قراءة في كتاب عوائق التحول الديمقراطي في الوطن العربي

يعد حديث الديمقراطية أو التحول الديمقراطي في الشارع العربي من أكثر الأحاديث شيوعاً وتداولاً وعلى كافة الشرائح والمستويات، وهو ما دفع هذا الشارع إلى الانقسام بدوره بين من يدعو إلى تبني الديمقراطية ويطالب بها وبضرورة تطبيقها على غرار النموذج الغربي، مستفيدين من تجاربه في هذا الميدان بغية النهوض بالمجتمع واللحاق بركب الدول المتقدمة وبين من يقف منها موقف المعارض لاستنساخ التجربة الغربية؛ نظراً لما يتميز به العالم العربي من (خصوصية) ثقافية - سياسية، مطالبين في الوقت نفسه بضرورة تطبيقها، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية العالم العربي، كونها تنبع من حاجة موضوعية وبين من يدعي بأن الظروف الراهنة لا تساعد على تطبيقها والقيام بالتالي بالتحول الديمقراطي؛ نظراً لاقترانها بضغط خارجي.
والكتاب الذي بين أيدينا عبارة عن مقالتين علميتين تحاول كل واحدة منهما الكشف عن عوائق هذا التحول واقترح الحلول المناسبة لتجاوزها، في سياق حوارية فكرية تناوب على بسط أفكارها اثنان من أهم المفكرين في الوقت الراهن، وهما المفكر المغربي د. سعيد بنسعيد العلوي، والمفكر الموريتاني السيد ولد اباه .
فقد بدأ (العلوي) بحثه بطرح عدد من الأسئلة حول حقيقة الحال التي يراد الانتقال منها إلى الحال الأخرى المأمول الانتقال إليها ؟ وقد حاول الباحث الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال البحث في ميلاد الفكر السياسي الأوروبي الحديث، فقدم (العلوي) رصداً دقيقاً لمحطات نشأة الفكر السياسي الحديث، بالانتقال من نظرية ( الحق المقدس) في العهد القديم إلى نظرية (التعاقد الاجتماعي) ثم عرض (العلوي) ما أتى به فلاسفة الفكر السياسي الحديث (جون لوك، هوبز، روسو) وهو بداية ميلاد المجتمع المدني، والذي عبروا عنه في نظرية (العقد الاجتماعي)؛ أي دولة التعاقد الاجتماعي والقول بآدمية المصدر الذي تستمد منه السلطة السياسية ، والعمل بموجب كيفيات ممارستها ومراقبتها على النحو الذي يحده الفقه الدستوري المعاصر وتطرق إلى المسألة الديمقراطية في الفكر السياسي العربي الإسلامي الحديث ، والتي تجسدت في الدعوة للإصلاح الذي كان يسير جنباً إلى جنب و(المعارضة) في أرض الإسلام، متوقفاً عند رواد المشروع الإصلاحي العربي الحديث من (الطهطاوي إلى الأفغاني والكواكبي) وفي محاولة منه لتفسير عوائق التحول الديمقراطي في الوطن العربي ، توصل الباحث إلى أن الدولة في العالم العربي لا تزال في طور البناء والتكوين، وأن عملية البناء هذه جابهتها صعوبات هائلة في مقدمتها الاختراق الاستعماري ، وبالتالي فالاستعمار أحدث شرخاً في نظام الدولة العربية وبنياتها الأساسية(السياسية والاقتصادية) كما أنه أحدث خلخلة في نظام المجتمع ومن ناحية أخرى فإن بناء الدولة الوطنية دولة الاستقلال أو الثورة أدى بها إلى الهيمنة التامة على كل المؤسسات والمرافق العامة والتأكيد على منحى فردي (استبدادي) أو (دكتاتوري) في إدارة شئون البلاد والسعي نحو تجميع السلطة وتوحيدها وتركيزها باستمرار ، بالإضافة إلى غياب الحياة الحزبية السليمة مع هيمنة الحزب الواحد والنتيجة هي الإبعاد القسري للشروط الصحية الضرورية لحصول، أو بداية حدوث، عملية تحول جهة الديمقراطية .
ويرى المؤلف أن للديمقراطية شروطاً ضرورية باجتماعها يكون حلول الديمقراطية ممكناً، وبانتفائها لا يكون ذلك الحلول ممكناً.. أول هذه الشروط ، كما يراها العلوي، مبدأ(دوران السلطة) وفقاً لميثاق سياسي ضمني أو صريح ، والقول بوجوب مراقبة السلطة والاعتراض عليها ضمن الشروط القانونية المتعارف عليها . 
ويتحدث (العلوي) عن شرطين يعتبرهما شرطين بديهيين كلاهما شرطا( وجوب وصحية) وشرطين آخرين هما شرطا كمال فأما الشرطان الأولان فهما: وجود الدولة الحديثة ، ووجود المجتمع المدني أن ينهض بالوظائف عينها التي يقوم بها الحزب وأجهزته فيما يتمثل شرطا الكمال بالقضاء على الفقر المدقع الذي يسلم إلى الذل ويمنع من المطالبة، ويحول دون التعلق بالحرية. والقضاء على الأمية ، وهذه أيضاً تشل الفكر وتمنع من النظر الصحيح وتبقي الواقع تحت سيطرتها.
بعد ذلك ينتقل (العلوي) إلى الحديث عن إمكانات العالم العربي للتحول الديمقراطي، فيلاحظ أن ما يعج من أحداث في العالم العربي يؤدي إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي وأن الرغبة في الديمقراطية ليست منعدمة وأن نوعاً من الحتمية التاريخية تتحرك نحو التغيير الاجتماعي، كما أن ما يشهده المجتمع المدني من حيوية واندفاع يبعث على الأمل في حدوث نقلة نوعية في تنظيم العلاقة بين الحكام والمحكومين.
أما (السيد ولد أباه)، فيرى الأمل ساد في العقد الماضي بانتصار قيم الديمقراطية إثر انهيار الأنظمة الشمولية، وبفعل الضغوط التي مارستها الدول الغربية المانحة على الدول الجنوبية المنهكة اقتصادياً إلا أنه يرى المنطقة العربية كانت الاستثناء الأوحد في هذه المعادلة الجديدة، ذلك أن أثرها كان محدوداً على واقع وتركيبة الدولة العربية، والفضل يعود في ذلك إلى ما يدعونه (التطرف الأصولي) الذي لعب دوراً أساسياً في كبح ديناميكية التدخل الدولي لفرض الإصلاحات الديمقراطية في البلاد العربية ، إلا أن (ولد أباه) يرى أن أغلب البلدان العربية عرفت في العقد الأخير خطوات انفتاح سياسي حذر على التشكيلات والقوى السياسية والمدنية ويرى (ولد أباه) أن عوائق التحول الديمقراطي في العالم العربي عديدة وقد اقتضبها في مستويات خمسة: أولها: تركيبة المجتمع الأهلي، ويرى (ولد أباه) في هذا الصدد أن المجتمع الأهلي والهياكل القبلية والعشائرية ليست عائقاً دون النقلة الديمقراطية .
ثايها: بنية المجتمع المدني الحديث , وثالثها: بنية الثقافة العربية الإسلامية وموقع الدين ،. فالثقافة الإسلامية من حيث مرتكزها العقدي الأعمق ، ومقاربتها للشأن السياسي لا تطرح عائقاً أمام التحول الديمقراطي ، بيد أنه يتعين التنبيه إلى بعض الثغرات في ثقافتنا المعاصرة المشتركة التي هي من دون شك عوائق يتعين تجاوزها أولى هذه الثغرات - حسب تحليل (ولد أباه)- تتعلق برؤية الآخر وترتيب العلاقة به، وتحديد منزلته داخل النسيج الوطني والقومي وداخل أطر العلاقات الدولية أما ثاني الثغرات فتتصل بمفهوم الجهاد ومع أن أغلب الفقهاء ذهبوا إلى أن الجهاد عمل دفاعي عن الأمة والعقيدة، وليس مسؤولية هجومية لنشر الدين بالقوة، إلا أن الثقافة المشتركة السائدة تسير على عكس هذا التصور، وتكرس المقاربة العدائية كمصادر أصلية تحكم علاقة المسلمين بغير المسلمين أما ثالث الثغرات فتتعلق بطبيعة العلاقة بالدولة ، فعلى الرغم من أن المدونة الفقهية التقليدية مبنية على مطلب حفظ الأمن وطاعة ولي الأمر ودرء الفتنة، إلا أن اتجاهات واسعة من الثقافة الإسلامية المشتركة تأثرت بوضوح بمفاهيم الحاكمية ودولة الشريعة ، دون أن تتمكن من حسم صريح لطبيعة مرجعية الدولة.
ومن هذه الثغرات أيضاً تركيبة الأحزاب السياسية العربية التي يراها (ولد أباه) تعبر عن هشاشة القوى الحزبية الرئيسية الفاعلة في السياسة ، غير أنه يرى أن المشهد العربي يشهد حالياً تجاذباً حاداً غير صحي بين الجهاز الحزبي الحاكم والقوى والتيارات المتمردة الخارجة على الشرعية أو المقصية منها، والتي تنعكس بدورها بالسلب على الممارسة الديمقراطية من حيث اختلالها التمثيلي، كما أن علاقة هذه التنظيمات بالنسيج الاجتماعي عادة ما تكون معدومة أو إشكالية خطرة ويشير إلى علاقة المثقف بالسلطة في سياق تعداده لهذه الثغرات ، فالمثقف العربي يتأرجح عادة ما بين انتمائه لبيروقراطية الدولة التي تحتاج إليه بقدر ما يحتاج إليها، ونزوعه الثوري إلى المبادرة التاريخية التي تقتضي تحقيق أهداف متعددة ومتباينة اشتمل الكتاب في خاتمته تعقيبا للكاتبين على رؤى بعضهما البعض .

إضافة تعليق

5 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.