إضاءات على حوارات لقرن جديد في كتاب "الطائفية والحرب /إصدار دار الفكر "

عن المشاريع السياسية المرتدية عباءة الطائفية يتحدث فاضل الربيعي و وجيه كوثراني
على الرغم من الحروب الأهلية التي شهدتها بعض دول العالم، إلا أنها حملت مع مآسيها نتيجة ذات جدوى، أدت لبناء دولة وطنية حديثة كما حدث في إسبانيا على سبيل المثال ولكن هل خرجت التجارب المريرة في لبنان والعراق إلى شيء يمكن أن يشبه الدولة؟!
في حوارية جديدة ضمن سلسلة «حوارات لقرن جديد» تطرح دار الفكر- دمشق كتاباً جديداً بموضوع إشكالي تحت عنوان: الطائفية والحرب.. تتحاور فيه تجربتان عربيتان مريرتان (لبنان والعراق)، من خلال باحثين مهمين: الأستاذ فاضل الربيعي «العراق» والدكتور وجيه كوثراني «لبنان».
العراق: روح الانقسام وضعف الدولة
قدم الربيعي بحثه في التجربة العراقية بقراءة الظواهر التي ترافقت مع الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، ليعيد تفكيكها وتركيبها ضمن كامل السياق التاريخي للمجتمع السياسي العراقي وكانت خلاصة الربيعي أن ما جرى لم يكن حرباً أهلية، بل كان صراعاً بين قوى سياسية استخدمت الطائفية سلاحاً لها.. (وربما كانت هذه النتيجة هي الوحيدة التي وافقه عليها محاوره الدكتور كوثراني).
حيث إن الربيعي أبحر إلى ما قبل الميلاد في قراءته لتاريخ المجتمع السياسي في العراق، منذ ثنائيات (السومرية- الأكادية) و (الراعي- الفلاح).. حتى تاريخ الاحتلال الأمريكي ليصف هذا المجتمع بأنه «مجتمع اللادولة» وأن كل من يعيش في العراق اليوم سيجد له شبيهاً في التاريخ في كل عصر، ومع كل احتلال.
إن الخطاب الطائفي في العراق- كما يراه الربيعي- ومنذ الاحتلال الأمريكي، كان مبنياً على فكرة تصعيد الخوف لدى الأفراد والجماعات على أنهم الضحية، مما يستوجب التضامن معهم ما أدى إلى استخدام العنف كأداة لحسم الصراعات المفترضة أصلاً فقد ارتبط العنف خلال فترة الاحتلال بظهور المشاريع والأفكار والشعارات الطائفية.
يلخص الربيعي بحثه بالقول: إن روح الانقسام وضعف الدولة هما وراء انهيار الدولة العراقية السريع عبر العصور إلى سقوط بغداد.. ويرى في المجتمع العراقي أنه الوحيد- تقريباً- في العالم العربي، الذي تسود عليه موضوعات الاحتراب والصراع الداخلي باستمرار لتطغى على «الموضوع الوطني».
لبنان: تحول المؤقت والانتقالي إلى ثوابت
أما الدكتور كوثراني فيرى أن لبنان دخل مرحلة الدولة الحديثة ومعه حمولة اجتماعية وثقافية وسياسية، حيث أصبحت العصبية وسيلة السياسة، والدين عنصر الاستقواء فيها- السياسة حتى أصبحت الطائفية السياسية هي ركيزة النظام السياسي في لبنان.
وقدم كوثراني قراءة قانونية ودستورية دقيقة لمفهوم الدولة، وفي مقاربته للتركيبة الاجتماعية- السياسية في لبنان، يرى أنها أنتجت زعامات ونواباً برلمانيين انحصر دورهم في العمل الخدمي (كوساطة بين الدولة والمجتمع)، مما أبعد دور البرلمان عن كونه مركز رسم السياسات العامة للدولة، إلى حصره في لعب دور الوساطة الخدمية للمجتمع.
إلى أن أصبحت الطائفية السياسية هي البديل عن العمل الحزبي اللاطائفي «الوطني».
ومن أهم النقاط التي طرحها كوثراني، توصيفه الدقيق لواقع النخب السياسية اللبنانية فهو يراها أنها ثمرة استمرار لنظام إقطاعي قديم ظل متجدداً حتى اليوم وأن لا مناص من القضاء على الزعماء الإقطاعيين للتحول نحو الديمقراطية.. كي لا يتحول أتباع الزعيم في لحظة ما إلى وقود حرب داخلية.
وفي قراءته لمأزق الانتقال من الاجتماع الطائفي إلى الاجتماع الوطني في لبنان، يرى أن هناك صراعاً دائماً على السلطة، وبحكم الطائفية السياسية تحول «المؤقت» و«الانتقالي» في النظام السياسي اللبناني إلى ثوابت وأمر واقع.
كما أن هناك ذاكرة جمعية تشكلت في ثقافة الطوائف اللبنانية، مفادها أن الطائفة بحاجة إلى من يحميها، ما جعل من مفهوم الحماية أحد أهم مهمات التمثيل السياسي الشعبي، ما أدى إلى تراجع واضح لدور الأحزاب والحركات الفكرية والعلمانية.
بين بحثين وتعقيبين: وفي معرض تعقيبه على بحث كوثراني، يرى الربيعي أن عراق اليوم هو لبنان الأمس وأن ثمة زعامات أو شكلاً جديداً منها قد برز في عراق بعد الاحتلال، هذه الزعامات لم تكن مألوفة سابقاً حيث أنها تجمع في بنيتها الخطاب الطائفي والقوة المسلحة والفساد المالي حتى أصبح الزعيم الطائفي في العراق يعمد إلى استخدام القوة في السيطرة على الجماهير.
ويعود الربيعي ليؤكد فكرته التي ترى الطائفية في النموذج العراقي، على أنها سرعان ما تتحول إلى أيديولوجية عند المنعطفات التاريخية والأحداث الكبرى.
وأما كوثراني وفي تعقيبه على بحث الربيعي وضع ملاحظاته على عديد المصطلحات والأفكار التي قدمها في تحليله لتاريخ المجتمع السياسي العراقي.. وتبدو النقطة الوحيدة التي وجد فيها كوثراني اتفاقاً مع الربيعي، هي في أن ما جرى في العراق لم يكن حرباً أهلية، بل كان صراعاً بين قوى سياسية استخدمت الطائفية سلاحاً لها.
بين بحثين وتعقيبين.. يبقى السؤال الأهم مطروحاً: هل سيقف رجال السياسة على تجارب هذا التاريخ الأليم، مستفيدين منه في مشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة؟!.. أم أن الانتماء الوطني ما زال في مراتب متأخرة عن غيره من الانتماءات؟!

إضافة تعليق