبدأ بالعبادات والطاعات، يبدأ من مجموعة أذكار وصلوات فردية، وإن كانت في المسجد، لا صلة لها مع الآخر. غالباً ما نبدأ إيماننا بـ لا إله إلا الله، ويتطوّر هذا الإيمان من بعد ذلك ليتوّج وينتهي بالعمل الصالح، العمل الذي يربطك بالآخر. فالآخر هو الحلقة الأخيرة المكمّلة لإيمانك، ربما لتصبح الولي المحب لفعل الخير أو ما شابه ذلك. فالعمل الصالح بالنسبة إلينا هو خميرة ونتيجة لما اكتسبناه من إيمان، إنه ثمرة إيماننا. أمّا الدين الحقيقي، الإسلام الحقيقي، فهو يبدأ بالعمل الصالح، بعلاقتك مع الآخر. إنه يعتبر الآخر قاعدتك نحو الإيمان، فالآخر هو بوابتك للإيمان، هو أول خطوة تخطوها في مسار الإيمان. ويتطوّر إيمانك من بعد ذلك لينتهي بقول لا إله إلا الله وأثر هذا القول في قلبك.
إنهما الدينان المتناقضان، الأول يبدأ حين يجب أن ينتهي الثاني. وينتهي حيث يبدأ الثاني! الأمور والمفاهيم أصبحت مقلوبة، لذلك من المنطقي الآن أن نفهم لماذا واقعنا مقلوب ومزرٍ. وسعينا لا يعطي النتائج الصحيحة لأن الاستعمال في الأساس غير صحيح.
لا أريدك في النهاية أن تقرأ هذه المقالة وتصفّق إن اشتهيت ذلك، بل أريدك أن تنظر إلى المرآة. سترى شخصاً ربما غير الذي تعوّدت أن تراه، لكنّي أؤمن أنّ بداخل هذا الشخص صلاح للـدين آخر. مهما كان وضعك وكيفما كان. ولنتذكّر أنّ هناك صحابياً، لا يهمّنا اسمه فقد يكون قد مات منذ زمنٍ بعيد أو أنه لم يمت من بيننا بعد، أنّه أسلم وهو في الثلاثين وتوفّي وهو في السابعة والثلاثين واهتز لموته عرش الرحمن. أعطِ كل ما تستطيع إعطاءه، فبإمكانك فعل الكثير لكنك لم تتعود على ذلك.
والأمر برمّته مرتبط بردود أفعالنا. ونهضتنا التي نطمح أن تأتي مرتبطة بما نفعله نحن الآن..

إضافة تعليق