المسعودي.. المبدع الذي لم نعرفه حقاً

ربما يعد المسعودي أعظم المؤرخين العرب قاطبة، ومن هنا فإنه من الغريب أن تجد أنه لم يكتب الكثير عنه من قبل كتاب عرب آخرين. وبسبب وضعه الفريد في مجال التاريخ العربي، فقد قارن الكتاب الأوروبيون اللاحقون بينه وبين هيرودوتس.

وقد أبلغنا المسعودي في كتاباته بأنه ولد في بغداد، التي عرف فيها الكثير من الشخصيات الشهيرة في عالم الأدب والثقافة. وهو بالطبع مذكور في كتاب "وفيات الأعيان" لابن خِلّكان، ولكن لم تكرس له مادة إضافية. وهكذا فإنه يتعين علينا أن نعرف المزيد عنه من أعماله، ومنها كتابه الشهير "مروج الذهب" وكتابه الأقل امتداداً بعنوان "التنبيه والإشراف"..

حيث يقدم معلومات محدودة بصورة مباشرة عن نفسه. والحقيقة أنه كان أكثر اهتماماً بالقضايا الفكرية، ومن هذه الاهتمامات يمكننا أن نستخلص صورة لشخصيته. يأتي ابن النديم في كتابه "الفهرست" على ذكر المسعودي بعد وفاته بـ30 عاماً، ويقول عنه إنه كان من سلالة الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود..

وكان مؤلفاً للكتب عن تواريخ الملوك وأعراقهم، ثم يأتي على ذكر بعض أعماله، بما في ذلك "مروج الذهب". ويأتي المسعودي نفسه على ذكر 34 عملاً من أعماله، اختفت جميعها ولم يصلنا منها شيء، غير أن شذرات منها أمكن استخلاصها من المكتبات في أماكن مختلفة من العالم العربي، ويأتي ابن النديم على ذكر خمسة كتب أخرى له.

ومن بين أعماله التي اختفت، هناك أربعة كتب كبرى في التاريخ، وهناك أيضاً كتب في الفقه والفلسفة، بل وأعمال في العلم والجغرافيا والرحلات.

ومن حسن الطالع أن العمل الذي يتم الاعتراف به باعتباره رائعة المسعودي بامتياز، وهو كتابه "مروج الذهب" قد وصل إلينا، ويتناول الاهتمامين الرئيسيين لدى المسعودي، وهما التاريخ والجغرافيا. ففيه يتناول تاريخ العالم منذ بدء الخليقة إلى الزمن الذي عاش فيه، حيث يقدم ثروة طائلة من القصص والطرائف المستمدة من كتاب آخرين أو من تجربته الشخصية..

وتشمل على سبيل المثال وصفاً لموت كليوباترا، ومن المدهش أنه يقترب على نحو وثيق من الكيفية التي وصف بها في مسرحية شكسبير. كما تشمل سيرة لحياة الرسول الكريم، وعمليات تبادل الأسرى مع البيزنطيين، ومآدب هارون الرشيد، مع أوصاف مفصلة لوصفات إعداد الطعام الذي قدم فيها.. الخ.

ومن أكثر الأجزاء إثارة للاهتمام، التوصيفات الجغرافية للرحلات التي قام بها المسعودي نفسه، وكذلك انتقاد مسلّ لرحلات كتاب آخرين لم يقم بعضهم بشد الرحال إلى الأماكن التي يصفها. ومن شأن القراءة المعمقة لكتاب "مروج الذهب"، أن تقدم صورة مفعمة بالحيوية لشخصية المؤلف. وهو من بين أمور أخرى، يفصح عن النطاق العريض لمعرفته..

كما يظهر تسامحه الملحوظ. وهكذا فإننا نجد أن موقفه حيال الأديان الأخرى وحيال بعض الطوائف الإسلامية، هو موقف ينبع من الفضول والرغبة المخلصة في إبلاغنا بالحقائق الأصيلة التي اكتشفها بتنفسه.

وهذا التسامح يبدو مفارقاً على نحو مدهش، للتحامل الذي يتم إظهاره في الغرب حيال أي شيء، وبصفة خاصة في الميدان الديني، لا يتوافق مع معتقدات الغربيين.

يظهر المسعودي كذلك تردداً ملحوظاً في وصف أي من الفظائع التي شكلت جزءاً من الحياة اليومية في تلك الأيام، ومن بينها الحروب الدموية التي سفكت دماء الكثير من الناس، والفظائع التي ارتكبت ضد الكثير من الأفراد الذين تصادف أنهم يختلفون مع من هم في سدة السلطة في تلك الأيام.

قدم المسعودي كذلك صورة حقيقية للعصر الذي عاش فيه، وكان حريصاً أشد الحرص على ذكر أسماء الكتاب الذين يقتطف بعضاً لأقوالهم وكتاباتهم. وكان موقفه من النساء يتوافق مع المكانة الرفيعة التي حظين بها في بغداد في ذلك العصر، وفي هذا الصدد كان يختلف تماماً عن الكتاب الغربيين في عصره، والذين تبنوا وجهات نظر حافلة بالانتقاد القاسي حيال النساء.

كانت الصورة التي رسمها المسعودي للمجتمع في بغداد في ذلك العهد، أكثر توازناً بكثير من تلك التي رسمها الكثير من المؤرخين الذين عالجوا الفترة نفسها، وكانوا أقل اهتماماً بتقديم صورة حقيقية لأحداث ذلك العهد وشخصياته.

سعى المسعودي في الكتاب الذي يمكننا أن نقارنه من خلاله بمؤرخي اليوم، لأن يقدم لقرائه صورة حقيقية لرجال عصره ونسائه، وللدور الذي لعبوه في جعل بغداد مركزاً للحضارة كان فريداً بحق في العالم كله الذي انتمى إليه، وقدم له مساهمات بالغة الثراء في عدد هائل من الميادين.

إضافة تعليق

3 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.