كي لا يتحوّل الحلمُ إلى سراب

من أجل كل ذلك سأهدي مقالتي هذه:
إلى الجيل الذي أعيش فيه..
والذي يجب أن يتغيّر لا محالة..
لكي لا يتحوّل الحلم إلى سراب..
لا أعلم إن كان بمقدوري أن أتحدّث عن أمرٍ يراود تفكيري.. تردّدي هذا ليس ناجماً عن عدم دراية أوعلم كافيين للتحدّث فيه، أو خجل ممكن أن يعيق.. بل ببساطة لأنّ هذا الأمر مرتبط بكتّاب كبار بالدرجة الأولى.. بكتّاب لهم وزنهم وكلماتهم أصبحت تمتلك بعض الحصانة، التي أخذتها طبعاً بفعل الجدارة.. لكنّي بالوقت نفسه لا أستطيع السكوت، فاعذروني وتقبّلوي منّي هذا الرأي (النقد)..
الأمر يتمحور حول "إهداء" من نوعٍ خاص.. قد قرأته في بعض الكتب لبعض الكتّاب لأزمنة مختلفة حديثاً وقديماً. قد يختلف في بعض المفردات إلا أنّ المعنى هو واحد والمغزى منه هو واحدٌ أيضاً.. وهذا الإهداء على جمال كلماته وقوتها إلا أنّه يحمل في طيّاته السّم الذي من الممكن أن يقتل هذا المعنى، ويحوّل الحلم – الذي هو سبب الإهداء – إلى سراب..
الإهداء ببساطة هو: "إلى جيل آخر قادم لا محالة"..
عندما نكتب "إلى جيل آخر قادم لا محالة" هذا يعني ضمنياً أنّ ذلك الجيل الذي نطمح أن يأتي ليس من هؤلاء الأجيال التي تعيش الآن.. إنّها ترمز إلى شيء قادم مختلف عن المتواجد هنا.. إنّه "آخر".. سيكون آخر ذي مواصفات وصفات مختلفة عمّا نتحلّى بها الآن.. إنّه يعد بجيل يختلف كلياً عمّا نحن فيه.. إنّه يعلن صراحةً يأسه من إمكانية إمتلاك الأجيال التي تعيش الآن لتلك الصفات.. إنّه يعلن صراحةً يأسه الكامل من كل من يعيش معه.. يأس يشمل كل الأحياء، لدرجة يهدي عمله إلى أحياء آخرين افتراضيين.. وهذا بالضبط ما يقتل النهضة قبل ولادتها.
وإهداء أعمالنا إلى "جيل آخر قادم لا محالة" هذا يعني أيضاً أنّ القدوم غير محدّد بزمن.. ليس له إسقاط على الواقع.. وبالطبع ليس له مقياس.. إنّه إهداء عابر للأزمنة وللعصور.. يقول أنّه سيأتي لا محالة.. لكن التاريخ يقول أنّ ثمّة كتّاب للنهضة في كل زمان ومكان قد كتبوا أو قالوا مثل ذلك، كان ثمّة شيء يحسسهم بقدوم جيل آخر لا محالة.. لكن بموتهم تكسّرت الآمال وذهبت الأحلام ولم يأتي إلى الآن أيّ أحد.. لا شيء حقاً سوى السّراب..
وهذا الإهداء كان ناتج عن إقتناع تام بفكرة تراكم الجهود حتى إكتمال العمل، بغض النظر على الزمان.. أي أن نضع 20% ليأتوا من بعدنا أُناس – عن طريق المصادفة، لا دخل لنا بهم – ليضعوا 20% أخرى.. وهكذا حتى يكتمل العمل.. المشكلة أنّ الأمر هنا برمته مرهون للصدفة والمصادفة والظروف، لا شيء إطلاقاً مخطط وملموس ومحسوب..
لكن قد برهنت السنين أيضاً أنّ هذه النظرية غير مجدية وفاشلة تماماً فلم تأتي بأي جيل آخر.. فكل جيل سيملك مشاكله وعقباته الكبيرة الخاصة، التي من الممكن بسهولة أن تعيقه وتمنعه حتى لمجرد التفكير بالنهضة.. والصحيح أنّ كل جيل سيكتسب وبسهولة أيضاً ذلك اليأس الذي يدعوه بأن يفكر بجيل آخر سيكون مؤهّل أكثر لتحمّل الرسالة والمهمّة..
الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم نزل للعالمين. لكنّه لم يهتم بالعالمين لدرجة إهماله لأصحابه.. لم يفكّر بشعوب روما وفارس.. لم يفكر بجيل آخر سيأتي منهم.. بجيل سيكون متسلّح بصفات التمدّن والثقافة ومعرفة العلوم أو متسلّح بوعي أكبر ونضج أعمق وذكاء حاد.. بجيل سيملك صفات غير الصفات التي يملكها أصحابه.. بل فكّر بالضعيف والفقير والعبيد.. فكّر بالأحياء في جيله، ليأتوا هم من بعده بأحياء آخرين مماثلين لما سيكونوا عليه..
الرسول الكريم كان يملك إيمان عميق بأصحابه، وبجيله.. مهمّته كانت في صنعهم فكرياً وعملياً، مع كل فكرة يعطيهم إيّاها كان هناك عمل يترجم تلك الفكرة إلى واقع.. لم يوصهم بجيل آخر قادم لا محالة.. ولم يوصهم بأن يقوموا هم بصناعتهم.. بل كان يدعوهم دائماً بأنّكم أنتم من سيكون جيل مختلف ومتميّز لا محالة.. رغم حقيقة وبشريّة أصحابه، رغم الضعيف والفقير والعبيد.. قال ذلك.
ربما آن الأوان لنا لكي نفهم أنّ سر النهضة أن يلتقي الفكر مع العمل، أن يلتقي المفكّر مع الجيل الذي يكتب له.. أن يتحدان ليتفاعلان..
فذلك الجيل الـ"آخر" وبصراحة لن يأتي عبر تهيئته فكرياً من خلال الكتب والخطب لتولي المهمة والدفاع عنها والخوض في صناعتها ونشرها من جديد كما فعل الجيل الذي سبقه.. فندور بالتالي في حلقة مفرغة على أمل أن نتقدّم إلى الأمام..
بل بناء الجيل يعني إعداده فكرياً ويعني أيضاً صناعته بكل ما تحمل كلمة الصناعة من معنى.. عبر النزول إلى الشارع، عبر المحاولات المستمرة لتغييره، عبر الكدح والتعب والعرق، عبر المحاولة الفاشلة تلو المحاولة الفاشلة، عبر عدم اليأس.. عبر الإيمان أن ما نقوله ونكتبه وما نفعله هو لجيلنا نحن.. ومن أجله هو فقط.. لأن الجيل الذي سيأتي لاحقاً سيملك من يكتب عنه، ويعمل عنه..
أن نحاول على الأقل أن نضع الدعائم لذلك الجيل في جيلنا بشكل حقيقي وملموس.. أن لا نستسلم وأن لا نيأس.. لأنّ كل شيء من دونهما سيكون ممكن وجائز..
ربما نستطيع أن نضيف هدفاً إلى الأهداف من كون الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أمّياً: في أنّه لا يجب أن يعرف الكتابة.. في أنّه لا يملك خيار لإيصال رسالته سوى التفاعل المباشر مع جيله.. فقد يمر بلحظات يأس (وهو بالفعل مرّ بها) وهذا ما سيولد في ذهنه مباشرة فكرة أن يكتب لجيل آخر.. أن يكتب نظرياته وأفكاره لجيل آخر غير جيله، غير جيل الصحابة!.. ربما من أجل هذا الاحتمال الضعيف كان أمّياً..
الذي نفعله نحن الآن نعتقد أنّه كل ما نستطيع فعله.. لكن بالحقيقة ما نفعله نحن الآن هو أقل ما يمكن فعله..
الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قام بصناعة أصحابه ولم ينتظر.. رغم كل الظروف التي مرّ بها.. وعلى الأقل استطاع أن يموت وهو مؤمن بقدرة أصحابه في إمكانية تحقيق ذلك الحلم.. فهل سنملك نحن عند مشارف موتنا الإيمان بأصحابنا وبجيلنا في إمكانيتهم لتحقيق الحلم من بعدنا؟
من أجل كل ذلك سأهدي مقالتي هذه: إلى الجيل الذي أعيش فيه والذي يجب أن يتغيّر لا محالة.. لكي لا يتحوّل الحلم إلى سراب..
براء أصفري
19-6-2010

إضافة تعليق