الشباب والمستقبل المستدام لعموم الناس

الزراعة المستدامة هي بطبيعتها صناعة أخلاقية. تعرف بأنها التصميم والصيانة الواعية للنظم البيئية المنتجة زراعيا والتي تتمتع بالتنوع والاستقرار والمرونة الموجودة في النظم البيئية الطبيعية. وهي التكامل المتناغم بين المنظر الطبيعي والناس بما يوفر الغذاء والطاقة والمأوى والاحتياجات الأخرى المادية وغير المادية بطريقة مستدامة (دليل التصميم المعمر) وهو ما يؤدي إلى استخدام تقنيات زراعية تحمي البيئة والصحة العامة، والمجتمعات البشرية وترفق بالحيوان. وأولئك الذين ينخرطون في ممارسة أو دعم تلك التقنيات يعرفون بطبيعة الحال أنها الطريقة الصحيحة للعيش في العالم الذي نسكنه.

كانت الفلسفة الكامنة وراء الزراعة المستدامة استجابة، من مزارعي الأسر الصغيرة في الأغلب، للمبالغة في صبغ الزراعة بطابع صناعي في العشرية الأولى من القرن العشرين. ومع مرور الوقت اكتسبت الحركة المزيد والمزيد من الأنصار وقد نمت في عقد الستينيات لتضم أصواتا من الجمهور العام مع ظهور حركات الخضر والعودة إلى الأرض. وقد كان هذا هو الوقت الذي فر الناس فيه من حياتهم الحضرية وشبه الحضرية في محاولة لفضح “النظام” المجتمعي وللمشاركة في العناية بالأرض وناسها. كانت هذه فترة زمنية محورية من الناحية الثقافية، مع ذلك فقد أفرغ الناس المزيد من طاقتهم في الهموم اليومية وفي النضال ضد الظلم اليومي الحال بهم أكثر مما أعطوا من جهد للتخطيط للحالة العامة ومن أجل العثور على حلول من أجل مستقبل أكثر استدامة. وعلى الرغم من تحديد معظم المشكلات البيئية والزراعية والنضال من أجل التغلب عليها من خلال الزراعة العضوية خلال عقد الستينيات، إلا أن بروز نظام راسخ وفلسفة ثقافية يصنع فرقا أطول أمدا كان أمرا يحتاج إلى مزيد من الوقت.

من هنا، من هذه النقطة بالتحديد ولدت فلسفة الزراعة المعمرة. من هنا، من تلمس الاحتياج لإيجاد وسيلة دائمة، ومن ثم تم وضع ثلاثة أسس أخلاقية، وهو ما هيأ الساحة لحركة أخرى.

دعونا نتوقف لحظة لنعيد النظر في هذه الأخلاق التي هي في صميم مهمتنا كمعنيين ومختصين بالزراعة:

العناية بالأرض: توفير الفرصة لجميع نظم الحياة أن تستمر وتتكاثر. أولا وقبل كل شيء، عليك أن تتحمل مسؤليتك الشخصية، عن جميع أعمالك. لتخرج من ضيق أفكارك الخاصة المتمحورة حول العناية بحياة الإنسان فقط، إلى سعة العناية بحياة كل النظم الطبيعية. فكل تفاعل مع عنصر آخر يعطي فرصا متعددة لإدامة الحياة للجميع (بيل موليسون). لا تستغل المنظر الطبيعي ولا نظمه الحية. فجميع الكائنات الحية لها قيمة في ذاتها. لا يمكنك أن تخلق أي شيء، يمكنك فقط تجميع العناصر لتحقيق تطورات إيجابية (جيوف لوتون). لابد أن ترعى وتوفر الرعاية المستمرة للأرض لتتجنب العواقب السلبية. فلتعمل مع النظم الطبيعية بدلا من المنافسة معها، ولتكن اختياراتك الشخصية هي التي تساعد الأرض على الازدهار.

العناية بالناس: إتاحة الفرصة للناس للوصول إلى تلك الموارد الضرورية لوجودهم. أنشئ ترابطا تعطى فيه القيمة لمساهمات الأفراد بدلا من أنماط التعارض والتنافس في العلاقات. انظر إلى كل البشرية كعائلة واحدة، وإلى كل أشكال الحياة كمجتمعات متحالفة. ولتمد عنايتك من الناس إلى الأنواع، لأن كل أشكال الحياة ذات أصول مشتركة (بيل موليسون). إعادة تعريف الثروة، لتمتد إلى الوفرة في القيم مثل الهواء النقي، والمياه النظيفة، والمواد الغذائية الغنية بالمغذيات والسكن المعقول والمجتمعات القوية (جيوف لوتون). إذا تمت تلبية احتياجات الناس فسوف تزدهر البيئة المحيطة. ركز على الرفاه غير المادي لمجتمعك.

إعادة الفائض: بالتحكم في احتياجاتنا الخاصة، يمكننا أن نجد موارد للمضي قدما في تعزيز المبادئ السابق ذكرها. أما إذا اخترنا مراكمة الثروة، والقوة، وحيازة الأراضي أكثر مما نحتاج في عالم محدود الموارد فإن هذا يعد بحق انعداما للأخلاق، أيا كان هذا السلوك، من قبل فرد، أو مؤسسة أو دولة قومية. كل كائن لابد أن يقدم بدائله للموارد المستهلكة بمسئولية، وعلى المجتمع كشرط استخدام أن يقدم بديلا مساويا أو أكثر للموارد التي استخدمها (بيل موليسون). إن إعادة الفائض يتواصل تأثيره المباشر في المبدئين الأخلاقيين الأولين. فالعناية بالأرض يؤدي إلى العناية بالناس. وإعادة الفائض للعناية بالأرض والعناية بالناس يكمل حلقات النظام المستدام بينما يعدل من استهلاكنا ومن نمونا السكاني (جيوف لوتون).

كانت هذه الأخلاقيات ولا زالت أساسية للعمل، ليس فقط للمعنيين بالزراعة المعمرة، بل لكل البشر الذين يعيشون على ظهر الأرض، الذين يحاولون كسب قوتهم، ورعاية أحبائهم.

في العقود التي تلت وضع هذه الأسس، قطعت الزراعة العضوية والمستدامة شوطا طويلا ووجدت طريقها في التيار الرئيسي. وقد صار العمل بالزراعة اليوم أقل رفضا في المجتمع الحديث باعتباره رغبة في المساهمة في جزء لا يتجزأ من ثقافة شعبية. حيث يتعلم الناس تقنيات صناعة حدائق منزلية أفضل في المدن وفي غيرها، ويبتاعون بانتظام من أسواق المزارعين ويتخذون خيارات تناول الطعام بناءا على توافر المكونات الطازجة والعضوية. الزراعة المستدامة في الواقع هي صناعة متنامية ورواد الأعمال الشباب يمسكون بتلابيبها كتوجه أول للطعام. لقد أصبح هذا توجها لافتا للنظر، حدث نموه بشكل بطيء، وهو ما يجب علينا جميعا أن ندعمه ونقف وراءه لأن هناك الكثير مما ينبغي عمله. ولكن بينما يستمر السكان في النمو، فإن العالم من حولنا يتحرك أسرع وأسرع، ونحن مربوطون دائما بالإنترنت، ويجب علينا أن نتوقف ونتذكر الجذور التي ولدت هذا الاتجاه، وإذا لم نفعل فإننا سنضطر في نهاية المطاف إلى البدء من جديد.

ليس من المستغرب أن القوة الدافعة وراء حركة الغذاء الجديدة هو جيل الألفية، الذي ولدوا في الفترة من أوائل الثمانينات إلى أوائل الألفية الجديدة، ويعتقد أنهم يمثلون جيل الأنا. وقد حصلوا على هذا اللقب لأن هناك شعورا بأنهم منكفئون على ذواتهم، واثقون، فردانيوين ويفتقدون بعض التعطف مع الآخرين الذي لدى الأجيال السابقة. وتشير النظريات إلى الإعلام الاجتماعي باعتباره واحدا من الأسباب الرئيسية لهذا التطور الثقافي، لأنه يجعل من يستخدمونه بكثرة بعيدون جسديا ونفسيا عن التفاعل.

من ثم يزداد التركيز على الأنا والاحتياجات الخاصة، أكثر من احتياجات الآخرين والمجتمع ككل. وفي نفس الوقت، يقال أن جيل الألفية أقل اهتماما بالنزعة الاستهلاكية والسلع المادية ممن هم أكبر منه سنا وأنهم يريدون أن يصنعوا فرقا بأعمالهم. ومن ثم فإن الجيل الجديد قد يكونون ذاتيون، لكنهم مملوءون بالروح وسعة الحيلة.

إذا ماذا يترك لنا جيل من الشباب، العامل، المستخدم لوسائل الإعلام الاجتماعي، المحب للطعام المستدام، المبدع، الواثق، المتمتع بالمشاركة الذاتية؟ من جهة، فهم راغبون بقوة في الدخول إلى تلك الصناعة بشروطهم الخاصة، إنهم قوة من السكان تملك مقومات جعل الأمور تحدث. من جهة أخرى، هناك تخوف من أننا بشكل عام نتحرك معهم بعيدا عن الأخلاقيات الأساسية للزراعة المعمرة وأننا نعيش بشكل متزايد في واقع “أنا هنا من أجل نفسي”. والمضي قدما في هذا الاتجاه لا يؤدي لا لاستدامة الأرض ولا استدامة مجتمعاتنا. بكل هذه الطاقة الشبابية حول الغذاء والاستعداد الكبير للمشاركة في غرض حقيقي، فإن العمل الذي أمامنا هو الاعتراف بدروس الماضي ودمجها في واقع الحاضر. هنا سوف نجد التوازن ونبحر في طريقنا إلى الأمام، وهو الطريق الذي يمثل خلاصة التجارب التي حصلت وهيئت الظروف لهذا الوقت المثير والمحفز للأمل الذي نعيشه.

إذا نظرنا إلى الاتجاهات في مجالات الزراعة والغذاء، وجدنا أن ما نروج له هو عناصر منتجات قائمة على أرض من سبقنا نمت ونشأت للعناية باقتصادياتنا المحلية. وأي شخص له علاقة بالغذاء اليوم يعلم أن العقد الماضي شهد انفجارا هائلا في الأسواق ذات الحجم الصغير، ومنتجات الحرف اليدوية. نحن نعود أدراجنا إلى زمن مختلف، بينما تغيرت البنية التحتية التي ننشر بها معلوماتنا، لذا فإننا يجب أن نأخذ من دروس الماضي لضمان أننا نسير على الطريق الصحيح على المدى الطويل. أنظروا إلى الجيل الرابع للمزارعين والذي كان في طليعة حركة الزراعة المستدامة برفضه للممارسات الصناعية التي جلبت لهم بالتأكيد مزيدا من المال. هؤلاء المزارعون ظلوا يديرون مشاريع مستدامة طوال ثمانين عاما. أنظروا إلى مؤسسي الزراعة المعمرة الذين نشروا شيئا فشيئا فلسفة للتصميم الإنساني والزراعي عبر العالم، من خلال تأليف الكتب والدورات التعليمية. هؤلاء الناس يجب أن يكونوا قدوة لنا لأنهم حافظوا على توجهاتهم، وتمسكوا بأسلحتهم واستمروا في إنتاج منتجات عالية الجودة بينما كانوا يعتنون بأراضيهم ومجتمعاتهم. وعلى مر الزمن ظلوا محافظين على أخلاقياتهم، لقد تعلموا ممن سبقهم، ووثقوا في المعرفة ومرروها لغيرهم، وقد آتى كل ذلك ثمره.

الواقع في أي صناعة أن المشروع الناشئ الناجح يحتاج إلى النباهة، والعزيمة، والمخاطرة، والأخطاء، والتعرض، والكثير الكثير من العمل الشاق. والزراعة المستدامة ليست استثناء في ذلك. وإن كان العمل الأساسي المطلوب لها هو في الأرض، إلا أن صغار المزارعين اليوم يحتاجون إلى مواكبة متطلبات السوق ويتضمن ذلك استخدام التكنولوجيا ومتابعة ما يريده المستهلكون عن كثب. وفي بعض الأحيان يصبح الوضع شائكا. إذ يحتاج صاحب المشروع، خاصة إذا كان جديدا، أن يتخذ قرارات عاجلة، تعطي الأولوية للإشباع الأولي للسوق، قبل الالتفات للأخلاقيات العامة والاستدامة.  لقد أصبحت التكنولوجيا لاعبا هائلا في مجال الأعمال اليوم بطريقة لم تكن موجودة حتى قبل عشر سنوات. فنحن نروج أنفسنا وحياتنا حرفيا، ونتوقع معلومة جديدة كل ثانية. ولم يكن لدى الأجيال السابقة كل تلك المنافذ لترويج أنفسهم، ولم تكن تلك الممارسة شائعة ولا ضرورة من ضروريات النجاح. حيث كانت أخلاقيات العمل والالتزام والإنجاز في الوقت المحدد هي تعويذة ذلك الزمان.

اليوم، تعلم جيل جديد من المزارعين أن ينهمك في عمله، وأن ينشر رسالته كالنار في الهشيم على الإنترنت، ومن ثم يأتي النجاح. هناك قيمة لهذه المنهجية أيضا لأن الإنترنت هو أيضا مكان الحصول على المعلومات. وما نحتاج لعمله هو مزيج متماسك من هذه المنهجيات، بتطبيق قيمة التكنولوجيا مع أسس الزراعة المعمرة – الأرض، والناس، وبوجه أخص إعادة الفائض. فهناك وقت لنأخذ ما نحتاج ووقت لكي نشارك ما هو متوافر لدينا مع الآخرين. وكما أن هناك وقت للترويج الذاتي فهناك وقت لمساندة وتشجيع تطور هذه الحركة. لابد أن نتشارك مواردنا ومهاراتنا، ويدعم بعضنا بعضا ونتعاون ولا نتوقع دائما مجدا شخصيا. فأحيانا ما سيتحقق ذلك المجد، وفي الأغلب لن يتحقق، لكن في النهاية نحن جميعا في هذا سواء، وكلما نشرنا الخير كلما صرنا جميعا في حال أفضل على المدى الطويل. إذا كنت قد اخترت طريق الزراعة المستدامة في هذه الحياة فقد اخترت الطريق الأخلاقي. وإذا كنت تبني مشروعا اقتصاديا أو نظاما تجاريا على هذا الطريق، فإن عملك محل تقدير. وهناك حاجة لعملك. بغض النظر عن الجيل الذي تنتمي إليه، فالمهم هو أن تناصر ما تفعل، وأن تؤمن بما تعمل لأنه ذو قيمة أخلاقية، استمر في زراعة محاصيل غذائية جميلة، واعتن بالناس من حولك. وسوف تسير باقي الأمور بشكل جيد. احرص على أن تتعلم الدروس ممن سبقوك وكذلك من الشباب الذين يفعلونها بشكل مختلف. دعونا نتفق جميعا على أن هناك عملا ينبغي القيام به. وأن هناك الكثير من هذا العمل الذي يتعين القيام به. لذا دعونا نرى ما لدينا – التاريخ، والتكنولوجيا، الشباب والخبرة، والأرض، ولنستمر في بناء مستقبل مستدام لكل الناس.

نشر هذا المقال الذي كتبته لي فينكولا Leigh Vincola على موقع معهد بحوث الزراعة المعمرةThe Permaculture Research Institute  بتاريخ 24 أبريل 2015 تحت عنوان “إعادة النظر في أخلاقيات الزراعة المستدامة[i]

إضافة تعليق

5 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.