التسول والخبز المر...أين هي أعين الشعراء من مآسي الطفولة؟!

الفقر هو غول اللإنسانية الذي يهتك الأمان ويسفح الكرامة ويطرح الإنسان على حجارة الرصيف القحطاء وقد جعل له السماء غطاء والذل فراشا ونظرات المارة تبعث في أوصاله قشعريرة الإهانة والمرارة وتملأ يده المتسخة الممدودة كالمأساة الشنيعة بدراهم ثقيلة تنطق بالشقاء وباجتياحات الباطل النكراء التي يفرضها جزء من المجتمع على شريحة معينة منه حين يقتصها غدراً واستخفافاً من نعمة الأمان ويفرض عليها حرب الحرمان ويرسلها إلى غد حالك بلا لقمة طيبة مشبعة ولا هيئة جميلة مقنعة ولا غرفة نوم نظيفة ولا معيشة سوية وهنيئة وكأن ذلك المتسول حكم عليه مسبقاً بأن يعيش الفاقة الذليلة ويطوي أمعاءه على فتاتات طعام قذرة وهزيلة وهو يحلم بقروش قليلة مغمسة بوجع الحكاية المشينة والناس حوله يمرون عابرين على ألامه غير عابئين بكرامته الشاحبة ولا بجوعه الأعمى ولا باختراق لسعات البرد لأوصاله المتثلجة وروحه المتشنجة وهي تبحث عن منقذ ولا منقذ لهوف عطوف في قلبه يسكن وطناً من الرحمانية وترفرف على أهداب وجدانه حمائم الرحمانية..

من المسؤول عن المتسولين

حقيقة التسول تفجع الأكباد والوصول إلى أسبابها تسير بك فوراً إلى التباين الاجتماعي بين العباد وعدم التعلم والفروقات الاقتصادية ومدى قدرة المجتمع على امتصاص تلك الظاهرة البائسة التي تعكس ملامح المجتمع الذي يحتضن المتسولين ظاهريا وينساهم فعليا كما يظهر مدى سلامة وشمولية حاضنته القانونية واعتدال موازينه العملية...

ليبقى الكلام الفصل أن التسول بحد ذاته مرفوض وغير محبب ومشكلته لا يمكن تطويقها بسهولة لأن قسما كبيراً من المتسولين ربما ينتمون قسرياً إلى رابطة المستغلين لجوعهم والمستهترين بحالهم وغير المهتمين بالفقر الذي يزلزل كيانهم ولطالما كنا نرى متسولاً صغيراً يراقبه من بعيد تاجر تسول بغيض وخطير ليسرق منه ما جمعه ذالك المتسول على حساب أساسيات هي حق له وليست تكسباً ملوثا بمهانة السؤال.. لا.. وليست تكرماً نبيلاً عليه من المستغل الضال الذي يسعى فقط في متاهات التسول السوداء ليحقق أهدافه الربحية متجنيا على قسم كبير من المتسولين ومعظمهم من الأطفال.

 

الشعر والفقر

لو عدنا قليلاً إلى الوراء عندما كان الشعراء يفرشون قضاياهم المجتمعية على متن القصيدة الرائجة ويؤرخون من خلال قصائدهم أحداثاً خطيرة سائدة تروح بالقارئ إلى تفهم مواضيع كثيرة مثل: أشعار نزار قباني التي جعلت دمشق قلب العروبة الحي وشعلة العشق الوطني إلى أن وصلت تلك الأشعار إلى مرحلة أضحت مرجعاً تاريخياً عريقاً للزمن الذي شهد ولادة أمير الشعر الحديث نزار قباني وأضحى هو بصفته وشخصه وبوعيه وإدراكه وفهمه لبواطن الأمور وظواهرها، أضحى محللاً سياسياً كبيراً لأسباب التدهور العربي الشنيع ومتنبئاً خطيراً لما ستشهده الساحات العربية اليوم من اقتتال وشقاق ومن مداهنة وتطويق للوجود العربي وما يتبعه من مخططات ورياء ونفاق من الأشقاء للأشقاء.

أجل.. وعلى المنوال نفسه جدل أبو العتاهية قصيدته الشهيرة في الأيام الخوالي التي تحدث فيها عن الغلاء وارتفاع الأسعار وعدم قدرة الناس على الشراء فقال: إني أرى الأسعار أسعار الرعية غالية.. وأرى المكاسب ندرة وأرى الضرورة فاشية... وأرى المراضع فيه عن أولادها متجافية.. وأرى اليتامى والأرامل في البيوت الخالية.

والأمثلة كثيراً ربما راحت إلى وصف البؤساء كما فعل أحد شعراء الاغتراب حين قال يصف ساعي البريد قائلاً:

أبعد بذلك فينا ما بذلت نرى / عينيك في مأتم والناس في عيد..

في حين رأى الشاعر سليمان العيسى أن تعليم الصغار حب العمل هو محاولة إخراجهم من الفقر والبطالة فكانت قصيدته المشهورة: عمي منصور النجار /يضحك في يده المنشار.. الخ

بمثل ذاك الإحساس المرهف استطاع الشاعر العربي قديما وحديثا أن ينقل صورة حقيقية عن حالة الشعب البائسة وضرورات تحدي الفقر اللعين.

من هنا يستطيع واحدنا أن يتفهم أن الغنى لم يكن متلازماً مع كل إنسان وان الفقر كان يعيث في أنحاء البلاد والفقر له تداعيات ونتائج وخيمة تجعل الجهل مقيماً قصوره الشنعاء على حساب العلم والعلماء ليستجر معه لعنة عدم معرفة قيمة العمل ليصبح الحصول على المال مسرحا لكل أنواع الفشل والخزيان وهنا قد تكبر ظاهرة الجريمة وترتفع نسبة التسول ويفقد المجتمع شريحة من أبنائه وقد ضلوا سواء السبيل ويتصدع بنيان الانتهاض وتتعاكس مسيرة التقدم المنشود مع منهجيات المتسولين الأكثر سلبية وتهشيما للمجتمعات.

 

الأزمة السورية وظاهرة التسول

ما يفجع القلب مؤخراً أن تسير في الشارع فترى العديد من الأيادي المتسخة تمتد إليك عند كل زاوية وعلى كل نافذة سيارة أو عند أي إشارة مرور.. تلك الحالة المزرية كنا قبيل الأزمة نمقتها ونتعاطف معها.. كنا نشجبها ونحسن إليها.. كنا نبحث في عقولنا عن جهة تتكفل بهم وتمد يدها إلى الصغار فيهم ممن سرقت منهم مدفأة في عز البرد وخطفت من أفواههم لقمة تسعد القلب ونزعت عن أجسادهم ثيابا نظيفة في حين طفولتهم البريئة لا تفهم لمَ هم هكذا دون غيرهم من العباد ولما قدرهم الجوع والتسول والامتهان.

اليوم وبكل أسف أقول: إن الحالة اختلفت كثيراً فمن كان عزيزاً في داره وبين أهله وأولاده أصبح مشرداً لاجئاً بائساً مغتصباً في أمانه وقوته وأحلامه وربما لم يجد خيمة تضمه ولا مركز إيواء يحضنه فجعل الحدائق سريره والأرصفة منزله والتسول ضمانة حياته المريرة، ومن هنا لابد من التمييز بين تسول ما قبل الأزمة وما بعدها من حيث أعداد المتسولين وأسباب تسولهم ومدى تعاطف الناس مع الصنفين وكلاهما (أمران أحلاهما مر) وربما تدانت الأسباب كثيراً وتباعدت قليلاً ففي تسول الحاجة هناك تجار التسول أما في حالة الأزمة فإن التسول كان نتاج اقتتال ودمار وظهور أثرياء حرب من تجار أسقطوا ضمائرهم لتعمر جيوبهم.. أفقروا مواطننا السوري ليعيشوا الرخاء والرفاهية وكل مفردات النعماء.

ليبقى القول: إن التسول وما يتبعه من شقاء وحرمان من أمان الإنسانية وعزة الكرامة المتينة هو أكبر وباء يهلك الإنسان وان ارتفاع عدد المحتاجين يستوجب رفع مستوى الجهود لتكون تحدياتنا كبيرة ولتكون قلوبنا مترعة بالحب وثرية بالوجدان حيال هؤلاء الفقراء التعساء فبعد أن كانوا يتسولون نتاج فقر وانسلاخات أسرية أصبح المتسولون اليوم في ازدياد مستمر والحرب المقيتة التي تحاصرنا من كل حدب وصوب تأكل هاماتنا التي لا تعرف الذل ولا المهانة لكنها تزيد افتراش الفقراء لأراضي الحدائق في الصيف والشتاء وفي الحر والبرد جراء اختلاط المعايير بين كبير مهيمن ومستعمر قذر لم يشبع تهويشاً لنار الحرب وتفخيخاً لمساحات السلام والأمان في حياة الإنسان إلى ادعاءات واهية لا تدفع خوفا ولا جوعا ولا بردا ومرورا بأشخاص كفروا بالقيم وتجاهلوا كل معاني الحياة الكريمة وما أوصت به الشرائع والأديان

إضافة تعليق

16 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.