كيف تخلق توتراً بلغة المسرح عبر الصراع والحركة؟!

إذا كان لابد من أن تقرأ مسودتك على أحد، فاقتصر على أن تسأل هذا الشخص عن تلك اللحظة التي يبدأ فيها الإحساس بالتعب أو الملل.

 

. فهذه اللحظة دليل على افتقار روايتك إلى الصراع، والافتقار إلى الصراع دليل جيد على وجود سوء في تناسق شخصياتك، وأنها ليست شخصيات محاربة أو مكافحة أو أن وحدة الأضداد معدومة بينها أو أن روايتك ليس فيها تلك الشخصية المحورية التي لا تعرف المساومة أو المصالحة أو أنصاف الحلول. فإذا كان هذا كله غير متوافر في روايتك فأعلم إذن أنك قد كتبت رواية معدومة الوحدة- وأنك لم تزد على أن رصصت كلاماً بعضه فوق بعض.

وقد تعتذر فتقول: إن الذي كان يستمع إليك ليس على هذا المستوى الفكري الرفيع الذي لا غنى عنه لتقدير ما في روايتك من فكر إلا أن الحقيقة أن صديقك الذي استمع إليك شخص ذكي وعلى درجة رفيعة من الذكاء والألمعية. لأن الشخص كلما ازداد ذكاؤه وحسن فهمه سارع إليه الملل، وجرى إلى نفسه الضيق إذا هو لم يستشعر منذ أول الرواية أن ثمة صراعاً موشكاً أن ينشب إذ أن الصراع هو علامة الحياة في كل عمل أدبي.. إنه نبض القلب في روايتك ولا يمكن أن يحتوي عمل أدبي على صراع إلا ويشعرك هذا الصراع بوجوده في هذا العمل. إن الصراع هو ذلك النشاط الذري الجبار الذي يمكن بوساطته أن يخلق التفجير الواحد سلسلة من التفجيرات بعد ذلك.

إنه لم يكن هناك ليل قط إلا ويسبقه غسق «أول الظلمة» ولا كان صبح قط إلا ويسبقه فجر، ولا شتاء إلا ويسبقه خريف، ولا صيف إلا يأتي بعد ربيع. إن هذه جميعاً تشعرنا بأشياء تأتي بعدها.. والأشياء التي تشعرنا بما بعدها ليست هي ما بعدها بالضرورة.. والإرهاص بالوحي ليس هو الوحي نفسه، بل ليس ثمة ربيعان متشابهان، ولا غسقان متشابهان. والرواية التي لا صراع فيها تخلق جواً من الوحشة والكآبة وشعوراً بالفتور والانحلال. ولولا الصراع لما أمكن قيام حياة على الأرض.. بل على أي كوكب آخر من كواكب الكون. وليس حسن السبك والصياغة والكتابة إلا صورة طبق الأصل من قانون الكون الذي يتحكم في الذرة الصغيرة كما يتحكم في برج من النجوم من فوقنا.

ويمكنك أن تصنع شخصين متعصبين أو مجموعتين من الخصوم كلاً منهما في وجه الآخر لتستشف وقوع صراع عنيف يبهر الأنفاس.

والقصة السينمائية «ثلاثون ثانية فوق طوكيو» تصوّر ما نقوله أكمل تصوير. فالثلثان الأولان من الفيلم خاليان من كل ألوان الصراع أياً كان، ومع هذا فالناس يجلسون في أثنائه مسحورين وكأنهم في حالة من التنويم المغناطيسي.. فلماذا؟ وماذا حدث؟ وأي سحر نثر المؤلف رقيته فوق الجمهوري ليلقي به السكينة على قلوبهم فلا تمل ولا تقلق ولا يتملكها الضجر؟ الجواب عن هذا بسيط جداً.. إن الناس وإن لم يروا صراعاً في هذين الثلثين من القصة فإن فيهما ما يجعلهم يستشفون هذا الصراع ويتوقعونه.

يقول أحد الضباط للطيارين المجتمعين: «أيها الشباب: إنكم جميعاً متطوعون أخذتم على عاتقكم إنجاز رسالة بالغة الخطورة. إنها من الخطورة الشديدة بحيث يكون من الخير لسلامتكم جميعاً ألا تسألوا عن الجهة التي سوف تذهبون إليها. حتى فيما بينكم«.

فهذا التحذير هو بمثابة لوحة الغطس إلى أعماق القصة. إن الضباط شخصيات القصة لا يكادون يسمعونه حتى يشرعوا من فورهم في تداريب طويلة شاقة استعداداً لتلك الرحلة الخطيرة التي تنتظرهم.

فالترقب حالة مرجوة ومأمولة في الواقع، وهي في هذه القصة أقرب شيء إلى الصراع. وإذا كان الانتظار الذي طال أمده في تلك القصة الخاصة له ما يبرّره أو لم يكن، فهذا أمر لا دخل له في موضوعنا. والمهم الذي يجب علينا تذكره هو أن جمهور المتفرجين كانوا يجلسون صامتين متشوقين طوال ساعتين كاملتين انتظاراً لهذه الثواني الثلاثين فوق طوكيو.

 

الصراع المرتقب وطرق الترقب

حينما يتقابل متلاكمان أو متصارعان حسنا التدريب وجهاً لوجه في الحلبة الرياضية ترتفع حرارة الترقب في نفوس المتفرجين إلى درجات عالية.. وينطبق هذا على المسرح تمام الانطباق ولكن كيف يمكنك أن ترسم شخصيات قوية لا ينثني عودها ولا تعرف المساومة أو التراخي فوق المنصة.. شخصيات تشعر المتفرجين بالصراع المرتقب منذ الخطوات الأولى في المسرحية أو في القصة ؟

إننا نحسب أن هذا أيسر عمل على الكاتب أن يوجهه. وأمامنا هالمر في مسرحية «بيت دمية» مثلاً، فموقفه الذي لا ينثني ولا يلين تجاه أبسط الأخطاء يشف عما يخامر نفس هالمر من ضيق وحرج، فما باله إذا اكتشف أن زوجته نورا قد ارتكبت جريمة تزوير من أجله وفي سبيله؟ فهل يتغاضى ويصفح؟ لسنا ندري. أما الذي لا شك فيه فهو أن ثورة سوف تنشب.. وهذا هو ما تستطيع أن تحدثه في نفوسنا من ترقب أية شخصية صلبة العود لا تعرف اللين أو المساومة.

والجنود الستة الميتون في رواية: «ادفنوا الموتى» يحتجون على الظلم واحتجاجهم هذا نفسه يشف عن الصراع «إنهم لا يعرفون المساومة ولا أنصاف الحلول ولا التراضي».

والصراع المرتقب هو في الواقع «التوتر» في لغة المسرح. والجمهور يسمى علم النفس عادة «الذوق العام المشترك» أو «الحس المشترك الشائع بين الناس»، وأي مؤلف يفهم هذا «الحس المشترك» الشائع بين جمهوره لابد أن يصحو على شيء لا يسره.

وبالتالي فإن الشخص الذي لم يسمع من قبل عن فرويد سيحكم على روايتك وهو جالس إلى جانب ناقد خبير له سابقة معروفة في النقد المسرحي. فإذا كانت روايتك تفتقر إلى الصراع، فلن ينخذع هذا المتفرّج الذي حكم على روايتك، والذي لا يعرف شيئاً عن فرويد، بأية حيلة من حيلك المسرحية التي قد تكون لجأت إليها، أو بأي برقشة كلامية أو أسلوب من أساليب البيان تكون قد استعملته. إنه يدرك أن روايتك رواية رديئة.. ولكن كيف؟. ذلك لأنه سئم وأسرع إلى نفسه الملال منها. إن ذوقه العام أو حسه المشترك، وغريزته الفطرية التي يفرق بها بين الغث والثمين، إن هذا كله دله على ذلك. لقد تثاءب ثم نام. أليس كذلك؟. فهذه أقوى دلالة على أن روايتك رواية رديئة بقدر ما يستطيع هو أن يحكم. أما هذا الأثر الذي تركته روايتك في هذا المتفرّج.. وبالأحرى رد فعلها فيه فهو دليلنا على أنها كان ينقصها الصراع، أو على الأقل ترقب الصراع في نفوس المتفرجين ولأن الناس لا يولون الأغراب ثقتهم وبوصفك غريباً على جمهور المتفرجين حتى تعرفهم بنفسك لا تستطيع أن تقوم بهذا إلا عن طريق الصراع الذي تبديه في روايتك. الصراع الذي تنجلي فيه ذاتك على حقيقتها. وكل إنسان سواء كان في الحياة الواقعية، أو فوق خشبة المسرح، هو رجل غريب ما لم يبدأ قبل كل شيء بتعريف الناس بنفسه. والشخص الذي يؤيد وجهة نظرك فيمواقف الخصومة هو شخص مقتنع بوجهة نظرك، مؤمن ببراهينك. فإذا كانت براهينك زائفة فثق أنك لن تستطيع أن تتغفل الجمهور. وحتى الشخص الأمي نفسه يدرك أن التأدب والحديث الأنيق المهذب ليسا دليلاً على اخلاص صاحبهما أو صداقته، ولكنه إذا شهد من هذا المتكلم فداء أو تضحية كان هذا دليلاً على إخلاصه وحسن وفائه.. نعود فنقول إن الإشارة ابتداء إلى أي سجية من سجايا الشخصية المسرحية أمر ضروري ولازم للتعريف بهذه الشخصية لزوم التنفس لأي كائن حي.

وأنت إذا كشفت من طرف خفي عن الصراع في مسرحيتك لطمأنت الجمهور، وجعلته يرجو منك أنك ستقدم له شيئاً حياً نابضاً.. بل شيئاً هو الحياة نفسها. ولما كنا جميعاً نحاول التستر، واخفاء أنفسنا عن العالم، كان مما يلذ لنا ويهمنا أن نشاهد هذه الأشياء التي تحدث لأولئك الذين يضطرون إلى الكشف عن شخصياتهم الحقيقية تحت ضغط ما يعانونه من صراع. ومع هذا فالكشف عن الصراع أو الإشارة إليه من طرف خفي ليس هو الصراع نفسه، إلا أننا مع هذا يحدونا الترقب وينزع بنا التشوف إلى تحقيق هذا الصراع الموعود. ونحن حينما نكون في حالة هذا الصراع نضطر اضطراراً إلى الكشف عن ذواتنا. والظاهر أن كشف الآخرين عن ذواتنا بل كشفنا نحن عن حقيقة أنفسنا مما يروق كل إنسان في الوجود ويشوقه ويجذبه جذباً شديداً.

 

الخصوم هم أجنحة الصراع

لا نحسب أنفسنا نزف إلى الكتاب فكرة لم يكونوا فيعرفونها حينما نقول لهم إن من أوجب الواجبات أن يشيروا من أول الأمر إلى عنصر الصراع في رواياتهم- كلا.. إن هذا ليس هو المهم.. إنما المهم، بل أشد الأمور صعوبة هو معرفة الطريق التي يمكنهم أن يفعلوا بها ذلك. ففي رواية Waiting for Lefty لمؤلفها Clifford Odets نلاحظ أن الكاتب تعمد أن يجعلنا أمل توتراً شديداً معقداً، وذلك منذ السطر الأول في روايته.. حينما يقول فات:

فات: إنك جد مخطئ.. وأنا لا أهزل.

وللإيضاح نقول: إن «فات» هذا، هو وقطاع الطرق الواقفون على الرصيف يعارضون الإضراب، بينما الجمهور من سائر الأعضاء الآخرين- وهم من شخصيات الرواية- يؤيدون حركة الاضراب.

والذي يضطر أولئك الذين يزمعون الإضراب هو ما هم فيه من فقر ومتربة، وذلك ليروا لأنفسهم مخرجاً مما يعانونه من ضيق. وهم من أجل هذا مصممون. وتزيدهم مرارة الفقر عزماً وتثبيتاً.. وكيف لا وهم يكادون يموتون جوعاً، ثم هم لا يخشون على شيء يضيع من أيديهم لأن أيديهم صفر وليس فيها شيء على الإطلاق. إذن فلابد لهم من الاضراب إن كان لابد لهم من أن يعيشوا.

ومن جهة أخرى. هناك "فات" وزملاءه قطاع الطرق. إن الاتحاد إذا استمر في اضرابه أصبح اللصوص المسلحون بلا فائدة. وهكذا تلاحظ أن هؤلاء ليسوا من الصوص وقطاع الطرق العاديين. إنهم أبشع من هذا وأفتك.. إنهم يمثلون زعامة الاتحاد الذي تنكب طريق الاستقامة وانشق على النظام العام. إنهم سوف يفقدون ما فرضوه على الاتحاد من ضرائب فادحة إذا تم أي إضراب. وهذا الإضراب المزمع ليس إضراباً عادياً مما يحدث كل يوم.. إنه ثورة.

وعلى هذا الوضع يكون الطرفان على حافة الهاوية.. فإما كسب كل منهما كل شيء، وإما ضاع منه كل شيء. إن النزاع نفسه القائم بين هذين الطرفين ضمين بأن يخلق التوتر الدال سلفاً- بلغة المسرح- على الصراع المرتقب وبالتالي فإن فريقين لا ينثني لهما عود، يواجه كل منهما الآخر في مباراة نهائية يشعروننا من أول أمرهم بقيام صراع لا هوادة فيه إلى غايته المحتومة. والخصوم الذين تأججت الخصومة ملء جوانحهم وصمموا على أن يبطش بعضهم ببعض لا يمكن بحال من الأحوال أن تلين لهم قناة ولن يهادن بعضهم بعضاً.. بل لابد أن يسحق طرف منهم الطرف الآخر لكي يعيش.

وننتهي من هذه الأمثلة كلها إلى أنها بلا أدنى شك تشعرنا بالصراع المرتقب الذي يدل على وشك نشوبه.

 

 عن: الراية القطرية - أعدها للنشر:أكرم الكراد

 

إضافة تعليق

8 + 12 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.