قراءة في كتاب تجديد الفقه الإسلامي ( ج1)

نحن في حاجة إلي اجتهادات جديدة في المسائل القديمة بما يتفق مع تغير الظروف الزمانية والمكانية . 
إحياء علوم الدين خطوة بدأها أبو حامد الغزالي وصار عليها العلماء حتي الآن . 
ينبغي ترجمة الصاع والوسق , الدرهم والدينار والأوقية ونحوها إلي مقادير العصر ؛ حتي يمكن للناس تطبيقها في حياتهم المعاصرة. 
مقارنة الشريعة بالقانون الوضعي تجلي مزايا الشريعة وثراء الفقه الإسلامي . 
- مهمة المجتهد تنحصر في الكشف عن الحكم الشرعي واستنباط الحكم من صراحة النص أو من دلالته . 
لا يعد العقل مصدرا من مصادر الفقه الإسلامي لأن العقول تتفاوت في إدراكها للأمور كما تختلف مقاييس الخير والشر في نظرها كما أنها ليست معصومة من الاندفاع وراء الشهوات 
التجديد مطلوب اإذا كان الحكم الفقهي مجافيا لمقتضي المصلحة والواقع وكانت المصلحة من جنس المصالح المعتبرة 
هناك ثوابت لا تتغير في الشريعة وأخري قابلة للتغير إعمالا لعقول العلماء وانسجاما مع تغير الأعراف والمصالح ووفاء بحاجات الناس . 

قذفت الحياة المعاصرة بمئات المسائل والقضايا والمشكلات والمستجدات التي تحتاج إلي إجابات واجتهادات من منظور إسلامي , ولعل الإسلام هو الدين الوحيد الذي لا يغلق باب الاجتهاد , بل يعطي للمجتهد المخطئ أجرا رغم الخطأ , وفي ذلك تشجيع للاجتهاد في مواجهة القضايا لاستنباط الأحكام التي تلائم المستجدات , وتوافق النص , وتقنع العقل , ويطمئن إليها القلب . 

وفي هذا الكتاب ( تجديد الفقه ) يتصدي عالمان جليلان لهذا الموضوع , واضعين الأسس والقواعد والبدائل المقترحة , كما يؤسسان لمشروع فقهي إسلامي معاصر يراعي النواحي المتعددة لحياة المسلم المعاصر. 

ويقع الكتاب في قسمين رئيسيين: 
القسم الأول يقدمه د. جمال عطيه حول ملامح التجديد الفقهي المنشود. 
والقسم الثاني يقدمه د. وهبه الزحيلي حول الحاجة إلي التجديد وضوابطه وطرائقه. 

ملامح التجديد الفقهي المنشود: 
إن الدعوة إلي تجديد الكفاية في الفقه الإسلامي ليست جديدة , فقد سبق إلي ذلك بعض الأساتذة الكبار في العصر الحاضر أمثال الأستاذ عبد القادر عودة, والدكتور صبحي محمصاني وغيرهم , كما أن اتجاه التجديد كان هدف بعض المؤسسات كمعهد الدراسات العربية ومعهد الدراسات الإسلامية بالزمالك , ومعهد الشريعة بجامعة القاهرة , وكذلك مشروعات الموسوعات الفقهية التي بدأت بموسوعة جمال عبد الناصر , ثم الموسوعة الفقهية بالكويت .

ويشير المؤلف إلي أنواع التجديد المختلفة ويقول: 
1 - هناك تجديد يتعلق بالشكل وتجديد يتعلق بالموضوع . 
2 - ويمكن أن يقوم التجديد علي أساس منهجي , كما يمكن أن يكون غير قائم علي منهج . 
3 - ويمكن أن نقسم التجديد الموضوعي القائم علي منهج معين إلي نوعين: 
الأول هو التجديد الذي يأتي من خارج النسق الإسلامي. 
الثاني هو التجديد الذي يأتي من داخل النسق الإسلامي. 
ومن أمثلة النوع الأول ما نقرؤه لبعض الكتاب الذين يحاولون إسقاط نظريات غربية حديثة علي الإسلام , ولكن التجديد يجب أن يأتي من داخل النسق الإسلامي . 
4 - والتجديد مطلوب في موضوعين أساسيين وهما: الفقه, وأصول الفقه, وأن العلاقة بين التجديد في الفقه وبين التجديد في أصول الفقه علاقة وثيقة , فالتجديد في الفقه يقوم علي التجديد في أصول الفقه. 

- الملامح: 
* الملمح الأول للتجديد الفقهي المنشود: 
أ - ولعل ما تحتاجه هو تقديم اجتهادات جديدة في المسائل القديمة بما يتفق مع تغير الظروف الزمانية والمكانية, وهذا أحدث كثيرا في تاريخ الفقه الإسلامي , فالاجتهاد حركة دائمة مستمرة والآراء الاجتهادية أيا كانت منزلة أصحابها من الفقهاء لا يجوز إسباغ صفة الثبات عليها, فالثبات لنصوص الكتاب والسنة دون غيرهما, أما الاجتهاد فينبغي أن يساير الواقع المتغير دوما حتي يحقق مقاصد الشريعة, 
فأما تجميده واقتصار الدراسات الفقهية علي نقل أقوال السابقين وحفظها وتكرارها, فهو من أهم أسباب توقف النمو في حياة الأمة الفكرية عموما والفقهية خاصة, والاجتهاد من فروض الكفاية - أي من واجبات الأمة أن يكون فيها دائما مجتهدون يقومون بهذه الفريضة . 
ولا يغني وجود كتب المجتهدين الذين سبقواعن وجود هذا المجتهد, ومن هذا قولهم بعدم جواز خلو عصر من مجتهد, 
والاجتهاد طبيعته مطلقة غير مقيدة بالاختيار من بين آراء الأقديم, ولم يتركوا للمتأخرين شيئا,

ولنضرب بعض الأمثلة لما يحتاج إلي اجتهاد معاصر: 
- انبثاق مؤسسات اجتماعية عن فريضة الزكاة. 
- تحويل زكاة الركاز إلي صندوق تنمية للعالم الإسلامي. 
- تطوير فقه المرأة بعد أن اختلف وضعها من حيث الاستطاعة والطاقة.( !!! ) 

وهناك اجتهادات معاصرة في بعض هذه المسائل ولكنها بقيت خارج جسم الفقه, فلا تدرس في كليات الشريعة, وتظل كتب الفقه التراثي هي وحدها التي تدرس , وهي وحدها في المكتبات ومعارض الكتاب. 

ب - العنصر الثاني يتمثل في حاجتنا إلي تقديم اجتهادات في المسائل المستحدثة; لأنه النتيجة الحتمية لقاعدة صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان عن كونه الدين الخاتم, وكونه للناس كافة, ولقاعدة إن النصوص متناهية, والأحداث غير متناهية, 

والفقهاء المعاصرون لا ينكرون من الناحية النظرية ضرورة الاجتهاد فيما يستجد من مستحدثات , ولكنهم لا يجرؤون - من الناحية العلمية - علي اقتحام هذا الباب متعللين بشتي الأعذار مثل عدم توفر شروط المجتهد المطلق في زماننا, ومن يتجاوز منهم هذه التعلا ت يطلق الفتاوي دون بيان منهجه في الاجتهاد أو بيان دليله الشرعي , وبعضهم يقيس علي أقوال الفقهاء الأقدمين في مسألة مشابهة. 

ويوضح المؤلف أنه يتجاهل وجود بعض الاجتهادات في المسائل المستحدثة المبرأة من هذه العيوب , خاصة الفتاوي والاجتهادات الجماعية التي تصدر عن المجامع الفقهية والمؤتمرات العلمية , والرسائل الجامعية , ولكنها تبقي خارج قسم الفقه فلا تدر س في كليات الشريعة , ولا تقدم للجماهير , وذلك مثل بعض صور الشركات المستحدثة ومعاملات البنوك , والتأمين , والبورصات , والاستنساخ وغيرها. 

ج- - العنصر الثالث من عناصر هذا الملمح يتمثل في أمرين: 
1 - ربط الأحكام بعضها ببعض , وربط الأحكام الجزئية بالمقاصد الكلية العامة للشريعة وللرسالة الإسلامية , فإن الإسلام كل لايتجزأ; لأن الأحكام ترتبط بعضها ببعض . 
2 - ضرورة التوسع في مفهوم (الفقه) بحيث تعود إلي المفهوم اللغوي له أو نقترب منه , ونعني بالمفهوم اللغوي للفقه الاستعمال القرآني لكلمة (الفقه), حيث تطلق علي مجموع العقائد والأخلاق إلي جانب العمل والمعاملات , وحيثما نشأت العلوم وانقسمت اقتصر إطلاق كلمة (فقه) علي ما يتعلق بالأحكام العملية, وفي مرحلة تالية انقسمت المادة الفقهية المتعلقة بالأحكام العملية بدورها إلي قسمين: 
قسم بقي تحت عنوان (الفقه), وقسم آخر استقل بعنوان (السياسة الشرعية), 
وكان معيار هذا التقسيم هو الأدلة الشرعية نفسها, فإذا كانت الأدلة تعتمد علي النصوص بصورة غير مباشرة , فإنها تندرج تحت (السياسة الشرعية )وتحت مفهوم (السياسة الشرعية), يندرج ما نسميه الآن ب(القانون العام) كنظام الحكم والمسائل المتعلقة بالنواحي الاقتصادية والمالية, والعلاقات الدولية, 
ويقترح المؤلف هنا أن نعيد هذه الفروع مرة أخري إلي حظيرة الفقه, والصورة المقترحة بالنسبة إلي العقيدة هي ربطها بالأحكام , وبيان أثرها فيها. 

أما الصورة المقترحة بالنسبة للأخلاق والآداب الشرعية والمقاصد فإدخالها ضمن الفقه بشكل كلي وجزئي حسب الأحوال, أما بالنسبة إلي السياسة الشرعية, فتدخل ضمن الفقه وفقا للتقسيمات الحديثة في القانون العام والاقتصاد. 

د - العنصر الرابع هو أن نوضح الأحكام الشرعية الضابطة لكل علم من العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية المعاصرة , سعيا إلي ربط هذه العلوم بمظلة الفقه. 

- الملمح الثاني للتجديد الفقهي المنشود: و هو يتعلق بمصادر المادة الفقهية, فهناك مجموعتان من المصادر ينبغي في رأي المؤلف الرجوع إليهما. 

ج- - المجموعة الأولي تراثيةحيث توجد مجموعات من المؤلفات التي تحمل عناوين متعددة مثل النوازل والفتاوي والأقضية, نادرا ما يرجع إليها الباحثون , وترجع أهمية هذه المؤلفات إلي اتصالها بالواقع أكثر مما تتصل به الكتابات الفقهية التقليدية. 

ومن المؤسف أنه في عصرنا الحاضر - ورغم تنظيم المحاكم الشرعية في كثير من البلاد الإسلامية - فإن مجموعات الأحكام لا تنشر, وحيث تنشر لا يرجع إليها في الكتب الدراسية في كليات الشريعة والقانون . 

ب - المجموعة الثانية حديثة تتمثل في : 
1 - الكتب الفقهية المعاصرة سواء كانت لكبار الكتاب المعاصرين أو للأجيال الجديدة من طلاب الماجستير والدكتوراة الذين اختاروا موضوعات فقهية لبحوثهم , 
ومع الأسف فإن كثيرا من هذه البحوث لم يتم نشرها, وهذه البحوث محفوظة في مكتبات الجامعات , وينبغي الرجوع إليها; لأنها تسد ثغرات كبيرة في هذا المجال , ولمكانتها كمصادر في جسم المادة الفقهية. 

2 - نأتي بعد ذلك إلي البحوث العلمية التي قدمت إلي مؤتمرات ندوات علمية أو نشرت في مجلات علمية محكمة, وينبغي الاستفادة منها في مشروعات التجديد الفقهي. 

3 - يضاف إلي ما سبق من مصادر للمادة الفقهية المجامع الفقهية التي تعرضت في الآونة الأخيرة للكثير من المسائل المستحدثة , تصلح لأن تكون مصدرا من مصادر المادة الفقهية , ويعدها البعض صورة من صور الاجتهاد الجماعي. 

- الملمح الثالث للتجديد الفقهي : ويتعلق بالتصور الذي نطرحه للتجديد الفقهي في ضرورة : 
1 - توثيق الآراء الفقهية ببيان مواضع هذه الآراء في مراجعها الأصلية وبيان تاريخ الطبعة والناشر. 
2 - بيان الأدلة الشرعية التي يستند إليها الفقيه, فإن كان آية من القرآن فبيان رقمها في سورتها وإن كان حديثا نبويا فبيان المرجع الذي أخذ منه وتحقيق درجة صحته. 

- الملمح الرابع للتجديد الفقهي : ويتمثل في بث الروح في الكتابات: 
ب - وقد كتب د. يوسف القرضاوي في هذا المعني أنه ينبغي بيان الحكمة من التشريع حتي يقتنع به العقل , ويطمئن به القلب فإن الله تعالي لم يشرع شيئا إلا لحكمة , كما تنزه عن الباطل في خلقه : ( ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ). 

وينبغي الاستفادة مما يكتبه الاختصاصيون في هذا العصر مما يفيدنا في بيان حكمة الشرع مثل ما يكتبه الأطباء في بيان مضمار الخمر وأكل لحم الخنزير ونحو ذلك , إن عيب الفقهاء في كتبهم في أنهم وجهوا عنايتهم إلي الظاهر, ولم يلتفتوا كثير ا إلي الباطن . 
ج- - وأنا أضم صوتي إلي صوت كل من د. القرضاوي وأري علاج هذا الوضع فيما سبق أن أشرت إلي الملمح الأول من إعادة الأخلاق والآداب الشرعية إلي الفقه , ومن ربطه بالعقيدة وبمقاصد الشريعة . 

ولا يكون ذلك بمجرد إضافة أبواب أو فصول في هذه الموضوعات جنبا إلي جنب مع أبواب الفقه وفصوله, وإنما ينبغي إثبات هذه الأمور في مواضعها من فروع الفقه ومسائله حسب الأصول , ومن وجهة نظر المؤلف لتيسير ذلك أمران: 
1 - إنجاز تصنيف تمتزج فيه بمسائل الفقه ما يتصل بها من أمور العقيدة والأخلاق والمقاصد والآداب . 
2 - أن يراعي في إعداد الفقهاء والمفتين والقضاة , وعند اختيارهم وجود استعداد الشخصي , والإمكان العملي لقيامهم بهذه المهمة. 
- الملمح الخامس في التجديد الفقهي : ويتمثل في أهمية إجراء دراسات مقارنة بين المذاهب المختلفة الأربعة السنية, بل وآراء المجتهدين الذين اندثرت مواهبهم ومناقشة الأدلة التي يستند إليها كل مذهب . 
أ - والدواعي إلى الدراسة المقارنة نوجزها فيما يلي: 
1 - تدعيم وحدة الأمة الإسلامية. 
- من أهم دواعي الدراسة المقارنة أنها ضرورية لعملية تقنين الفقه الإسلامي , إذ أنه من المستقر عليه منذ تقنين مجلة الأحكام العدلية , ثم من مشروعات التقنين العامة في العديد من البلاد, ألا يلتزم المذهب السائد في كل دولة بصورة مطلقة, وإنما يخرج عنها لاختيار الناس من الآراء , بما يحقق المصلحة , بمعني أن حركة التقنين المعاصر للفقه الإسلامي تنظر إلي الفقه الإسلامي بمجموع مذاهبه , ومن هنا كانت الدراسة المقارنة ضرورية لحركة التقنين. 

3 - هناك حاجة كذلك للدراسات المقارنة في الفقه الإسلامي بغية: 
- تسهيل مساهمة الفقه الإسلامي بإمداد القانون الدولي الذي تحكم بمقتضاه محكمة العدل الدولية , وتزويدها بالقواعد والنظريات القانونية. 
- رجوع هيئات التحكيم الدولية في تفسيره وتطبيق عقود الامتياز في بعض الدول الإسلامية التي تنص دساتيرها اعتبار الشريعة مصدرا وحيدا أو أساسيا يرجع إليها عند الخلاف . 
- تيسير دراسات القانون المقارن في الجامعات والمعاهد والمؤتمرات , باعتبار الشريعة نظاما قانونيا تجري دراسته مع باقي النظم. 
ب - أسلوب المقارنة: يوضع الرأي الخاص بكل مذهب في فقره مستقلة عن الفقرات الخاصة بالمذاهب الأخر, وعلي الرغم من أن بعض هذه الفقرات قد تحمل معنى واحدا, ولكن بعبارات مختلفة. 
 

إضافة تعليق

3 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.