الباحث والمفكر السوري "غريغوار مرشو" (الجزء 1)

لا بد من العودة إلى الذات واستقراء الواقع للخروج من المآزق والهزائم المتوالية" "الساحة الفكرية والثقافية غارقة في غمرة التغالط الإيديولوجي والتراشق التصفوي إذا لم تتقدم النخب المثقفة الحية نحو ردم الفجوات وتغطية الثغرات المتسعة بينها وبين المجتمع فستظل تراكم الهزائم تلو الهزائم"
اجرى اللقاء: وحيد تاجا
أكد الباحث والمفكر السوري الدكتور غريغوار مرشو ان مقاربته لمفهوم (الفصام في الفكر العربي وتفاقمه) تأتي في فترة ابتداء تمفصل الاتصال الثقافي ما بين الجماعات والمجتمعات، على آليات مؤدية إلى انمحاء الثقافة المحلية لحساب الثقافة المسيطرة، وانتهاء هذه الأخيرة إلى نفي الاختلاف، ورفض الاستقلال للثقافة الأولى المسيطر عليها، بل إدانتها من اجل احتوائها وإلحاقها بعلاقة سيد/عبد. وخاصة لما ارتبط هذا الانمساخ، تحت تأثير عمليات الاستيطان، بدونية العبد أمام غلبة السيد، وذلك عن طريق تبخيس الذات ونكرانها.
وشدد د. غريغوار على الحاجة الماسة لاستنطاق إشكاليات الفصام وآثارها المادية على المجتمع، بفعل انشطار المجتمع العربي إلى معسكرين متناحرين ومتنافرين، حداثي وسلفي، ومشارفته على نوع من الصراعات الأهلية الحادة المدمرة للذات، لافتا أن ذلك ليس من اجل إعادة الدور الخلاق للعقل فحسب، وإنما من اجل دعوة المجتمعات المهمشة، في الأطراف، إلى الانعتاق من دورها الاستهلاكي السالب على الصعيد الثقافي والحضاري، لحساب نظام فكري جديد وأصيل، يحمل في ذاته حيوية عبقريته المبدعة.
والدكتور غريغوار مرشو من مواليد 1946 في الحسكة بسوريا، حاصل على دكتوراة دولة في الفلسفة من جامعة باريس الثّامنة، وعضو هيئة تحرير مجلة (دراسات شرقيّة) الصّادرة في باريس، وأستاذ في كلية الآداب جامعة حلب، وعضو في جمعيّة العلوم النفسيّة، له العديد من المؤلفات منها "العقلانية في الفكر العربي المعاصر "و "نحن والآخر (سلسلة حوارات لقرن جديد)"، و"الفصام في الفكر العربي المعاصر"،" مقدّمات الاستتباع: الشرق موجود بغيره لا بذاته" و"أيديولوجيا الحداثة بين المُثاقفة والفصام الحضاري"، و"العدوى في تشكيل الفكر العربي الحديث والمعاصر"، و"من الاستتباع إلى الاستبداد: حفريات في آليات احتلال العقل".. في السطور التالية نسوق حوارنا معه:
* لفتني كتابك "الفصام في الفكر العربي المعاصر"، والفصام كما هو معروف مرض نفسي خطير إذا ما أصاب الإنسان، فكيف به عندما يُصيب الفكر.. السؤال هل يمكن تشخيص حال الدول العربية بناء على ما ذهبت إليه في كتابك من وجهة علم الاجتماع السياسي؟
** إن اصطلاحي على مفهوم الفصام في الفكر العربي المعاصر لم يصدر عن عمل اختباري عيادي، وإنما جاء ثمرة مقاربة لمسيرة الفكر العربي الحديث والمعاصر، قرابة قرن ونصف، الذي لا يزال في معظمه مفصوماً عن واقعه وأسيراً لمسألة المرجعية بشقيها: الأصالة/المعاصرة، الهوية/الحداثة، التراث والعصر. والمشكلة المركزية لا تكمن فقط في أنه لا يزال تحركه مرتهناً لهذا التجاذب وإنما تكمن في أن تحركه يُؤبدَّ أحد القطبين المرجعيين والانتصار له حتى بات التقاطب الفكري هنا يتجسد بين منافح مستميت عن الهوية والأصالة ضد التغريب والعروبة والإنمساخ الثقافي، وبين منافح عن الحداثة الوافدة ضد النكوص السلفي والتحجر العقائدي والانحطاط.
والإشكالية الكبرى لم تعد مقصورة فقط على أن يتمترس كل طرف في معسكر وإنما أفرزت مروحة من السجالات أشبه ما تكون بالحرب الفكرية، بحيث باتت الساحة الفكرية والثقافية غارقة في غمرة التغالط الإيديولوجي والتراشق التصفوي، وفي نوع من البلبلة في المفاهيم، وفي تصارع الرهانات. ولقد بلغ تصاعد الصراع الإيديولوجي بعد الحرب العالمية الثانية إلى مستويات الإرهاب الفكري السافر. بذلك تآكلت أية أرضية للحوار والتواصل وانتصرت لغة الإقصاء والتنابذ والاحتراب ما بين المعسكرين.
* وكيف انعكست هذه الحالة على الفكر السياسي العربي؟
** في خضم هذا الصراع صار من قبيل التحصيل الحاصل ألا يكون الفكر السياسي العربي مهتماً في إرساء قواعد لدولة القانون والحق والمواطنة، وإنما كان مهجوساً باستجلاب منظومات من التصورات النظرية المقتطعة من سياقها الاجتماعي التاريخي ـ سواء من الآخر الغربي أو الآخر السلفي المحلي ـ وإسقاطها بالقسر على الواقع العربي. فتجلى ذلك إما بالمنظومة الفكرية الليبرالية، حيث التبشير عن الدولة والقانون والبيروقراطية (المكاتبية).. أو المنظومة الماركسية، حيث الاستفاضة الكثيفة عن مفاهيم الطبقات والطبقة المسيطرة والمهيمنة.. أو منظومة الآداب حيث الكلام عن الرعية وأهل الحل والعقد، أو المنظومة الخلدونية حيث مفهوم العصبية. كل ذلك جرى في إطار إنكار أي مقاربة تحليلية جادة (الدول الوطنية) القطرية، لا بل الهروب إلى طوبى دولة الوحدة القومية الاشتراكية الشمولية تحت ذريعة أن هذه الدول هي ثمرة التقسيم (السايكس ـ بيكوي) ولها دور وظيفي استعماري، هذا الموقف يماثل موقف أصحاب دولة (الخلافة) على أنقاض الدولة الفكرية بنفس المنظور الشمولي تقريباً، ولكن بتكفير هذه الأخيرة والمجتمع معاً. كل ذلك دون العمل على نزع فتيل قطرنتها الإثنية المصطنعة وتجسير الفجوات فيما بينها في إطار رؤية تضامنية تكاملية اقتصادية ثقافية تُمهّد إلى اتحادات مستقبلاً. باختصار كل هذه الأطروحات، على اختلاف تلاوينها، وبكل ما تحمله من حمولات مفاهيمية نظرية جاهزة الصنع ـ مستذكرة ومستقدمة ـ لتنزيلها، بالمطلق على الواقع، والتعامل معها كمفاتيح سحرية لحل مشكلات مجتمعاتنا، سوف تنعكس على أرض الواقع إلى نوع من الخلط بين السلطة وبناء الدولة. وهذا ما حدث حينما اتجه أصحابها إلى محورة تفكيرهم في اختزال الدولة إلى مجرد أداة للسيطرة والهيمنة، وإلى التفكير في السلطة من منظار ارتباطها بالدولة على أساس هذه الأخيرة ما هي إلا مماهاة مع تلك وتشخيص لها. ولما كان للسلطة بريقها وجاذبيتها عند الطامعين بها كغنيمة، ولما كانت الدولة هي المدخل الملكي إلى امتلاك هذه السلطة، أصبحت الإشكالية الكبرى في الفكر السياسي العربي تدور حول الدولة من حيث كونها آلة ترهيب وقمع لإقصاء المجتمع عن عمليات التفكير ومصادرة إرادته بغية تحويل أفراده إلى سلع للاستهلاك وضحية للابتزاز والإفقار.
* والى ماذا تؤدي استدامة هذه الآلية في نهاية المطاف؟
** إن استدام هذه الآلية يؤدي في نهاية المطاف إلى قسر شريحة كبرى من الناس على تسليم مصيرهم لأعاصير الأقدار وحتمية التفقير والركون إلى انمساخ عقولهم إلى أشبه ما يكون بمصير سكان الضيعة الضائعة. الأمر الذي يحدو بالمستبدين المتعالين المتحذلقين إلى

 

تسويغ القول: (هكذا شعب محكوم يحتاج إلى هكذا حكام)، وهكذا تدجين بالإكراه هو الذي يُمهد البيئة لقابلية الاستعمار.
ضمن هذا المنظور صار التفكير في تقنية الوصول إلى سلطة الدولة هو الهاجس المؤرق عند القومي والماركسي والليبرالي والسلفي. تبعاً لذلك ليس من باب المصادفة أن تُراكم حيل معرفية حول أساليب الانقلاب العسكري تحت شعار "الثورة" أو "الجهاد" ضد الأمة والدولة المكفَّرتين، وأن يراكم أيضاً جهاز من المفاهيم حول السيطرة والهيمنة والاستبداد والاستكبار وحول موازين القوى.. بصريح العبارة لقد تحول علم السياسة تدريجياً إلى علم عسكري حيث يكون التعلَّم فيه كيفية اقتناص السلطة.
* وهل هذا ما قصدته في تشخصيك لحالة الفصام في الفكر العربي المعاصر؟
** تماما، فما سبق يتبين أن الفكر السياسي السائد يعاني بمختلف صوره الشمولية والتبعية والارتدادية من فصام حقيقي مع الواقع الاجتماعي التاريخي الحي. فمن الطبيعي أن يكون ثمة علاقة مباشرة بينه وبين نظام السلطة المطلقة بكون هذا الأخير يعاني هو أيضاً من فصام مع المجتمع.
لا شك في وضعية كهذه لا يمكن أن تستقيم الثقة والتفاعل البناء بين الطرفين، لأن هذا مرهون باحتياج كل منهما إلى الآخر لإعادة إنتاج نفسه كي يستمر. وذلك من خلال تغيير قواعد ممارسة السلطة داخل الدولة وداخل الأحزاب وداخل المؤسسات الأهلية حتى الأسرة. أقول ذلك لأن كل ما اعتيد على تكريسه في السابق من نظام التلقين وعبادة الشخصية والهوس بالشعارات الجوفاء والمراقبة على الضمير والمعاقبة المشددة على حرية الرأي وفرض معتقدات بالإكراه هو الذي يُجبر الأفراد ضمن هذا الاحتقان على الرضوخ والانخراط في لعبة الغش والتدليس والكذب والممالقة والتحايل والمخادعة.. بحيث يكون فن التشاطر فيها هو اتباع سلوكية ازدواجية لا أخلاقية تنتهي إلى ثنائية الرشوة والارتشاء المدمرتين لشراء الحقوق أو المناصب، مما يؤدي بالنتيجة إلى بعث وتأجيج الفوضى والاضطراب وتآكل أواصر التضامن والتواصل والثقة بين الناس إلى أن يُصبح كل فرد يفتش عن خلاص نفسه على حساب الآخرين. لعل هذا ما يفسر اليوم، تحت وطأة هذه الضغوط وانسداد الآفاق، التماهي الوطني يجري أكثر مع مكونات المجتمع الأهلي ما قبل القومي بدلاً من الدولة، بحيث صار في كل مكان تطرح مسألة الهوية يعود الوعي العربي الإسلامي إلى الاستنجاد بالسلف الصالح لينهل منه الإلهام والسند، بذلك باتت الدولة ليس محجوب الثقة عنها فحسب، وإنما مرفوضة بلا توقف والتعامل معها كغنيمة للهبش والنهش.
هذا ما يحل بالدولة حينما يتم تعطيل دورها كمرجع للرعاية الاجتماعية والموازنة بين الواجبات والحقوق وسند للحمة المجتمع، وتحويلها إلى مجرد أداة ردع، تفاقم هي بالذات أسباب التوتر على مستوى الحياة والوعي وتمزق المجتمع ودفعه نحو احتمالات تناسل مظاهر العداوة والعنف. ان مسخ الدولة على هذا المنوال لن تعد تتغذى هنا على فلسفة عقلانية منتجة، وإنما على العكس تعتاش من تعميم مشاعر الخوف والترهيب والاقتصاص الدائم والإحباط. هذا فضلاً عن الانشغال بمنطق إستزلام المحاسيب إلى طرفها للاستثراء وتعزيز سلطتها وهيمنتها بالامتيازات من جهة، ثم تضخيم أجهزتها الأمنية لصالح توسيع وتسليط آلات الرقابة والعقاب على المجتمع وتطفيل أفراده وهدر طاقاتهم من جهة ثانية. إلا أن هذا المآل لم يتأخر عن توليده، بالمقابل فئات تزعم الهيمنة في مملكة الحقيقة تحت رايات إيديولوجية مختلفة، بعضها من اليسار وبعضها الآخر من اليمين، الأول تحت راية (المالكة بالمطلق للحقيقة العقلانية والعلمية) والثاني تحت راية (الحاكمية لله) حيال هذا التضييق القاهر على المواطنين وخنق أصوات المطالبين صار من مصلحة معظم السلطات العربية الحاكمة التحديثية أن تُروَّج في أوساط البلاد والعباد مقدور الحديث القائل (كما تكونوا يولى عليكم) بدلا من قلبها إلى واقع الحال بالقول (كما يُولى عليكم يجب أن تكونوا). كما لو أن مقتضيات استمرار الحكم السليم مشروط بقبول المحكومين بالانصياع المستديم لكبار المستكبرين، تحت شعار (العقلانية الواقعية) الذائعة الصيت في أواسط الليبراليين الجدد العرب (يساريين الأمس)، حتى لن يتوانى البعض، في زمن العولمة، لتسويغ تقاعسه، من الاستعانة بالمقولة المعتادة لدى نخبة لبنانية (قوة لبنان في ضعفه ).
لا شك هذا المناخ يعطب سبل الممانعة والصمود تجاه التحديات الخارجية والداخلية المحدقة بنا. وخاصة حينما تُهدر كرامة وقدرات العباد وتُستباح ثروات البلاد بخروقات الفساد والإفساد التي تفشت في المؤسسات الرسمية حتى طالت سيادات الدول التي لا تكف سلطاتها عن المزايدات الخطابية بالدفاع عن وحدة وأمن الأوطان والمواطنين لتحريرها من قراصنة الاستيطان.
* تطرح علينا إجابتك هذه مسألة النهضة من جديد، وهي إشكالية عني بها الفكر العربي منذ القرن التاسع عشر، وقد أُعيد طرح هذه الإشكالية مجدداً منذ ستينات القرن العشرين. ما رأيك بالمسألة.. ولماذا بقيت أسئلة النهضة تطرح حتى الآن؟
لا شك بعد بيان بعض المعطيات الأساسية التي اعترضت الفكر العربي في إرساء شروط النهضة ومقتضيات تحولها إلى مشروع صار من الطبيعي أن تطرح من جديد كمسألة، لأنه منذ طرح النهضة كمشروع منجز يُماثل حركة (الإحياء) أو (الولادة الجديدة) في الغرب تحولت إلى إشكالية وتكررت المساءلات المتضاربة حولها بين التنديد وبين البناء على أساسها، بعد الحرب العالمية الثانية أي في بداية الستينات على وجه التحديد. وهذا تم تحت ذريعة لا حاجة للاستغراق في تفسير التاريخ بأسلوب ليبرالي تابع، وإنما بالانقلاب عليه باسم (الثورة) وباتجاه دولة الوحدة والاشتراكية والحزب الواحد للرد على التهديدات الخارجية والداخلية.
لكن لما جاء الحصاد بخلاف حساب البيدر، بعد الهزيمة المفجعة في حرب يونيو عام 1967، وحصل ما حصل من احباطات وتراجعات وانكفاءات أكثر قطرنة وانعزالاً، أصبحت الطروحات تنحو منحى أكثر اشتراكية ووحدوية أو أصولية وتطرفاً من أجل تحقيق (النهضة) الثالثة باسم الثورة أيضاً، على أنقاض النهضة الأولى والثانية.

إضافة تعليق

3 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.