قراءة في كتاب تجديد الفقه الإسلامي (ج 3)

ويوضح المؤلف أنه وبعد هذا العرض الموجز لملامح التجديد الفقهي الذي ندعو إليه بقي أن نبين أمرين:
الأول - الرأي في الأعمال الفقهية التي تمت خلال هذا القرن الأخير.
الثاني - الصورة المقترحة لتنفيذ التجديد المأمول .
وحول الرأي في الأعمال الفقهية المعاصرة يري أن:
1 - كتاب الفقه علي المذاهب الأربعة قد أدي دوره خلال فترة زمنية معينة كمرجع للثقافة الدينية العامة, ثم حل محله كتاب فقه السنةالذي مايزال يؤدي هذه الوظيفة, كما يمكن أن يسد حاجة الطالب في المواد الشرعية.
2 - وإن كتاب الفقه الإسلامي وأدلته يسد حاجة الدارسين للعلوم الشرعية في المرحلة الجامعية الأولي مغطيا بذلك جميع مقررات الفقه.
3 - وإن موسوعة جمال عبد الناصر-المجلس الأعلى- تعد جهدا مفيدا للباحثين.
4 - أما موسوعة الكويت - حين ينتهى منها- فإنها تكون قد سدت فراغا في المكتبة الإسلامية.
5 - وتبقي الحاجة قائمة إلي مدونة تغطي جميع المواصفات وتكون أكثر تفصيلا .
تجديد الفقه الإسلامي
إن الإسلام الحنيف هو الدين الجامع لصالح الدنيا والآخرة , والمنظم لعلاقات الإنسان الثلاث : علاقته بربه, وعلاقته بنفسه, وعلاقته بمجتمعه.
الأولي: تنظمها العبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة ونحوها.
والثانية - تنظمها الآداب والأخلاق المقررة في القرآن الكريم والسنة النبوية.
والثالثة - تنظمها المعاملات المدنية والجنائية والدولية والاجتماعية (أحكام الأسرة) المشروعة بالوحي الإلهي .
فليس هذا الدين عبادة فقط , أو آدابا وأخلاقا نفسية واجتماعية فقط , وإنما هو نهضة دينية ودنيوية , روحية ومادية أو مدنية معا, ومقومات هذه النهضة العمل علي إصلاح الفرد والجماعة وإصلاح الأسرة والأمة, وإصلاح البيئة والعمل, وتقويم الأخلاق, والنهوض بالأمة في الدين والعلم والثقافة, فكان بذلك خاتمة الأديان, وكان رسوله عليه الصلاة والسلام خاتم الرسل .
والإسلام سواء في الدائرة العربية أو الإسلامية أو العالمية يتسع لكل تجديد في كل زمان ومكان فلا يقف التجديد الممكن فيه أمام كل تطور وتقدم.
ومن خلال الإحساس بواجب التفاعل مع التطورات والتخطيط للمستقبل الزاهر, كان لا بد لنا من تبيان ضوابط التجديد, ومدى الحاجة إليه, ومعرفة مجال التجديد ودواعيه, وتخليص الفقه الإسلامي مما انتهي وقت أوانه كمسائل الرق.
- مشتملات الشريعة:
الشريعة الإسلامية شريعة متكاملة تشمل مختلف أحوال الإنسان في دينه ودنياه وآخرته, وأحكامها شبكة مترابطة محكمة من العقيدة والعبادة , والأخلاق وأنظمة المعاملات الداخلية والخارجية , وكل جانب من هذه الجوانب يكمل الآخر ولا ينفصل عنه, وتظل رقابة الشرع قائمة من غير إغفال ولا تعطيل, حتي يصحح العمل أو التصرف بحسب ما يرضي الشارع , من أجل خير الإنسان نفسه, أو إقامة المظلة المحكمة لتفعيل دور الحق والعدل والإنصاف في ميزان التعامل.
أما العقيدة وإن كانت في الظاهر أمرا باطنيا أو داخليا في قلب الإنسان ومشاعره من الإيمان بالله , وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر, وبالقدر خيره وشره من الله تعالي , فإنها تفيد في تحقيق عامل الرقابة والخشية من الله تعالي في السر والعلن , وتدفع الإنسان إلي سلوك جانب الاستقامة, لإقامة عالم التوازن والتعادل في العطاءات, أو في الحقوق.
ومن أهم مداخل المنازعات : العقود وما ترتبه من حقوق والتزامات, ورقابة الله تعالي تحمل الإنسان علي تجنب الظلم, والغش والتدليس, فلا يصح فصل المعاملات عن العقائد في الإسلام, توصلا إلي تقويم المعاملة, وحمايتها من ألوان المفاسد.
وكذلك العبادات التي هي ذات أغراض تهذيبية بالتحصن بتقوي الله تعالي كالصيام, وتحقيق المنافع المادية والمعنوية كالحج , والبعد عن الفحشاء والمنكر كالصلاة بأنواعها المختلفة , تحمل المسلم علي التزام ضوابط الشريعة وشروطها في المعاملات , والامتناع عن الحرام أو المحظور, فهي مع أصالة العقيدة تلازم المعاملات , وتحقيق غرض الشارع من تشريعها, والحفاظ علي التزاماتها من غير تهرب ولا خداع , فيتم بذلك استقامة التعامل , وسلامة الكسب .
وأما الأخلاق الإسلامية: من صدق, وأمانة, وصراحة, وإتقان, ووفاء بالعهد, وأداء الحق كاملا ونحو ذلك يجعل المعاملات الاقتصادية في حال من الاستقرار, والنمو, والازدهار, والثقة إلي الوصول إلي الحق, ومراعاة الشروط.
وأما نظام المعاملات في الإسلام: فمحدود في أحكام القرآن وآياته كالامتناع عن الظلم وأكل أموال الناس بالباطل, وأكل الربا, وكذلك في الأحاديث النبوية الواردة في هذا الشأن مثل: النهي عن بيع الغرر, وبيع الشيء قبل تملكه, وعن بيع الرجل علي بيع أخيه, وعن بيع التمر قبل بدو صلاحه , وغيرها من البيوع الفاسدة.
إن إقامة شبكة اتصال بين أصول الشريعة وفرعها, يقصد به تحقيق اقتصاد متوازن بين العرض والطلب, وبين الإنتاج والاستهلاك, وعدم السماح إلا بالربح المشروع , وإبقاء علاقة الفرد والجماعة وتكاملها وهيمنة دوافع التراحم, والسكن والمودة, وهو الهدف من جعل الإسلام شريعة وعقيدة يقوم علي دعائم ثلاث هي: العقيدة, أو الإيمان الصحيح, والعبادات, والأخلاق وهذه تكون الفرد المؤمن, وتكفل من خلال المعاملات بناء صرح المجتمع القوي.
فمن أخل بنظام التعامل الاقتصادي الإسلامي, فهو ظالم لنفسه ولإخوانه.
- التشريع والفقه والعقل:
إن مصدر التشريع الإسلامي هو الله تعالى , وهذا يعني أن مصدر جميع الأحكام التشريعية (التكليفية والوضعية) هو الله تعالي , وليس المصدر هو البشر,
والعلماء يقولون: لا حاكم إلا الله رب العالمين, وإنما مهمة المجتهد في الإسلام تنحصر في الكشف عن الحكم الشرعي, واستنباط الحكم من صراحة النص أو دلالته, كما ليس للأ مة إيداع حكم جديد في شرع ال له ودينه, فسلطة التشريع لله تعالي, وهذا بخلاف القوانين الوضعية, فإن التشريع فيها لعقول الأمة,
والتشريع عندهم له معنيان: عام وخاص.
أما العام: فهو وضع القواعد القانونية اللازمة لحكم العلاقات الاجتماعية بين الناس , بصرف النظر عن كونه تلك القواعد قد نتجت عن مصدر من مصادر القانونية أو عن تفسير للقواعد القائمة.
وأما الخاص: فهو تعبير عن إرادة السلطة العامة قصد به وضع القواعد القانونية, وإلزام الناس باحترامها, وهذا المعني أكثر شيوعا من العام, إذ هو المقصود من لفظ التشريع عند إطلاقه, وهذه السلطة تعتمد في وضع القانون علي نتاج العقل البشري وتفكيره.
أما في الإسلام: فلا يعد العقل مصدرا من مصادر الفقه الإسلامي عند فقهاء الشريعة; لأن العقول البشرية تتفاوت في إدراكها للأمور, وتختلف مقاييس الخير والشر في نظرها, وأنها ليست معصومة من الاندفاع وراء الشهوات والنزوات,
ثم إن نتاج القوانين الوضعية لا يقوم علي أساس من الدين والأخلاق , وإنما مهمتها إقرار ما عليه من واقع المعاملات في المجتمع, سواء أكانت حقا أم باطلا , لذلك كانت القوانين قاصدة عن دائما تحقيق العدالة والمصلحة والاستقرار, مما يحوج القوانين إلي كثرة تغييرها وتبديلها وإصلاح الناقص فيها, إن الذين يهرولون بتجديد الفقه الإسلامي إنما يتأثرون بصنع رجال القانون الوضعي, كما يتأثرون بكتابات المستشرقين ودعاويهم التجديدية لهذا الفقه, وهم لايريدون إلا هدم الشريعة والفقه, وجعل الأحكام الشرعية ع رضة للتبديل والتغيير أو النسخ .
فهي كلمة حق في الظاهر, يراد بها باطل في الواقع , وأوضاع تخلف العالم الإسلامي ليس منشؤها العمل بالشريعة الإسلامية, ونحن مع التجديد في الإطار الممكن المسموح به شرعا ولسنا سائرين في مظان استبعاد الشريعة شيئا فشيئا, والعمل بالأهواء.
والمؤسف أن أصرح دون مجاملة أن بعض حاملي لواء التجديد المعاصر أغلبهم تتلمذوا في الغرب , ومعرفتهم بالإسلام سطحية, ويصادمون نصوص الشريعة المطهرة, وأن موكب التجديد الموضوعي المقبول له ضوابطه وقواعده, وقيوده, وأصوله, ومن ثمرة الدعوة إلي هذا التجديد: التمييز بين الشريعة والفقه.
أما الشريعة الإسلامية: فهي مجموعة الأحكام الآمرة أو الناهية التي تضمنها القرآن الكريم, والحديث النبوي الثابت, وهذه لاتقبل التغيير والتبديل أو التجديد, أو السخ أو الإلغاء, أو التقييد دون دليل معتد به أو برهان مقبول شرع ا.
وأما الفقه الإسلامي: فهو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية, أي أدلة أو مصادر الاستنباط من قرآن, وسنة وإجماع, وقياس, واستحسان, واستصلاح, ونحوها.
وبعبارة أخري: فإن الدعوة لتجديد الفقه الإسلامي مقبولة ضمن إطار معين, ولا تقبل علي إطلاقها.
- الحاجة إلي التجديد ومداه:
الناس بحسب طبائعهم وتطلعاتهم يحب ون التجديد, ويسيرون وراء المجد دين, حيث إنهم مولعون بالحديث وترك القديم, والتجديد مطلوب إذا كان الحكم الفقهي مجافيا لمقتضي المصلحة والواقع, وكانت المصلحة من جنس المصالح المعتبرة شرعا, ومراعاة مقصود الشارع بحفظ الدين, أو العقل, أو العرض, أو المال,
ويتعين التجديد إذا كانت المسألة حديثة النشأة, ليس فيها نص ولا اجتهاد مثل المسائل الطبية والمعاملات وحتي عقود الزواج . كما أنه لا مانع -وهو الموافق لدقة النظر في حقيقة الحكم - من تغيير المراد بالمصطلح الفقهي, وتجديد النظرة إلي الواقعة إذا كانت غير موجودة في عهد نزول الوحي , وليس معروفة في الوسط القائم بين الناس, مثل كلمة (التصوير), فإن المراد حين نزول القرآن وفي العهد النبوي: هو التصوير المجسد أو المجسم , أما التصوير الخيالي الحديث فليس مرادا به مضاهاة أو محاكاة خلق الله , مثل التماثيل أو كل ما له أثر مادي بارز , بحيث يصير لها ظل , فهذه هي الحرام قطعا ما عدا لعب الأطفال,
ولا يقبل ادعاء حلها لتعلق النص بها, ولا ادعاء الحل لتطور العقل البشري , والبعد عن تعظيم الأصنام والأوثان , وهذا مناف للواقع , فإن الوثنية ما تزال قائمة في إفريقية وغيرها.
ومن أمثلة تغيير المصطلح : قول الاقتصاديين بأن الفائدة المصرفية ليست ربا, وإنما هي مشروعة للتضخم, أي إنها تعويض مشروع , وهذا غير واقعي , فأي قرض من المصارف الربوية ينص فيه علي نسبة الفائدة - بغض النظر عن التضخم - والربا والفائدة بمعني واحد, وهو الزيادة في العوض من غير مقابل.

إضافة تعليق