قراءة في كتاب "المرأة والدين والأخلاق" من سلسلة حوارات لقرن جديد إصدار دار الفكر

منذ فترة وقع فى يدى كتاب صادر عن " دار الفكر " بدمشق اشتركت فى تأليفه د. نوال السعداوى ود. هبة عزت رؤوف , ويمثل الكتاب حلقة فى سلسلة عنوانها " حوارات لقرن جديد " .
والمعروف أن د. نوال السعداوى طبيبة ، ولها اتجاه فكرى خاص يرفض الأديان ويعدها نتاجا اجتماعيا محضا لا علاقة له بالسماء، إذ هى ترى أن العلاقة بين الجنسين كانت وستظل علاقة صراع لا يعرف هوادة ولا رحمة. أما د. هبة رءوف فتنطلق من الإيمان بالإسلام والعقائد والتشريعات والأخلاق التى جاء بها . وهى مدرسة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة .
نلاحظ عند قراءة ما خطه قلم د. السعداوى هذا السيل من اليقينيات والقطعيات التى تبنى عليها أحكامها ولا ترى لها نقضا ولا إبراما ، مع أنها لا تستند فيها إلى شىء ثابت بالمرة ، إذ كل عمادها مجرد أقوال مرسلة من عندها تذكر فيها أن العلماء يقولون ذلك . ولكن أى علماء يا ترى ؟ وفى أى دراسة نجد هذا ؟ لا جواب البتة . أما د. هبة رءوف فنراها ، على العكس من نظيرتها ، تهتم بتوثيق كلامها وذكر مراجعها مع تحديد الطبعة والصفحة وما إلى ذلك مما هو معروف فى كتابة البحوث العلمية . وهذا غريب من عدة وجوه : فالدكتورة هبة أصغر من د. نوال كثيرا جدا ,ومن ناحية أخرى فإنها لا تقعقع قعقعة د. السعداوى عن العلم والادعاءات العلمية . أضف إلى ذلك أنها تعلن تمسكها بالإسلام ، الذى تدعى نوال السعداوى وأشباهها أنه لا علاقة له بالعلم ولا بالمنهج العلمى . فانظر بالله عليك أيها القارئ إلى هذه المفارقة المضحكة ! وإن تمسك د. هبة بالإسلام لا يمنعها أن تستشهد بالباحثين الغربيين وتنظر فى أقوالهم وتحللها فتقبل ما يقنعها وترد ما لا تقتنع به , ,ومع هذا كله نجد د.نوال تهاجم د.هبة متهمة إياها بأنها لا تتبع المنهج العلمى رغم ما قلناه وما يلمسه القارئ بيده لمسا من أن الدكتورة الصغيرة أعرف من الكبيرة بذلك المنهج وأقدر على الالتصاق به واحترام قواعده ، فوق أن د. نوال قد هاجمت البحوث العلمية كما أومأنا سلفا . ومما أخذته الكبيرة على الصغيرة أيضا أنها لم تبدأ بالارتياب فيما عندها ، وكأنها هى قد راعت ذلك ! إنها على الضد تماما قد انطلقت كالإعصار الهائج منذ أول سطر فى فصلها لا تعرف توقفا ولا تثبتا ولا ترى إلا شيئا واحدا تفسر به كل شىء ، ألا وهو رغبة الرجال فى قهر النساء ، ورغبة الحكومات فى قهر الشعوب . فكأن القهر قد استحال لديها إلى إله : فهو يفسر كل ظاهرة ، ويقف خلف كل حادثة ... وهلم جرا . وقد نبهت د. هبة إلى عدد من الأخطاء الشنيعة التى سقطت فيها د. السعداوى سقوطا مدويا لا يليق بمن تتصدى لمثل هذه المسائل ، كنسبة حديث لنبوى إلى القرآن الكريم ، واقتطاع بعض الآيات القرآنية من سياقها بما يحرف معناها ، وقولها إن الإله فى الأديان جميعا ينظر إليه على أنه ذكر ، حيفا من المجتمع على الأنثى. ومما ردت به د. هبة أن الإله ليس ذكرا ولا أنثى ، بل ليس كمثله شىء ، وهذا يعرفه كل إنسان فى رأسه عقل يفكر . كما ردت على زعمها تحيز الإسلام للرجل فى قوله إن الله قد تاب على آدم وغفر له معصيته ، فى حين لم يذكر توبته على حواء ، إذ يقول القرآن : " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه "، فنبهتها إلى أن قراءتها القرآن بهذا الأسلوب خاطئة ، وأن القرآن الذى قال ذلك هو نفسه الذى ذكر فى موضع آخر أن الاثنين قد اشتركا فى المعصية وفى الابتهال أيضا إلى الله أن يغفر لهما . وأضيف أنا أن القرآن لم ينسب المعصية فى هذا السياق صريحة إلا لآدم : " وعصى آدم ربه فغوى " ، فمن الطبيعى أن يذكر أيضا أن الله قد تاب على آدم . وليس فى هذا أدنى افتئات على المرأة ، إذ المقصود بآدم هنا هو مطلق الإنسان ، رجلا كان أو امرأة . وها هما تان الدكتورتان تتناقشان كأى رجلين لا تقلان عنهما فى شىء ، بل من المؤكد أنهما تتفوقان على كثير جدا من الرجال ، لا من الجهلاء وحدهم أو أنصاف المتعلمين ، بل من أكابر المثقفين ، وإن اللغة التى تكتبان بها لتتمتع بالسلاسة والصحة إلى حد بعيد. أما أننى أرى فى كلام د. نوال كثيرا من السفسطة والانحراف عن العقل والمنطق فهذا شىء يوجد عند كثير من الرجال أيضا. ومما تخطئ فيه د. نوال كذلك وبينت لها د. هبة وجه الحق مهاجمتها للأديان وتمردها على أحكام الشريعة الإسلامية ودعوتها إلى أن يكون الإنسان هو مقياس الصواب والخطإ . ويتلخص رد باحثة العلوم السياسية فى أنه لا بد أن تكون هناك مرجعية مطلقة تكون فوق اختلافات الأفراد والطوائف والطبقات والشعوب بحيث لا تحابى أحدا على أحد ، وهذه المرجعية هى الله جل وعلا . وهذا كلام حق .
كتاب المرأة والدين والأخلاق
إصدار : دار الفكر
تأليف :

إضافة تعليق