هل يمكن بناء الديمقراطية من دون ديمقراطيين؟

أسئلة كثيرة لا تزال تتراكم وتتزاحم في أولوياتها، وكل سؤال منها يتداخل فيه الفكري بالسياسي، منذ بداية النهضة العربية في القرن التاسع عشر ونحن ما نزال نطرح نفس الأسئلة حول الدولة والحريات والمرأة وحقوق الإنسان وصولاً إلى العولمة ولم تنته الأسئلة بسؤال الديمقراطية المتجدد، ولاسيما بعد فشل تجارب سياسية نجحت ديمقراطياً، وأخرى أتيحت لها الفرصة فلم تنجح، حتى سقوط شعار الديمقراطية ولم يعد يصلح مادة للتسويق السياسي الدولي أو المحلي بعد ان انكشفت لعبة الامريكان في الفوضى الخلاقة واستغلالها لشعار الديمقراطية لتدمير البلدان العربية والهيمنة عليها بطريقة أو أخرى.

يرجع أغلب المفكرين السياسيين والاجتماعيين العرب أزمة النقلة الديمقراطية إلى استمرارية الهياكل العصبية والطائفية المعيقة لتركز الدولة الحديثة، سواء بالنسبة الى التنمية أو تشكيل قوة العائق يتمثل في الائتلاف بين السلطة المركزية هشة القاعدة والمؤسسة الأهلية فاقدة شروط الفاعلية. أما المستوى الثاني من العوائق فيتمثل في بنية المجتمع المدني الحديث الذي هو حاجة أكثر منه واقعاً قائماً نظراً الى غياب الأرضية الاقتصادية والمجتمعية لهذا المفهوم، وهذا يمثل مأزقاً من مآزق التحول السياسي في البلاد العربية. أما المستوى الثالث فهو بنية الثقافة العربية الإسلامية وموقع الدين فيها ويتساءل هنا عن مدى تلاؤم النظم الديمقراطية مع أرضية ثقافية تتأسس على الدين. هذا بالإضافة طبعا الى عوائق التحول الديمقراطي في الوطن العربي وهي كثيرة، ولا حدود لها، وخاصة في البلدان التي ما تزال في طور البناء والتكوين ويرافق محاولة البناء تلك صعوبات متعددة، ثم ينتقل إلى الدولة الوطنية التي لم تتمكن عملية بنائها من الملائمة بين دولة الاستقلال وإدارة شؤون الدولة، وبناء الديمقراطية الاجتماعية، سواء لجهة ضعف مكونات المجتمع، حيث تم الدفع باتجاه مركز السلطة ما أدى الى ظهور حالات شاذة تعتبر الديمقراطية مسألة ثانوية وجزئية أو تستغني عن الحرية السياسية، أو لجهة غياب الشروط الضرورية لإقرار وجود ديمقراطية، ومنها وجود أحزاب او جمعيات سياسية مدنية ديمقراطية تنفي مبدأ التداول الديمقراطي للسلطة والقيادة الحزبية في داخلها قبل ان تطلب ذلك من الدولة. أو لجهة الرغبة الحق في الديمقراطية لذاتها من قبل قوى دينية محافظة تعتبر الديمقراطية بدعة وخروجا عن منطقها الداخلي، لان الديمقراطية تتنافى مع وجود رجال دين وحراس للدين، هذا إضافة ضعف وجود دولة حديثة ومجتمع مدني وانتشار الفقر والجهل في العديد من البلدان العربية التي تصل فيها الامية الى 60%، ومثل هذه العوائق وغيرها باتت تحول دون التعلق بالحرية والديمقراطية، وهي مؤشرات تقيس إمكانية التحول إلى الديمقراطية. 
إن الرغبة في الديمقراطية ليست منعدمة عندنا بل هي موجودة عند قسم مهم من المجتمع وخاصة النخب المثقفة، بل هنالك نوع من الحتمية التاريخية تحرك التوجه نحو التغيير الاجتماعي الديمقراطي الذي تدعمه نسبة الشباب المرتفعة في العالم العربي والتي ترى في الديمقراطية الصيغة الأفضل للتعبير عن طموحاتها وأخذ دورها، مع سعي الشباب للتماهي بين الإسلام والطموح لمجتمع أكثر عدلاً وديمقراطية مع رفضه للهيمنة الأمريكية مؤشرات تضاف إلى عوامل أخرى تدعم التحول الديمقراطي كالتقنية والإعلام والعولمة.
ولكن العوائق ما تزال موجودة وبارزة وتحتاج الى وقت للمعالجة، واهمية - مثلما سبق ان اشرنا اليه- تركيبة الأحزاب السياسية العصبية والطائفية وهشاشة القوى الحزبية الرئيسية إذ تفتقد الى المشروع الثقافي السياسي للتعامل مع القضايا الوطنية، مع عدم القدرة على التعبير عن مصالح ورؤى فئة معينة أو طبقة اجتماعية، تنعدم الصلة بينها وبين النسيج الاجتماعي بشكل صادق وفعال، لذلك يتعثر التحول الديمقراطي عندنا بل ستظل هذه العوائق ولفترة طويلة عائقا امام بناء الديمقراطية الحقيقية القابلة للاستمرار. 

إضافة تعليق

3 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.