من لطيف الأخبار في سيرة النبي المختار

هذه باقة عاطرة، وشذرات مباركة، تضاف إلى ما تقدم مما نشر سابقا، من لطيف أخبار من تحلى بأعظم سيرة، سيدنا النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيها عظة وذكرى، وتحريك لما كمن من الشوق في قلوب المحبين، مستقاة من كتب الحديث والسير، مع الإشارة إلى ما فيها من دروس وعبر، فمن ذلك:

علامات النبوة

1 - روى الطبراني من حديث عبد الله بن سلام بسند رجاله ثقات (1) أن حبر اليهود زيد بن سعنة قال: (والله ما من شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفته في وجه النبي حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أعرفهما فيه الأولى: يسبق حلمه جهله، والثانية: لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، قال: فانطلقت يوماً فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد أقبل عليه رجل يركب راحلته وهو يقول: يا رسول الله، إن قومي من قرية كذا أو من بني فلان في قرية كذا كانوا قد دخلوا الإسلام، وكنت وعدتهم أنهم إن دخلوا الإسلام أن يأتيهم الرزق رغداً، وقد أصابتهم اليوم شدة، فأخشى أن يخرجوا من الإسلام طمعاً كما دخلوا في الإسلام طمعاً، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء من المال، لتغيثهم به فعلت، وجزاك الله خيراً . فالتفت النبي إلى علي بن أبي طالب الذي كان معه وكأنه يريد أن يسأل: هل عندنا من المال من شيء؟ فالتفت علي إلى النبي وقال: (والله ما معنا من المال شيء)، يقول زيد بن سعنة : فأقبلت على محمد صلى الله عليه وسلم وقلت: يا محمد! هل تبيعني تمراً في حائط بني فلان إلى أجل معلوم؟ أراد أن يعطيه مالاً إلى أجل معلوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، لكن لا تسمي حائط بني فلان فقال زيد بن سعنة : قبلت، قال: فأعطيت النبي صلى الله عليه وسلم ثمانين مثقالاً من ذهب، فدفعها كلها إلى الرجل وقال أغث بهذا المال قومك، ومن المعلوم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فانطلق الرجل بالمال كله، يقول زيد: وقبل أن يحل وقت السداد رأيت محمداً في نفر من أصحابه، يجلس إلى جوار جدار، بعد أن صلى على جنازة رجل من الأنصار، فأقبلت عليه، وأخذته من مجامع ثوبه، وقلت له: أد ما عليك من دَيْنٍ يا محمد! فوالله ما علمتكم يا بني عبد المطلب إلا مُطْلاً في سداد الديون! فانتفض عمر والتفت إلى هذا الحبر اليهودي -وهو لا يعرفه- وقال: يا عدو الله! تقول لرسول الله ما أسمع، وتفعل برسول الله ما أرى، والله لولا أنني أحذر غضبه صلى الله عليه وسلم لضربت رأسك بسيفي هذا، وزيد بن سعنة يراقب وجه النبي صلى الله عليه وسلم وكلماته، ويريد أن يسمع ماذا سيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف الرهيب العصيب، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر وقال: لا يا عمر! لقد كان من الواجب عليك أن تأمرني بحسن الأداء وأن تأمره بحسن الطلب، ثم قال: يا عمر خذه وأعطه حقه، وزده عشرين صاعاً من تمر جزاء ما روعته، يقول زيد: فأخذني عمر فأعطاني حقي، وزادني عشرين صاعاً من التمر . فقلت له: ما هذه الزيادة؟ قال: أمرني رسول الله أن أزيدكها جزاء ما روعتك . فقال زيد بن سعنة : ألا تعرفني يا عمر؟! قال: لا، قال: أنا زيد بن سعنة قال عمر: حبر اليهود؟! قال: نعم . قال عمر فما الذي حملك على أن تفعل برسول الله ما فعلت؟ قال زيد: يا عمر والله ما من شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفته في وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أعرفهما فيه: الأولى: يسبق حلمه جهله، والثانية: لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، أما وقد عرفتهما اليوم فإني أشهدك أني قد رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ورسولاً)، وعاد حبر اليهود مع عمر بن الخطاب إلى المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وشهد مع رسول الله بعد ذلك كل المشاهد والغزوات، وتوفي في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبر، رضي الله عنه وأرضاه .

أيها المسلمون، أيها الأحبة الكرام، إن الإحسان إلى الناس يحول البغض في القلوب إلى حب، فليت الأمة تعي هذا الدرس بحكامها، وعلمائها، ورجالها، وشبابها، ونسائها . وليت الأمة تعود إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، لتحول هذه السيرة العطرة والأخلاق الزاكية في حياتها إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة، ولنعلم أنه لن تستقيم الحياة، ولن يعم الأمن والسلام، إلا إذا تحلت مجتمعاتنا بهذه الأخلاق السامية، وترسمت خطوات من اتصف بها عليه الصلاة والسلام، وصدقت في محبته واتباعه .

الشوق إلى لقاء الله

2- لما كان في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وحين ابتدأ شكواه في مرضه الأخير صلى الله عليه وسلم، نادى مولاه أبا مويهبة رضي الله عنه لينطلق معه إلى البقيع، ولننقل الخبر كما رواه ابن إسحاق وغيره عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل، فقال: يا أبا مويهبة، قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع، فانطلق معي، فانطلقت معه، فلما وقفنا عليهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليَهْن لكم ما أصبحتم فيما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن مثل قطع الليل المظلم يتبع آخرها أولاها، الآخرة شر من الأولى، ثم أقبل عليّ فقال: إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة، فقلت: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا وتخلد فيها، ثم الجنة، قال: لا والله يا أبا مويهبة، قد اخترت لقاء ربي والجنة، ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف، فابتدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه الذي قبض فيه) .
يا لله . . وهل يسع مسلم حين يسمع مثل ما سمع أبو مويهبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يقول مثل قوله (بأبي أنت وأمي يا رسول الله فخذ مفاتيح خزائن الدنيا وتخلد فيها ثم الجنة)، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عرف مقام ربه ما كان ليؤثر شيئا على لقائه .
من هنا فقد كان انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ومفارقة الدنيا، مصيبة في حق كل مسلم ومسلمة، ومن حكم الشعر:

اصبر لكل مصيبة وتجلد
واعلم بأن المرء غير مخلد
اصبر لها صبر الكرام فإنها
نُوَب تنوب اليوم تذهب في غد
وإذا دهتك مصيبة تشجو بها
فاذكر مصابك بالنبي محمد
ولكن عزاءنا في فقده صلى الله عليه وسلم من هذه الدنيا أنه في صحيفة كل مسلم، وفي ذلك من الخير ما فيه، وأيضا فإن موعد اللقاء به صلى الله عليه وسلم لقريب بإذن الله على الرضا والمحبة آمين .
ألم يقل صلى الله عليه وسلم: (وأنا فرطكم على الحوض)، فاللهم اسقنا بيده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبداً، ومن لطيف الشعر:

وحوض المصطفى حقا سنسقى
شرابا منه معدوم المثال
بكيزان تضاهي النجم عدا
بذا صح الحديث فلا نبالي
وإن يشرب تقي منه كأسا
فلا يخشى الظما أبدا بحال

خلق العفو والصفح

3- ومن ذلك أيضا: أن صفوان بن أمية خرج يريد جدة ليركب منها إلى اليمن وذلك بعد أن أكرم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بفتح مكة فقال عمير بن وهب: يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه وقد خرج هارباً منك ليقذف نفسه في البحر فأمنه صلى الله عليك، قال: هو آمن، قال: يا رسول الله فأعطني آية يعرف بها أمانك، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل فيها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب في البحر فقال: يا صفوان فداك أبي وأمي الله الله في نفسك أن تهلكها فهذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به، قال: ويحك! اغرب عني فلا تكلمني، قال: أي صفوان فداك أبي وأمي أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس، ابن عمك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك، قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذاك وأكرم، فرجع معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمنتني، قال: صدق، قال: فاجعلني فيه بالخيار شهرين، قال: أنت بالخيار فيه أربعة أشهر .
ويا لله ما أظهر خلق النبي صلى الله عليه وسلم في العفو هنا، وإن السكوت عن أيّ تعليق في هذا الموطن أبلغ بكثير من أي كلمة تقال، فلنكتف بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هو آمن) . . هكذا (هو آمن) وبكل يسر ومحبة، أين ذاك العداء الذي كانت تكنه قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأين ذاك الأذى الذي كانت تصبه عليه وعلى أصحابه رضي الله عنهم؟! بل أين تلك الدماء التي تسببت قريش في سفكها في حروب متعددة؟ كله ذهب كأن لم يكن شيء .
فهل عرف التاريخ مثل هذه الأخلاق عند غير محمد صلوات الله وسلامه عليه؟
ألا ما أصدق لهجة من قال:

لقد عقمت أم الزمان فلم
تلد ولن تلد الأيام مثل محمد

فيا رب امنن علينا بمحبته، ووفقنا لإحياء سنته، وتوفنا على ملته، واحشرنا غداً في زمرته ومعيته، حتى نلقاك على الرضا والمحبة آمين .

(1) صححه ابن حبان وقال الحافظ المزي: هذا حديث حسن مشهور .

إضافة تعليق

5 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.