أزمة المثقف العربي

أمل كبير يبنيه الشارع العربي على مثقفيه ولكن هل سيكون المثقفون العرب أهلا للمسؤوليات الملقاة على عاتقهم وأهلا لما يعلقه الشعب عليهم من آمال؟

 

في الحوارية الصادرة عن دار الفكر" جذور أزمة المثقف في الوطن العربي"، للمفكرين د.احمد الموصللي ود. لؤي صافي؛ يرى الدكتور أحمد الموصللي أن الاستبداد السياسي، والذي تمظهر أحيانا في استبداد فكري وتقليد أعمى، منع التطور العلمي الحقيقي وممارسة الاجتهاد بمعنى عام واجتماعي إيجابي، وبالتالي طمس قدرات المجتهدين والعلماء على تطوير الفكر الإنساني. كل هذا أدى إلى فشل المسلمين في تطوير نظام علمي ومعرفي متقدم، يعمل على تراكم التطورات الجديدة في العلوم الأساسية والعلمية والتطبيقية، فتحولت المراكز الثقافية والعلمية إلى مؤسسات تقف على هامش التراث. كما أن الغزو الثقافي والسياسي الغربي شل الإمكانات الداخلية الذاتية، فتحولت المؤسسات الثقافية والعلمية التي تعنى بالدراسات الإسلامية، على سبيل المثال لا الحصر، إلى مراكز تحاول إرجاع المسلمين إلى ثقافتهم الأصلية - ولاحقا التأصيلية - والمدافعة عن الحضارة الإسلامية في مواجهة الغزوة الثقافية الغربية التي أنتجت إما انفلاتا من الإسلام والهروب إلى الثقافة الغربية، أو تقوقعا في الفكر الإسلامي التقليدي ، والهروب إلى ثقافة التراث. هذا الهروب إلى الغرب وإلى تراث المسلمين حال دون العمل على إيجاد صيغة واقعية، علمية وسياسية وثقافية، تعمل على الارتقاء بوعي المجتمع إلى استقلال حقيقي، علمي وتكنولوجي وسياسي وأوجه الحياة الأخرى. بل على العكس من ذلك، أفضت كل هذه الأمور إلى إلحاق المجتمع بالدولة ، وإلحاق الدولة بالمراكز العالمية المتقدمة تكنولوجيا وصناعيا وعسكريا .


ويرى الدكتور أحمد الموصللي أن عدم قدرة التيار النهضوي الإسلامي على التحول إلى تيار شعبي سياسي واجتماعي، هو الذي حال دون قدرة الإسلام على النهضة وقدرة العروبة على التصدي للتحدي الغربي، وإذا كانت قراءة عصر النهضة للتراث هي دعوة إلى التكيف مع العصر الحديث، وتوظيفه في مسيرة نهوض، فهي أيضا اعتراف بسمو الفكر الغربي الحديث، ومركزيته في قراءة التراث الإسلامي .


أما  الدكتور لؤي صافي المدير في المعهد العالمي للفكر الإسلامي بأمريكا يرد أسباب الأزمة التي يعيشها المثقف العربي إلى أنه أسير ثقافة أنتجها المثقف الغربي ، وهو لهذا يعيش خارج الزمن الثقافي العربي . فتارة تراه ينافح عن الرؤية الحداثية ، ويتبنى أطروحاتها ورؤيتها وحلولها ، وتارة أخرى يدعو إلى ثورة ماركسية تطيح بالطبقة الرأسمالية وتستبدلها بطبقة الكادحين ، وتراه ، حين تتعرض الرؤيتان لنقد حاد من المثقف بعد الحداثي الغربي ، يتبنى الطرح الجديد ، ويدعو إلى تبني نتائجه الفكرية والاجتماعية غير آبه بالتباين البيّن بين التجربتين العربية والغربية ، واختلاف الزمن الثقافي العربي والغربي.


من هنا يخلص الدكتور "صافي" إلى أن الأزمة التي يعانيها المثقف العربي ترتبط مباشرة بغياب الرؤية الأصيلة التي تدفع صاحبها للنظر إلى الأشياء من موقعه الزماني والمكاني . ويعزو "صافي" عجز المثقف عن التأثير في محيطه ، وتطوير ثقافة مجتمعه ، إلى طبيعة الحلول التي يقدمها والتي لا تتوافق مع طبيعة المشكلات التي تمر بها الشعوب العربية ، فلا تجديد حقيقي دون أصالة تربط الحاضر بالماضي ، وتبني المستقبل على إنجازات السلف .


ومع أن الخلاف في وجهات النظر يجب ألا يحمل على الهجوم العنيف والاستهانة بقدرات الآخرين ورؤاهم إلا أن الدكتور "أحمد الموصللي" أستاذ العلوم السياسية والدراسات الإسلامية بالجامعة الأمريكية ببيروت ، يشن هجوما لا هوادة فيه على الدكتور "صافي" متهما إياه بعدم ضبط مفاهيمه التجديدية أو التأصيلية ، كما أن "صافي" يغفل أن التجربة العربية ، السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، وكذلك العلمية والتقنية والتنظيمية ، هي أصلا صور مشوهة لنماذج منقولة عن الغرب ، كما أن الزمن الثقافي الذي يريد الرجوع إليه للتمايز عن الزمن الغربي هو مؤسس على الفصل ما بين العالم إلى أزمنة ؛ ويتساءل "الموصللي" في أي زمن أو سياق تاريخي سيضع "صافي" الثقافة الإسلامية؟ هل هو زمن انهزام الفكر والدولة الواقعي والحقيقي؟ أم زمن صعودهما المفترض والوهمي؟ وتظهر حدة الهجوم من قبل "الموصللي" على "صافي" عندما يصف منهجية بحثه بأنها مضطربة ، ولا تتأسس على أي منهجية كاملة أو متكاملة مع منهجيات أخرى . فليس في بحثه منهجية تاريخية أو فلسفية أو لغوية أو حتى مناهج نابعة من العلوم الإسلامية التقليدية ، سواء في الفروع أو الأصول ؛ كما أنه يخلو من العمق التاريخي والفلسفي بكل أشكاله ، إذ إنه ينبع من مقولات إسلامية المعرفة وأسلمتها وعلى رفض المشاركة في تطوير ثقافة عالمية فعلية . فأسلمة المعرفة هي عملية إيديولوجية تلفيقية خالية من الإبداع .


في رده على وجهة النظر التي يتبناها "الموصللي" يرى "صافي" أن الحوار والتبادل والتوفيق عمليات أساسية في سيرورة النمو الفكري والثقافي والحضاري للإنسان . فكل الحضارات الإنسانية المعروفة اعتمدت على عملية التوفيق من خلال عملية تركيب نقدي لإسهامات ثقافية وحضارية إنسانية. والتركيب النقدي مقاربة علمية نظرية تهدف إلى استيعاب الأبعاد الكلية الإنسانية في النتاج الفكري والثقافي للمنظومات الفكرية الحضارية المختلفة والتركيب بدعوى رفض التلفيق . أمل كبير يبنيه الشارع العربي على مثقفيه ولكن هل سيكون المثقفون العرب أهلا للمسؤوليات الملقاة على عاتقهم وأهلا لما يعلقه الشعب عليهم من آمال؟





عن: الثورة

 

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.