نقد ثقافي ام نقد ادبي ؟ (ج3)

ممارسة النقد الثقافي/في الكيفية:لابد أنْ نتفق على أن النص يصدر عن ثقافة، "وإذا ما كان الشعر هو ديواننا، أي سجلنا الثقافي والحضاري، فإنّ هذا سيعني بالضرورة أننا سنستلهم منه نماذجنا في الفعل وفي التصور، وسنتمثل سيئاته مثلما نتمثل حسناته، ولن نسلم من سيئاته إلا لو جرت عمليات نقد منهجيّ يُشرّح الخطاب الشعري، كذلك الذي نشأ في علم مصطلح الحديث" ، من ثمّ فيمكن أن نحدد كيفية ممارسة النقد الثقافي وفق خطوات محددة:

- الابتعاد عن حدود الكلمات المباشرة، وربط النص بكل محيط فهو منتج ثقافيّ يؤثر ويتأثر بغيره.

- تناول الخطاب الجماهيريّ، الذي يحظى بمقروئية عريضة من الناس، بغض النظر عن شكله أكان شعرًا أم نثرًا، حكمة أم مثلا، نكتةً أم أغنية...

- الاستفادة من العلوم الإنسانية المرتبطة بأشكال الخطاب المنقود. 

- البحث فيما ورائية الخطاب من مضمرات نسقية، وذلك للوصول إلى طريقة التفكير وأشكال السلوك، وأساليب التعبير، وكل ما يتصل بالجوانب المادية والروحية والفكرية والعاطفية.

- الإلمام بسيرة الشاعر، والاستفادة من الحكايات التي تسردها الكتب التاريخية.

- الربط بين الشاعر ونصّه وثقافته.

- الربط بين اللغة والنص من جهة واللغة والنص والثقافة من جهةٍ أخرى.

- معرفة الدلالات النسقية الموجودة في الجملة الثقافية، والمستترة خلف البهرجة اللفظية وجماليات البلاغة.

- القدرة على تأويل الرموز والأقنعة وتحليلها.

- الكشف عن المثاقفة التي تعبّر عن اتصال ثقافتين مختلفتين بحيث يفرض هذا الاتصال تغييرًا في شكل الثقافة السائدة.

- عدم إهمال الجانب الجمالي، وعدم قصر التحليل عليه، فهو عنصر ثقافي ينضاف إلى بقية العناصر الأخرى في الخطاب المنقود.

وتطبيقا لفكرة الأنساق التي أسس لها النقد الثقافي، نجد أنه لم يعد من المجدي ثقافيا أن نقول في رصد جماليات الصورة مثلا إنها تشبيه أو مجاز أو استعارة..،دون أن نبيّن الأنساق الموجودة خلف هذه الجماليات الفنية للصورة، وذلك بوصف النص مجموعة من العلامات الثقافية، بعد أن صار مكونا من جملة نحوية وبلاغية مضافا إليها جملة ثقافية.

وإذا كانت الجملة النحوية ذات وظيفة نفعية تواصلية، والجملة البلاغية ذات وظيفة أدبية جمالية تضاف للخطاب الأدبي ، فإن الجملة الثقافية تشير إلى المخزون الفكري الذي يحمله النص، أيًا كان هذا النص، وهذا المخزون لا يتعلق بإرادة المؤلف أو المرسل، ذلك أن هناك مؤلفًا مضمرًا يختبئ في لا شعوره، يملي عليه القواعد الأساسية للنسق الفكري المضمر.

وإذا كان الناقد الأدبي يبحث عن مواطن الجمال في النص الأدبي تبعا للمنهج الذي يتبناه،ويعمل على اكتشاف العيوب الجمالية في هذه النصوص، فإن الناقد الثقافي يتجه إلى بيان الأنساق الفكرية التي ينهض عليها النص، وجلاء عيوب هذه الأنساق الثقافية.

وبذلك يظهر لنا أن النقد الثقافي لا يبقى مشروطًا بالظاهرة الجمالية وحدها، بل بنسق مضمر يستعين بهذه الوسائل الجمالية لتمرير عيوبه وأيديولوجيته تحت الغطاء الجمالي. لذا فإننا في الوقت الذي نكشف فيه عن مستويات الجمال الصوَري في نص ما، نعمد إلى إبراز قبحيات هذه الجماليات من الناحية الثقافية.

- نموذج للتحليل الثقافي/ الجامع الأموي:

وهو نموذج مستل من كتاب النقد الثقافي للغذامي، يبين من خلاله التحليل الثقافي لنموذج معماري له شهرته في الثقافة العربية وهو الجامع الأموي،الذي يتحول إلى نص قابل للتحليل والقراءة، إذ يمكن قراءة هذا النص أو تحليله وفق المستويات الآتية:

1- القيمة النحوية: وهي تقابل الجمل النحوية ذات الدلالية النفعية في علم النحو. والجامع الأموي من هذه الناحية، أعني وظائفه النفعية، مكان للعبادة، وقراءة القرآن، وتلقي الدروس، والاسترخاء والتقاء الناس. وكل هذه الوظائف نفعية، وقد وجد الجامع ليؤدي هذه الوظيفة، ولذلك فإن أيّ خلل في أداء هذه الوظيفة سيظهر على أنه لحن أو خلل في النص، كأن يُمنع الناس من الدخول إليه، أو ينقطع الماء فلا يتوضأ المصلون .

2- الدلالة الجمالية: فالجامع الأموي مبنى جميل، فيه الكثير من النقوش والرسومات الهندسية الأخاذة التي تبهر الناظر إليها، وهو من هذه الناحية مشابه للنص الأدبي الذي يحمل دلالات جميلة. ويشترك الجميع في تلقي هذه الوظيفة سواء أكانوا من المنتفعين بقيمته النحوية أم لا. ولكن النقد الأدبي يقف عند هذه الوظيفة مذ كان همّه البحث عن الجمالي، والكشف عن العيوب التي تضرّ بالوظيفة الجمالية للنص.

3- الجملة الثقافية: يتحول الجامع الأموي في هذه القراءة إلى جملة ثقافية تحمل أو تكشف إشكالاً ثقافيًا، أو علامة ثقافية. وأهم هذه العلامات نسبة المكان إلى الحقبة الأموية التي تمثل حقبة عربية إسلامية، وتدل على خطاب يمثل حالة تحول جذري في تكوين الأمة. فهو مسجد ينسب إلى عشيرة، تحتل موقعاً جدلياً في نفوس المسلمين، وعلامة على تحول الخلافة إلى ملك. ومن الضروري التساؤل عن سبب بقاء هذا المكان من الحقبة الأموية، رغم زوال القصور والعمارات التي اتخذها خلفاء بني أمية.

وبذلك يرى الغذامي أن النسق المضمر في الجامع الأموي نسق مضادّ للسلطة والتاريخ، فالمكان لا يحتفظ من الحقبة الأموية إلا باسمه، أما ما سوى ذلك فإنه لا يمتّ إلى هذه الحقبة بِصِلة، بل إنه يشكل نسقًا مضادًا لنسق السلطة. فالقبر الذي فيه هو قبر لنبيّ ليس له ديانة معروفة، وليس له أتباع، ومن ثم فهو لكل الناس ما دام غير محصور بفئة أو دين أو طائفة، كما أنّ في المسجد قبرًا للحسين بن علي، وهو الرجل الذي قام بالثورة على خلفاء بني أمية، وبذلك فإن كل ما في المسجد ليس أمويًا باستثناء الاسم.

وعلى المستوى الشعري قدم الغذامي قراءات للأنساق الثقافية للمتنبي، وأبي تمام، وأدونيس، ونزار قباني، وهو في كلٍ حاول الخوض وراء الظاهر الجمالي، وكشف عباءة التزييف للمتنبي بوصفه نسقا دونيا، ولأبي تمام لكونه شاعرا رجعيا، ونسق الاستفحال وتزييف المشاريع الإبداعية لدى كل من نزار قباني وأدونيس، وهو ما يطول تتبعه هنا . وبذلك يصير النقد الثقافي أداة نقدية لا تبرر العمل وتعمل على تسويقه من الناحية الجمالية، وإنما تعكف على رصد أنساقه الثقافية والكشف عن عيوبه الثقافية؛ ليصير النص والنسق جدلية كبرى تشرِّح ثقافة الحياة.

إضافة تعليق

2 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.