مهمات الإصلاح الديني في الزمن الحاضر

على رغم من كل مثالبها السياسية، واستحقاقاتها الأمنية التي لا تزال تتفاقم عنفاً وإرهاباً، يمكننا الادعاء بأن تجربة حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر أوجدت مناخاً ثقافياً إيجابياً يسمح باستئناف صيرورة الإصلاح الديني العربي التي وصلت ذروتها مع محمد عبده أوائل القرن الماضي، قبل أن تقوم الجماعة نفسها بتعطيلها قبل ثمانية عقود ونيف. لقد اختصرت مصر عبر عام واحد من حكم الجماعة عقوداً طويلة كانت مطلوبة حتى تكتسب هذه العملية زخمها الحقيقي، لو أن الجماعة ظلت في موقع المعارضة كما كانت طوال العقود الثمانية الماضية، أو أنها شاركت في الحكم بنصيب محدود لا يعرّضها للانكشاف الذي جرى لها أو وقعت هي فيه خلال هذا العام، بتأثير رغبتها في الاستحواذ السياسي السريع، حيث أدى انفرادها بالحكم إلى وضع كل المقولات النظرية التي كانت أعلنتها على المحك العملي، كما ألقى بكل الشعارات التي رفعتها، من قبيل: الإسلام هو الحل، القرآن دستورنا، ومشروع النهضة في أتون واقع صعب على مرأى ومسمع من جمهور يتلقى بتحفز ردود أفعالها على أسئلة الحياة اليومية، الأمر الذي أذاب أساطيرها تحت شمس الواقع، ونزع عنها قوة السحر، ووضعها تحت مقصلة الحقيقة.
نقول هذه الحقيقة، وهو أمر لا يزال مسكوتاً عنه في الخطاب الثقافي العام داخل مصر وخارجها، لأن فشل الجماعة الساحق لا يمكن تبريره فقط بغبائها السياسي الذي زين لها الرغبة في الاستحواذ وبرر لها محاولات الهيمنة، فمثل تلك الرغبة كانت تدفع بها إلى تراجع تدريجي على مدى طويل نسبياً يشبه المتوالية الحسابية المتناقصة، على الطريقة التي تراجعت بها مصر خلال عصر مبارك عبر ثلاثة عقود. أما الانهيار خلال عام واحد، وبمعدلات تشبه متوالية هندسية حادة، فأمر يحتاج إلى تفسير أعمق لعله يكمن في تلك القيود المتنامية التي تضعها حركة التاريخ الإنساني أمام دور الدين في العالم المعاصر، والتي تحد من قدرته على صوغ الواقع أو التعاطي الجدي مع معضلاته.
في هذا السياق يتبدى لنا الفارق الكبير بين مسارين نقيضين غالباً ما يواجها كل فكرة كبرى من تلك الأفكار المحفزة لحركة التاريخ، على منوال المعتقدات الدينية ذات الإلهام الروحي الخلاق، والرؤى الفلسفية ذات الطابع النسقي الوجودي، أو المفاهيم السياسية ذات الطابع الثوري التحرري، وبالخصوص الأفكار العلمية ذات الطابع الابتكاري والتكنولوجي.
المسار الأول يتمثل في قدرة الفكرة على حكم العالم فعلاً، أي طبعه بطابعها، حتى تستحيل مرجعاً يقاس به وإليه حركة الفاعلين في هذا العالم. وتلهمنا حكمة التاريخ أن كل فكرة كبرى تبلغ ذروة تحققها في عصر من العصور دون غيره. ثم ترثها فكرة كبرى أقدر منها على حمل أعباء عصر جديد يكون التاريخ فيها قد ارتقى، وبلغ درجة أكبر من التعقيد، وهكذا. ومن ثم كانت الأفكار القادرة على صوغ العالم هي دائماً الأكثر حداثة، وارتباطاً بعصرها، وقدرة على تلبية متطلباته، ففي مرحلة ما كان الدور الرئيسي للدين ممثلاً في عقيدة ما فيما لعبت الأفكار الأخرى أدوراً مساعدة أو هامشية، سواء فلسفية، أو سياسية أو علمية. وفي مرحلة أخرى كان الدور الأساسي لفكرة سياسية كالدولة القومية وبناتها الثلاث العلمانية والفردية والديموقراطية، فيما احتلت الأفكار الأخرى مواقع هامشية في إدارة الواقع وصنع التاريخ. وفي مرحلة ثالثة كان العلم سيد الموقف، حيث التكنولوجية هي رافعة الحياة، وموجهة التاريخ، فيما الأفكار الأخرى تابعة لها في قيادة هذا التاريخ. وهكذا نجد أن الأفكار الكبرى جميعها قد لعبت دورها في التاريخ، ولكن ليس بالقدر نفسه في الوقت ذاته، بل بأقدار مختلفة في مراحل مختلفة، عبر تتابع محكوم ببنية تاريخية متطورة تنزع عموماً إلى الارتقاء والعقلانية.
وبالطبع ثمة فارق أساسي بين الفكرة الدينية التي تحتوي على مكون قدسي متسامٍ، وأيضاً على مكون دنيوي تاريخي، وبين الأفكار الوضعية المغرقة في الدنيوية، والخالية من التسامي. ويتبدى هذا الفارق سواء على مستوى عمق الحضور أو في طبيعة الغياب، غير أنه فارق لا يلغي المبدأ العام المؤسس لحركة الأفكار في التاريخ، أو لنقل المؤسس لتاريخية الأفكار في الوجود الإنساني؛ ذلك أن الدين ظاهرة إنسانية كبرى تتوزع على مستويين متمايزين: مستوى أولي يتمثل في خبرة الاتصال العاطفي مع المبدأ الإلهي/ القدسي، وهي خبرة خاصة جداً، متفردة تماماً، كونها حواراً مع خالق الكون وروح الوجود، يترقى فيه الإنسان بقدر ألقه الروحي، واستنارته الباطنية فيما لا سبيل إلى تعلمه من أحد أو نقله إلى أحد. ومستوى ثانوي يتم فيه عقلنة هذه الخبرة في معتقدات وعبادات وتنظيمها في طقوس وشعائر، ما يجعل منها معرفة وتقاليد، تدور حول نصوص ونُقول، ويحيلها نسقاً يمكن الخروج منه والدخول إليه.. نقله عن سابقين وبثه في لاحقين، والاشتراك فيه مع آخرين.
على المستوى الأول نحن أمام جوهر روحاني باطني، يمكن امتلاكه، كما يُتصور فقده، مع إمكانية تنشيطه؛ بحسب القوة الروحية للفرد التي يلهمها تكوينه النفسي واستعداده الجواني، ومن ثم فلا سبيل للحديث عن ارتقاء تاريخي أو تدهور حضاري، فالإيمان هنا هو نتاج العوالم الداخلية للإنسان، كما أنه وسيلة مثلى لإنماء هذه العوالم. وعلى المستوى الثاني نحن أمام قواعد مدرسية وتقاليد تنظيمية تقبل التطور، مثلما تتفاوت في درجة الإحكام، بحسب الترقي في طرق تأويل وتدوين النصوص، وفي مسارات احتكاكها بالواقع التاريخي.
أما المسار الثاني فيتمثل في قدرة الفكرة الكبرى على الإسهام في حركة العالم التي لم تستطع أصلاً التحكم فيه، ذلك أن فشلها في تحقيق السيادة، لا يعني انسحابها من التاريخ أو موتها، بل فقط انزياحها من بؤرة الفعل التاريخي إلى هامشة، لتعلب أدواراً فرعية في مجريات هذا العصر أو ذاك. غير أن هذا الإسهام يأخذ شكلين أساسيين:
أولهما هو التكيف الإيجابي عندما تكتفي الفكرة الكبرى المتراجعة بدور مساند للفكرة الكبرى المؤسسة، فالدين مثلاً يمكن أن ينزاح من المجال العام إلى ضمير الفرد المؤمن، ممارساً دوراً روحياً هائلاً، إذ يقدم له الصبر على مآسيه، ويعطيه التعزية على نحو يحقق له توازنه النفسي، أو يلهمه الأمل في تجاوز مصاعب عيشه، ويمنحه الثقة في أن المستقبل أفضل، ما يساعده على النجاح فعلاً، وهكذا.
وثانيهما هو التكيف السلبي، عندما تأخذ الفكرة الكبرى المتراجعة موقف المشاكسة المعيقة للفكرة الكبرى المؤسسة، فتسعى إلى اعتراض خطواتها، وقطع طريق سيرها الآمن، وهو أمر تتورط فيه الفكرة عندما تحاول تصدير مشاهد الزمن في غير أوانها، على أهميتها وقيمتها في ذاتها، فعندئذ تكون الطاقة المتولدة عن الفكرة غير بناءة، يتم استخدامها في تعويق طاقة أخرى أكثر قدرة على التشييد والبناء، وذلك على النحو الذي يمثله أرباب الإسلام السياسي عندما يتصورون أن نماذج حكم معينة تنتمى لعصر مضى، وتستند إلى تأويل ديني نفعي ضيق الأفق، تستطيع أن تحكم زمن حاضر أو مستقبل آت لمجرد أنها حملت شعاراً جذاباً، أو استندت إلى عقيده حية، تبقى ملهمة، لضمائر المؤمنين ولكن عاجزة عن صنع عالمهم على النحو الذي تمثله مثل الحداثة السياسية منذ أربعة قرون على الأقل، فلا الروح الوطنية يمكن وأدها، ولا العلمانية السياسية يمكن التنكر لأهميتها، ولا النزعة الفردية يمكن الخلاص منها، ولا الديموقراطية يمكن تجاهلها. إنها أبجديات الحياة الجماعية والتنظيم السياسي في عالمنا، وكل محاولة لإهدارها غير مثمرة، لأنها تضاد طبيعة الأشياء والناس. وفي هذا السياق تتبدى لنا طبيعة المأزق الذي يواجه تيار الإسلام السياسي الآن، كما يواجه الإسلام نفسه.
أما الإسلام السياسي، فالأغلب أن تتعرض تياراته المختلفة لتحدى الخروج من التاريخ، بعد أن تحولت إلى تجربة مهشمة وصدئة في سيرورته، إذ ارتكبوا باسم الإسلام وتحت رايته كل الأفعال المدنسة، وهم بصدد النزوع إلى احتكاره وتوظيفه في خدمة غرائزهم النفعية ومصالحهم الدنيوية، حتى أنهم لم يتورعوا عن قتل الآخرين على مذبحه، قبل أن يغسلوا أيديهم من الدماء بنصوصه وتأويلاته.
وأما الإسلام العظيم، فيواجه اليوم وسيواجه غداً نوعاً من التشكيك إزاء التباين الواضح بين القيم المثالية التي يدعو إليها، وبين الوقائع التي تنتجها تلك التيارات المتحدثة باسمه من كذب ونفاق وتعذيب وسحل وقتل وامتهان كرامة، وغير ذلك من سلوكيات تعادي الأخلاق الدينية عموماً والإسلامية خصوصاً. والمؤكد هنا أن الشخص الذي سيتمكن من استعادة توازنه النفسي لن يسترجع إيمانه التقليدي القديم، بل سوف يكتسب إيماناً أكثر عقلانية، ويتسم بروح أكثر نقدية تعمل كحائط صد نفسي، سواء ضد الميول النفعية التي حفزت الجماعات المسيسة لتنطق باسم إيمانه أصلاً، أو ضد الميول الإتباعية التي أخضعته لتلك الجماعات تالياً، الأمر الذي سوف يطلق بالضرورة صيرورة إصلاح ديني عميق في قلب الثقافة المصرية والعربية.

إضافة تعليق