نقد ثقافي ام نقد ادبي (ج-1)

أدرك الغربُ أنَّ المناهج والنظريات التي تحكمهم باتت كالموتى الذين يديرون الحياة ويستحيل قتلهم، كما أدرك مثقفو أمريكا أنهم حُرموا من أن يروا الجديد غير الأوربي حين شُغلوا بوهْج التكنولوجيا، وهكذا عبّر "بودريار" حين وصف أمريكا (( بأنها صحراء من اللامعنى، وهي صورة للمآل الذي سيؤول إليه الآخرون، وهو مآل غير مُبهجٍ وغير إنساني في عُرف (بودريار)، صنعته المركزية الأوروبية ))
إنّ هذا الاستهلال يحمل في عُرْفي دالّين، الأول كامن في الثقافة وما يُرْفَدُ معها من فلسفات، والآخر: يتمثل في التحول من المنهجية إلى الفلسفيّة التي تطرح الفكرة ونقيضها في آن، وذلك باعتبارها حدثا غير ممنهج، مما يعلل ما كان عليه النقد حين اعتمد على النظريات والمناهج الصارمة كالأسلوبية الإحصائية والبنائية المستغلقة مما أدّى إلى دعوات الانفتاح بظهور قوى نقدية معارضة تمثّلت في اتجاهات الأسلوبية التعبيرية "لليوسبيتزر"، والبنائية التكوينية "للوسيان جولدمان"، وانتهاءً بالنقد الثقافي أو ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة.
وهذان الدّالاّن (الثقافة والتحول) يطرحان – لديّ- دلالات، منها التوجّه الغربي إلى استكشاف الآخر وثقافته، من خلال نشاط الدرس الثقافي بدايةً من الثمانينيات بعد جدلٍ مع المناهج والنظريات، وهو أمرٌ أدرك الغرب من خلاله أنّ أولئك الذين يعيشون في المجاهيل بعيدًا قد تكون لديهم القدرة على خَرْق المركزيّة الأوربية، إنْ لم تتمكن أوربا من فتق ثقافتها والكشف عن أنساقها الثقافية في كافة المناحي؛ لذلك ظهرت نظريات (الانتخاب الثقافي) التي تعتمد على رصد ظواهر يكتب لها الشيوع داخل مجتمع ما، من مثل الشعيرة الدينية أو أسلوب في الفن أو طريقة في الصيد. وتشتمل هذه النظرية على ثلاث عمليات أساسية، أولها: أن تنشأ الظاهرة ، وهو ما يسمى بالتجديد، أو الإبداع، والثاني أن تنتشر الظاهرة من إنسان إلى آخر أو من جماعة لأخرى، وآخر هذه العمليات هي الانتخاب، ويُعنى به الآلية أو العامل وراء انتشار الظاهرة. أما بقيّة الدلالات فنوجهها نحو الوافد الجديد "النقد الثقافي"؛ للكشف عن مدى فاعليته في فَهم حركة الحياة بما في ذلك الحياة الأدبية.
- النقد الثقافي/ الإرهاصات والمفهوم:
تحتضن إرهاصات البداية الخاصة بظهور "النقد الثقافي" فكرة تراجع النظرية أو المنهج، حيث تجتمع الرؤى من مدارس مختلفة لتنجز نقدًا يعتنق الرؤية الحداثية الشاملة قبل التقيّد بضوابط منهج ما.
ولقد كانت أول ممارسة للنقد الثقافي في أوربا مع بداية القرن الثامن عشر، لكنها ممارسات لم ترق إلى مستوى معرفيّ إلا مع بداية التسعينيات من القرن العشرين وذلك حين دعا الباحث الأمريكي "فنسنت ليتش" إلى نقدٍ ثقافيّ ما بعد بنيويّ مهمته تمكين النقد المعاصر من الخروج من نفق الشكلانية، والدخول في أوجه الثقافة، ولا سيما تلك التي يهملها عادة النقد الأدبيّ. ويعدّ "ليتش" أوّل مَنْ أطلق مصطلح النقد الثقافي، وقد توقف أثناء تحديده للمصطلح عند الثقافة، وعبر عنها بأنها" دينامية( نشطة وحية)ومتعددة الأوجه، يدخل فيها الاقتصاد والتنظيم الاجتماعي والقيم الأخلاقية والمعنوية والمعتقدات الدينية والممارسات النقدية والأبنية السياسية وأنظمة التقييم والاهتمامات الفكرية والتقاليد الفنية ، وعبّر "ليتش" عن خصائص النقد الثقافي بأنه لا يكتفي بالرصد الجمالي للنصوص، بل ينفتح إلى غيرها من الأنساق الثقافية، كما يستفيد من مناهج التحليل العرفية في تأويل النصوص ودراسة الخلفية التاريخية.
وإذا كان "ليتش" هو أوّل من حدد مصطلح النقد الثقافي في الغرب، فإنّ "عبد الله الغذّامي" يعدّ أوّل من عرّبه وطبقه على الخطاب الأدبي العربي. وقد عرف الثقافة بأنها: "آليات الهيمنة من خطط وقوانين وتعليمات ... ومهمتها هي التحكم بالسلوك"
وذلك بالإضافة إلى التعريف المعتاد بأنها أنماط السلوك والخبرات ومجموع العادات والتقاليد. وبذلك يكون للثقافة بعدان، الأول: مختزن، والثاني: مهيمن.
وفي سبيل وصول الغذّامي لمفهوم محدّد "للنقد الثقافي" أخذ يتساءل: "هل في ديوان العرب أشياء أخرى غير الجماليات التي وقفنا عليها ...؟" وكانت بداية الإجابة منه على هذا السؤال تحمل بُعدًا انفصاليّا حادًا، وذلك حين وقف ،في ندوة شعرية عقدت بتونس ،يُعلن موت النقد الأدبيّ، وإحلال النقد الثقافي مكانه. وفي إطار هذا الإعلان الغذاميّ الخطير اتهم الغذامي النقد الأدبيّ بأنه "أوقعنا في حالة من العمى الثقافيّ التام عن العيوب النسقية المختبئة من تحت عباءة الجمالي" وهو بذلك يوجه النقد من العناية بالجماليات البلاغية إلى الجماليات الثقافية من حيث البحث عن علاقة النص بالإيديولوجيات والمؤثرات التاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، مع إدخال الدراسة الجمالية أو الأدبية في التحليل النقدي الثقافي، بوصفها جزءًا من الثقافة، على ألا يكون البحث عن الجماليّ في النص مقصودًا لذاته ومقصورًا عليها فقط.
ووَفق هذه النظرة حدد الغذاميّ مفهوم "النقد الثقافي"، بأنه: "فرع من فروع النقد النصوصيّ العام، ومن ثَمّ فهو أحد فروع علوم اللغة وحقل (الألسنية) معنيّ بنقد الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بكل تجلياته وأنماطه وصيغه ... وإنما همّه كشف المخبوء من تحت أقنعة البلاغيّ الجماليّ، وكما أنّ لدينا نظريات في الجماليات، فإن المطلوب إيجاد نظريات في (القبيحات)، لا بمعنى البحث عن جماليات القبح ... وإنما المقصود بنظرية القبيحات هو كشف حركة الأنساق وفعلها المضاد للوعيّ وللحس النقدي" .
لقد أمسك "الغذامي" بالعيب الأكبر للبلاغة والنقد الأدبي، المتمثل في أن البلاغة لا تخترع الجماليّ ولا تؤسسه، فقط تقول لنا: لماذا الجميل جميل ...؟ وتعجز عن الكشف عن مضمرات الخطاب الثقافي وعيوبه النسقية.
النقد الأدبي والنقد الثقافي/مسألة تهديد الجماليّ:
إذا كان النقد الأدبيّ يهتم بالنصوص ذات القدرات الجمالية والبلاغية مع إهماله النصوص المهمّشة، كما يركز على المنتوج الدلالي للغة النص، ويهتم بالجانب الفني للكلمة داخل إطار النص، والكشف عن جمالياتها البلاغية، مع الاستفادة من القواعد المتوارثة التي يُحكّمها في تحليله الجمالي للنصوص – فإنّ النقد الثقافي يهتم بكل ما يحيط بالنص، يربط النص بسياقه وظرفه، ويستفيد من العلوم الإنسانية والفلسفية،كما أن لديه قدرة على اكتشاف الأخطاء الحضارية،وذلك من خلال البحث عن صلة اللغة بالمجتمع والبيئة لا صلتها بالنص فقط، واهتمامه بالنصوص المهمشة لكونه لا يؤمن بفكرة النصّ النخبوي ، فهو يجمع كل أشكال الخطاب بغض النظر عن مدى القدرات البلاغية المتوفرة للنص.
وهذه المقابلة بين النقد الأدبي والنقد الثقافي لا تعني بحال الانفصال فيما بينهما، وإنما بينهما تماهٍ، إذ النقد الأدبي وجمالياته جزء من الثقافة، وبذلك لا يُهدد النقدُ الثقافي فكرة "الأدبيّة" أو "الجمالية" الخاصة بالأدب، بل هي مسار مهم من مسارات النقد الثقافي إلى جانب التاريخ، والفلسفة، والعلوم الاجتماعية، مما يمكننا من أن نقول: إن الأدب – والحالة هذه- لا يُخشى عليه من هجر خصوصيته الجمالية، فهو يُدرس بوصفه نصًّا أدبيًّا وخطابًا ثقافيًا في آن، وذلك على أساس أن النقد الثقافيّ تجاوز للنصوص، ففي حين يقف "النقد النصيّ" عند الجماليات البلاغية من تقديم وتأخير وأساليب خبرية وإنشائية، وصور فنيّة، ومحسنات لفظية ومعنوية، نجد النقد الثقافي منطلقًا إلى حدود خارج الكلمة وجمالياتها، حدود تتصل بالفلسفة والتاريخ والاجتماع ...، مع عدم إهماله للجمالي، وذلك بهدف الكشف عن النسق المصحح للأخطاء الحضارية.

إضافة تعليق