الفضاء الإلكتروني.. ساحة للابتزاز والفضائح

في السنوات الأخيرة، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي عبر الفضاء الإلكتروني المفتوح، إلى ساحات لعمليات النصب والابتزاز المادي التي تُحاك بطرق شتى، أبرزها الفضائح الجنسية التي قد لا يكون ضحيتها متورطاً بها بأي شكل من الأشكال، لكن المؤكد أن العصابات التي تمتهن مثل هذه العمليات، باتت محترفة إلى حد بعيد، وهي تلجأ إلى استخدام مختلف الوسائل المتاحة لديها للإيقاع بضحيتها، وتحقيق مكاسب مادية بأي طريقة كانت.
أخيراً كثر الحديث عن جرائم الابتزاز المالي عبر المواقع الإلكترونية، والتي ربما يقع ضحيتها أناس عاديون أو مشاهير، وفيما يبادر بعض الضحايا بالإبلاغ، يفضل البعض الآخر الرضوخ لرغبة تلك العصابات تستراً من الفضيحة.
من بين البلاغات المسجلة حديثاً: مدير عربي في إحدى المؤسسات، كان يستخدم برنامج «سكايب» للمحادثات الفورية، وأثناء وجوده على الموقع وجد طلب إضافة باسم فتاة، وبدأ في التعرف إليها، وتكررت المحادثات، وتطور الأمر إلى ممارسات أخرى غير أخلاقية، دون أن يدري هذا المدير أن الطرف الآخر خلف الشاشة يسجل له، ليكتشف لاحقاً أن شريك الفضاء ليست فتاة، إنما رجل تنكر خلف صور ومقاطع مغرية، ثم سرعان ما بدأ يهدد ضحيته بتلك المقاطع المسجلة، إن لم يحول مبالغ مالية إلى حساب بنكي حدده له، فاضطر الضحية إلى الاستجابة له خوفاً من الفضيحة، إلا أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ واصل ذلك الشخص في طلب مبالغ مالية كنوع من الابتزاز، وفي كل مرة يهدده بالفضيحة أمام قائمة الأهل والأصدقاء الذين يضمهم حسابه الإلكتروني، وفي النهاية لم يجد هذا المدير طريقاً سوى التوجه لتسجيل بلاغ لدى إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية بالإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية في دبي.
حسابات وهمية
الحقيقة المؤكدة أن المواقع الإلكترونية هي مساحة خصبة لانتشار الكثير من الحسابات الوهمية، التي سرعان ما يتبين منها ما يثير الشبهات، وعلى الأغلب تكون من خارج الدولة، حيث يدار القسم الأكبر منها بواسطة عصابات «عصريّة» تسعى إلى الإيقاع بضحيتها بطرق غير تقليدية من أجل الحصول على الأموال، عبر عالم افتراضي مفتوح.
في هذا الصدد أوضح اللواء خبير خليل إبراهيم المنصوري مساعد القائد العام لشؤون البحث الجنائي في شرطة دبي، أن قضايا الابتزاز المالي عبر المواقع الرقمية، أصبحت تشكل ظاهرة دولية ولا يقتصر وجودها على مستوى دولة الإمارات فحسب، وبشكل عام فإن الجرائم الإلكترونية تستغل مزايا ثورة الاتصالات الحديثة لتنفيذ هجمات تخترق حدود الزمان والمكان، ما يعني أنها تستدعي تعاوناً واسعاً بين الدول لمكافحتها.
اعتداء على الخصوصية
وأضاف: إن حوادث الابتزاز عبر الإنترنت، تأتي عن طريق استخدام أشخاص لبرامج التواصل الاجتماعي والمحادثات الفورية، وتتمثل في الاعتداء على الخصوصية، وانتهاكها والتقاط الصور، وتسجيل مشاهد ونسخها وإجراء التعديلات عليها باستخدام إحدى وسائل تقنية المعلومات بقصد التشهير أو الإساءة، ثم مطالبتهم بتحويل مبالغ مالية لهم مقابل عدم التشهير ونشر المواد المرئية التي تم تسجيلها للضحايا، حيث يبدأون بتهديدهم ببثها عبر الإنترنت، أو إرسالها إلى أصدقائهم إن لم يستجيبوا بدفع المبالغ المالية.
اللواء خليل المنصوري: لدينا أساليب ذكية لتخليص الضحية من الابتزاز بأسرع وقت
وأفاد اللواء المنصوري أن الأسلوب الإجرامي المتبع في قضايا الابتزاز المالي عبر الانترنت، يتمثل في إرسال طلبات إضافة من أشخاص من جهات خارجية، يتم قبولهم من طرف الضحية بهدف التعارف، وقد يتم إرسال روابط إلكترونية يؤدي فتحها إلى اختراق الكمبيوتر مباشرة ونسخ الصور والبيانات الموجودة فيه، وتصوير مستخدم الجهاز حال كان موصولاً بالكاميرا الخاصة بالكمبيوتر، ثم استخدام نظام معلومات إلكتروني أو إحدى وسائل تقنية المعلومات في معالجة الصور الإلكترونية والبيانات المسروقة، بصورة مخلة بالآداب العامة واستغلالها في تهديد الضحية وابتزازها مالياً مقابل عدم التشهير والنشر في المواقع الإلكترونية المختلفة.
كما قد يقع الضحايا من أصحاب النفوس الضعيفة، في شباك المحتالين الذين يستدرجونهم في الحديث، ثم يوقعونهم في بعض المشاهد من خلال تصويرهم، ثم ابتزازهم بتلك المقاطع مادياً.
وحذر اللواء المنصوري من استغلال البعض لمواقع التواصل الاجتماعي وبرامج محادثات الفيديو مثل «سكايب» على شبكة الإنترنت، للقيام بعمليات ابتزاز لضحاياهم، مؤكداً أن هناك عصابات تقيم في دول أخرى يبادرون بادعاءات مختلفة لجذب مستخدمي تلك البرامج والإيقاع بهم.
74 بلاغ ابتزاز
وأشار اللواء المنصوري إلى أن شرطة دبي تعاملت مع 74 بلاغاً عن استدراج وابتزاز عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وبلاغين عن تطبيقات وهمية لاستهداف عملاء البنوك المحليين، و240 بلاغاً عن انتحال شخصيات الغير، و84 من بلاغات الاحتيال، واتخذت الإجراءات المناسبة وفق الضوابط والأصول في البلاغات المذكورة.
ولفت إلى أن الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية، تقوم بدورها في تعقب الحساب المبلغ ضده، إذ تبين أن غالبية تلك الحسابات تأتي من دول خارجية محددة، وغالبية المتصلين من جنسيات عربية يعيشون في تلك الدول، ويشكلون شبكات ابتزاز للآخرين، مؤكداً أن الإدارة تمتلك طرقاً وأساليب ذكية لحجب الروابط المحتوية على مقاطع الفيديو المسيئة للضحية أو إلغائها بشكل كامل خلال مدة بين ساعة وحتى 48 ساعة، كما أن بعض مواقع التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» لديها خاصية لإلغاء مقاطع الفيديو أو الصور المسيئة.
وأكد أيضاً أن الإدارة تتبع المتورطين وتصل إليهم بطرق سرية، مشيراً إلى أن مثل هذه القضايا ينخدع فيها الجنسان معاً وبدون أعمار محددة.
طرق محبوكة
وقال: إن هذه الجرائم تتشابه في النمط والأسلوب، وللأسف فرغم معرفة الضحايا وعلمهم الجيد بهذه الجرائم، إلا أنهم يقعون ضحاياها لأن المحتالين يلجأون إلى طرق جذب محبوكة للغاية، على حد قول الضحايا، إذ إنهم يختارون صوراً لفتيات جميلات بهدف إغراء الضحية للتفاعل معها عاطفياً، ثم يتم استدراجهم لارتكاب سلوكيات غير أخلاقية لتكتمل عملية الابتزاز.
وفي ما يتعلق بالإجراءات التي تتخذها الإدارة حيال تلك البلاغات، أفاد اللواء المنصوري أن إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية لا تكتفي فقط بملاحقة المحتالين وضبطهم إذا كانوا في دولة الإمارات، بل تتواصل مع أجهزة الأمن في الدول التي يقيمون فيها، وبناء على العلاقات الطيبة بين شرطة دبي والعديد من أجهزة الشرطة في العالم، يتم ملاحقة هؤلاء المبتزين في الدول التي يقيمون فيها، ومنع تكرار هذه الظاهرة من أراضيها، إضافة إلى تتبع مقاطع الفيديو التي ينشرها المبتزون على شبكة يوتيوب، ومخاطبة الإدارة لحذفها كما يتواصلون مع إدارتي «فيسبوك» و«تويتر» لتعقب الحسابات المشبوهة التي يستخدمها المحتالون لإلغائها.
وأشار إلى مسؤولية المواطن في مكافحة الجرائم الإلكترونية، عبر اتباع النصائح، كتجنب استخدام الخدمة المصرفية الرقمية عبر مقاهي الإنترنت، والحذر من رسائل البريد الإلكتروني التي تطلب معلومات الحساب البنكي أو بطاقات الائتمان، واستخدام كلمات مرور معقدة وتغييرها بشكل دوري، وعدم إعطاء اسم المستخدم وكلمة المرور إلا لأشخاص موثوقين بشدّة. وشدّد على ضرورة توعية الأبناء بمخاطر الدخول إلى المواقع المشبوهة، ومراقبة الأسر لحواسيب أبنائها، إضافة إلى تجديد برامج الحماية الإلكترونية باستمرار.
800 سي أي دي
اقترح اللواء خبير خليل المنصوري، تبني قانون يمنع إصدار حوالات نقدية للدول المشبوهة أو يعاقب من يقوم بذلك، بهدف تجفيف منابع الجريمة، وأفاد بأن الضحية يمكنها الإبلاغ عبر خدمة (800 سي أي دي) أو من خلال الموقع الإلكتروني، مؤكداً أنه يتم التعامل مع المسألة بسرية ودون الإساءة إلى سمعة الضحية، شريطة الإدلاء بمعلومات كافية مثل رقم الهاتف الدولي أو البريد الإلكتروني. وقال: على مستخدم الإنترنت حماية خصوصيته والحذر أثناء استخدام برامج التواصل الاجتماعي والمحادثات الفورية.
وقاية
حلول مقترحة للخروج من الأزمة
لكي يخرج الشخص من دائرة الابتزاز عليه أن يدرك حقيقة الحرية النابعة من الثقة بالذات، ويؤمن بقدرته على تجاوز أي أزمات عاطفية أو نفسية قد تنشأ نتيجة ممارسته للحرية التي تقنع الإنسان بوجود شخص ما في مكان ما قد ينزعج من سلوك ما صدر منه، وعليه أن يعرف أن ذلك ليس سبباً كافياً لامتناعه عن ممارسته لحريته، إذ إن فقدان الثقة بالذات هو السبب الرئيسي وراء الخضوع لأي ابتزاز. وعلى المجتمع توعية الشباب بخطورة الابتزاز، وأساليب الوقاية منه، لضمان عدم تكراره، والتعامل مع القضية بسرية تامة بالتنسيق مع الجهات المعنية.
انعكاس
المتسلط ربما كان ضحية في طفولته
أي جريمة تتعلق بالاحتيال الإلكتروني وسرقة البيانات بهدف الابتزاز، وراءها دوافع ماديّة، وأخرى معنوية تتمثل في حب الذات، والشعور بالتفوق على القانون، والرغبة في الانتقام وغيرها.
في هذا الصدد ترى موزة أحمد الوالي اختصاصية نفسية ومشرفة المتخصصات النفسيات والاجتماعيات في مراكز المعاقين الحكومية في وزارة الشؤون الاجتماعية في دبي، أن مرتكب مثل هذه الجرائم هو شخص ينتهج سلوكاً معيناً لتحقيق أهدافه الشخصية على حساب البناء العاطفي والوجداني للطرف الآخر، وذلك نوع من ممارسات العنف النفسي الذي يعد أسوأ بكثير من العنف الجسدي، كالضرب وما شابه، لأنه يترك أثراً قوياً في وجدان الضحية.
وأضافت الوالي: يمكن تلخيص شخصية ممارس الابتزاز العاطفي في عبارة أساسية تمثل التهديد الأساسي الذي يمارسه نحو ضحيته، وهي: «إذا لم تفعل ما أريد فسوف أجعلك تعاني»، ولكي يمارس المحتال ابتزازه تجاه ضحيته لا بد أن يكون على دراية كافية بها، واستدراجها لمعرفة نقاط الضعف كافة، لضمان سيادته للموقف والحصول على ما يريد.
وقالت: إن المبتز يتمتع غالباً بصفات حب التملك والتسلط والرغبة في تحريك الأشخاص لما يصبو إليه، علاوة على تمتعه بحدة المزاج وعدم المقدرة على الانصات لدى الجدال مع الآخر، وربما يكون هو نفسه قد وقع ضحية للابتزاز في طفولته أو وجده في محيط أسرته، وهؤلاء الأشخاص لا يتمتعون باستقرار اجتماعي، إذ إن علاقاتهم الاجتماعية لا تدوم طويلاً، كما قد يضطرون أحياناً إلى تغيير عملهم، نظراً لصعوبة تقديم تنازلات من طرفهم، وينظرون للزواج من منظار خشبي متصلب، وتعد المقدرة على الخداع من أكبر سماتهم من خلال ارتداء لباس الحمل الوديع.
الضحية جزء من المشكلة
قال الدكتور أحمد الحداد، كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، من وقع في شباك هؤلاء المفسدين والمحتالين إنما يقع بفعل نفسه، بسبب إغواء النفس والشيطان، وكان الواجب عليهم أن يتقوا الله تعالى ولا يقعوا في هذه الرذيلة، محذراً من المواقع الإلكترونية المشبوهة وعدم الاستجابة لإضافة الغرباء، أو الانسياق وراء معسول القول، مطالباً بضبط النفس حتى لا تقع فريسة للفساد وهتك العرض والكرامة وتشويه السمعة.
تحصين النفس
ونصح الحداد الفتيات بعدم حفظ صورهن في جهاز الحاسوب، لأنه عرضة للاختراق والسرقة، ولكي لا يساعدن ضعاف النفوس لإلحاق الضرر بهن، وعدم التردد في إبلاغ الجهات المختصة عن هؤلاء حتى ينالوا عقابهم. وأضاف: تبدأ مأساة جريمة الابتزاز بسبب التساهل في التعامل مع الغرباء أو الجرأة في مخالفة تعاليم ديننا الحنيف، حيث تنتشر قضايا الابتزاز في العلاقات غير الشرعية بين الرجال والنساء، فتبدأ شبكلمة ثم موعد ثم لقاء، أو حتى مجرد إرسال معلومات وصور، فيما يجب تحصين النفوس بتقوية الوازع الديني والأخلاقي.
16 حالة
أما المستشار الأسري خليفة المحرزي فأوضح أنه تعامل خلال العام الجاري مع 16 حالة ابتزاز مالي مقابل عدم نشر صور أو مقاطع فيديو مسيئة للضحايا من الجنسين، أغلبها تعود للجنس اللطيف.
وأضاف: إن ردة الفعل العنيفة من قبل الأسرة وممارسة العقوبة الشديدة، تدفعان بالضحية إلى كتمان الأمر والانصياع لرغبات الطرف الآخر المبتز، وقال المحرزي: تعاملت أخيراً مع حالة استطاع فيها أحد «الهكرز» من داخل الدولة، اختراق جهاز حاسوب امرأة مواطنة متزوجة، والحصول على صورها الخاصة، ثم تهديدها بنشرها إن لم تدفع مبالغ مالية حددها لها، وبالفعل انصاعت الزوجة الخائفة حرصاً على حياتها الزوجية، ووصل إجمالي المبالغ التي دفعتها له 20 ألف درهم، إلى أن نصحتها بالتوجه إلى المسارات القانونية ليختفي أثر هذا المحتال.
وأشار إلى حالة أخرى كانت لرجل مواطن متزوج، تعرض لابتزاز من فتاة هددته أيضاً بنشر مقطع فيديو سجلتها له أثناء محادثته عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وطلبت منه مبلغاً من المال مقابل عدم النشر، معرباً عن أسفه لانصياع الضحايا لرغبات هؤلاء المتورطين، والقيام بدفع مبالغ مالية باهظة، مقابل عدم اللجوء إلى الجهات الأمنية إلا بعد استنفاد رصيدهم المادي.
قانون العيب
يستغل العابثون بخصوصيات الآخرين، قضية الضوابط والمعايير الاجتماعية والعادات والتقاليد ومفهوم قانون العيب، بطريقة سيئة للضغط على الضحايا، ما يساعد المحتالين على الإيقاع بالضحايا، وتهديدهم وسلب أموالهم مقابل عدم نشر أسرارهم الشخصية، ويؤكد المستشار الأسري خليفة المحرزي أن أغلب حالات الابتزاز تظل مخفية، لأن أصحابها يخشون البوح بها بسبب عدم وعي أفراد الأسرة الواحدة بتبعات هذه الممارسات، واعتبار الضحية جزءاً من المشكلة.

إضافة تعليق