الأدب العربي مهمّش بلغة غوته ... والثورات أنعشته

ماذا يعرف القارئ الألماني عن العرب عموماً، وعن الأدب العربي، خصوصاً، ومن هم الروائيون والأدباء والشعراء الذين سمع بهم حتى الآن؟ ليس الكثير ما عدا كتاب «ألف ليلة وليلة» وما يُكتب عن الإسلام والمسلمين بأقلام كتّاب ألمان وأجانب. الأول يضع القارئ الألماني في أجواء شرقية مثيرة وينقله إلى عوالم خفية يعشقها، والثاني يثير فيه حذراً وريبة بسبب ما يشاهده ويسمعه يومياً عن حروب وقتل باسم الدين بين المسلمين أنفسهم.
ثلاث فرص لا تُعوّض سنحت في الأعوام الماضية بغية دفع الترجمة من العربية إلى الألمانية وإلى لغات أوروبية أخرى إلى الأمام، واكتساب ذائقة القارئين بها، وفتح أبواب الأدب العربي الحديث أمام الجمهور الواسع. أولى هذه الفرص نيل الكاتب المصري الراحل نجيب محفوظ جائزة نوبل للآداب عام 1988، الثانية تمثّل العالم العربي كضيف شرف في معرض الكتاب في فرانكفورت عام 2004، والثالثة التحولات السياسية التي بدأت عام 2011 في دول عربية على خلفية الثورات والانتفاضات الاجتماعية التي وقعت فيها. لكنّ الفرص الذهبية هذه ذهبت هباءً وبقي تأثيرها ظرفياً في أوروبا، خصوصاً بعد تحوّل هذه الثورات إلى حروب ومرتع للمتطرفين الإسلاميين.
مما لا شك فيه أنّ أسباباً عدة، ذاتية وموضوعية، تقف وراء جهل القارئ الأوروبي والألماني بالأدب العربي، منها غياب وعي مسؤولي دور النشر العربية والكتّاب العرب بالمتطلبات الثقافية والمهنية الملقاة على عاتقهم، مما يحمّلهم المسؤولية الأكبر عن الفشل في تحقيق الاختراق المطلوب في ذائقة القارئ الدولي. وإذا أخذنا صورة سريعة عن سوق الكتب الألمانية، نجد أن عدد دور النشر فيها يبلغ 2240 داراً تقريباً، وهي تطبع سنوياً نحو 80 ألف كتاب جديد و10 آلاف طبعة جديدة لكتب صادرة. ونتيجة عدم وجود إحصاء حول الكتب العربية التي تُطبع في هذه السوق الضخمة، يقدّر بعضهم أن عددها في السنة لا يتجاوز عدد أصابع اليدين مع بعض الاستثناءات كما سبق وأشرنا.
وبهدف إلقاء المزيد من الضوء على هذه المسألة، التقت «الحياة» المترجمتين الألمانيتين ليلى شمّاع، وهي من أصل لبناني تعيش وتعمل في برلين (ترجمت روايات لليلى بعلبكي، إلياس الخوري، علوية صبح، سحر خليفة، ودواوين شعرية لجرجس شكري وعباس بيضون). ولاريسا بِندِر تعيش وتعمل في كولونيا (ترجمت لعبدالرحمن منيف، يوسف زيدان، جبور الدويهي، سمر يزبك وآخرين. وهي صحافية ومحور عملها سورية والأدب العربي). ولكلّ منهما خبرة سنوات في الترجمة من العربية إلى الألمانية، وفي التعامل مع الكتّاب ودور النشر العربية والألمانية على السواء.
مأزق الترجمة
تتفق المترجمتان بِندِر وشمّاع على وجود صعوبة في التعامل مع دور النشر الألمانية لترجمة كتب عربية بسبب عدم وجود اهتمام تقليدي بالكتاب العربي. وتقول شمّاع في هذا الصدد: «منذ البداية تُبدي دور النشر هذه نفوراً على اعتبار أن الكتاب العربي لا يجذب قرّاءً كثراً، وبالتالي فإن انتشاره محدود، ومردوده قليل، ودور النشر هي في النهاية مؤسسات تجارية تسعى إلى الربح. وواضح أن الأدبين الأميركي والانكليزي يحتكران من 60 إلى 70 في المئة من سوق ترجمة الكتب الأجنبية في ألمانيا، ما يحدد في رأيي ذائقة القارئ».
وتتابع: «من جهة أخرى، فإن الأدب العربي بعيد جداً من استراتيجية السرد، وهو بالتالي خارج الذائقة الألمانية، ولا حظّ له في المنافسة لاكتساب قراء جدد. من هنا ابتعاد دور نشر ألمانية كثيرة عن ترجمة كتب عربية مع استثناءات قليلة. وفي السنوات السابقة، كانت دور النشر الصغيرة تبدي اهتماماً بترجمة كتب عربية، ولكن معظمها أفلس وأغلق أبوابه، أو اشترته دور نشر كبيرة».
وعما إذا كانت أسباب الحذر من الترجمة تكمن في دور النشر الألمانية أو في الأدب العربي نفسه، تقول بِندِر: «ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال. فمن ناحية، يصح القول بوجود اهتمام موسمي بالأدب العربي، وعلى سبيل المثل، ارتفع عدد الترجمات قبل عام 2004 إلى حد كبير، وهي السنة التي حلّ فيها العالم العربي ضيفاً على معرض الكتاب الدولي في فرانكفورت، لكنّ الارتفاع هذا لم يسفر للأسف عن استمرارية، بل حصل تراجع في الترجمة في العام اللاحق». وتضيف: «في الوقت ذاته، ومنذ وضع جائزة للكتاب العربي «برايز أوف ارابيك فيكشن»، ازداد الاهتمام من جديد بالأدب العربي. ومن خلال الاهتمام بـ «اللائحة القصيرة» في وسائل الإعلام، وجزئياً في ألمانيا أخيراً، ارتفع الاهتمام بالأدب العربي، وازداد عدد ممثلي الكتّاب العرب العاملين كوسطاء مع دور النشر هنا. ولا شك في أن الصورة السلبية الموجودة في الغرب عن العربي تلعب دوراً سلبياً، ولأن تعابير مثل «العرب» و«المسلمين» غالباً ما تترادف مع «عدم الأهلية للديموقراطية» و«الارهاب»، فلا يعود المرء ينتظر منهم أدباً جيداً».
وترى المترجمة شمّاع، إضافة إلى هذه العوائق «تناقضاً في النظرة إلى العرب وأدبهم لدى غالبية دور النشر الألمانية، عطفاً على وجود أحكام ذاتية مسبقة لدى القائمين عليها، إذ ثمة من يعتقد بأن العرب يواصلون عيش حياة الماضي، واستمرار سلطة الدين وقمع المرأة، وفي المقابل تعجبهم صور الحريم والإثارة الجنسية في إطار من العوالم الخفية، أي المزيج من التخيلات على نسق «ألف ليلة وليلة»، كما لدى غالبية هذه الدور صور مبهمة وضبابية عن العالم العربي».
ومع ذلك، تعتقد شمّاع أن بعد «الربيع العربي»، «فوجئ الأوروبيون بعدم وجود اختلاف عن عالمهم، ووعوا بغتة أن العرب يكافحون مثلهم من أجل الحرية والعدالة والديموقراطية وحقوق المرأة»، وتضيف: «في مرحلة التحولات هذه التي بدأت عام 2011 شهدنا على الأثر اهتماماً كبيراً من دور النشر الألمانية بترجمة كتب عربية. وجرت في هذه الفترة دعوة فرق عربية، وكتّاب عرب، وشخصيات فنية وسياسية عربية للحديث عن المتغيرات الحاصلة في بلدانهم، وعقدت مؤتمرات ونقاشات عدّة. أما اليوم فتوقف كل شيء، ولا نرى أي اهتمام من دور النشر، ويمكن القول إن مترجمي العربية في ألمانيا شبه عاطلين من العمل حالياً».
في هذه النقطة، تختلف المترجمة بِندِر بعض الشيء عن زميلتها شمّاع، وتعتقد أن وضع الترجمة تحسّن في السنوات الأخيرة مع قيام دور نشر كبيرة مثل «إنزل» و«هانزر» و«لوخترهاند» بإصدار كتب عن الأدب العربي أكثر من السنوات الماضية. وتستنتج من ذلك أنّ الأدب العربي يخرج ببطء من جحره الصغير، وأنّ الأمر يحتاج إلى وقت، و«أرى أنّ التطوّر يسير بصورة إيجابية. صحيح أن الاهتمام بالأدب العربي ينمو ببطء، ولكن بثبات».
تجاهل الأدب العربي
وترى أنّ المترجمين الألمان من اللغات الأخرى، خصوصاً اللغات الأوروبية، يعملون بصورة أسهل من مترجمي العربية، مشيرة إلى أن كمية ما يترجمه المترجمون عن اللغة العربية أقل بكثير مما يحققه المترجمون عن اللغة الانكليزية أو الفرنسية، «وهذا يعني أن المترجمين عن العربية يحصلون في المتوسط على صفحات أقل للترجمة في اليوم الواحد، الأمر الذي ينعكس سلباً بالطبع على دخلهم. يضاف إلى ذلك أن الاهتمام بالأدب العربي من جانب دور النشر الألمانية ليس بالكمّ الكبير بعد، ما لا يمكِّن جميع المترجمين عن العربية من الحصول على عمل، لهذا يعمل جميعنا كما سبق وذكرت في مجالات أخرى أيضاً».
وتطرح شمّاع اشكالية أخرى تتعلق بعلاقة المترجم مع دور النشر العربية والكتّاب العرب وما يرافقها من متاعب. وتقول عن ذلك إن ما يهم دور النشر هو ترجمة الكتب العربية إلى الألمانية، لا العكس. واشتكت من عدم وجود اهتمام لغالبية هذه الدور بالنص الذي تنشره، مشيرة إلى عدم وجود منقّحين أكفياء ومراجعي نصوص للتدقيق فيها من جوانب عدة قبل طباعتها، ما ينجم عنه بقاء أخطاء فاضحة، وتناقضات، وسياقات غير واضحة فيها.
وتضيف بمرارة: «عندما يعمل المترجم على نص عربي، فإنه يتعرض للهلاك وإلى العجز تقريباً بسبب النواقص الموجودة، كما يطرح على نفسه اسئلة عدة قبل أن يترجم جملة أو فقرة. وكثر من المترجمين لا يعودون إلى الدار أو إلى الكاتب أو الشاعر لاستيضاح ما يقصده، أما أنا فكنت أفعل ذلك، ولكن غالباً ما عانيت من نظرة دونية من كتّاب كثر، وإن سألت أحدهم سؤالاً فيعتقد إما أنني غبية أو متذاكية، ما جعلني في النهاية أعزف عن السؤال».
وتتفق بِندِر مع شمّاع «على وجود مشاكل كثيرة خلال عملية الترجمة من العربية، وأهمها عدم وجود مصحح في العادة في دور النشر العربية كما في مفهومنا». وتُنبّه في هذا المجال إلى ضرورة عدم فهم أن المطلوب مصحح للأخطاء اللغوية فقط. وتقول إن على المصحح «أن يدقق في أسلوب النص، وفي القواعد، وفي المعنى والمنطق المعتمد، وفي عملنا غالباً ما نشعر بأن النصوص العربية تفتقد هذا الأمر، ونضطر خلال الترجمة إلى تنفيذ ما هو ناقص على رغم أنه ليس من مهماتنا. ولأنّ النصوص التي نترجمها ستُراقب من جديد عبر مصحح ألماني في دار النشر، نشعر بأننا مجبرون على الانصياع إلى قواعد العمل القاسية هنا».

إضافة تعليق