مستقبل إسرائيل

في القسم الأول من الكتاب يعرض فيه (السيد ولد أباه) رؤيته الخاصة حول طبيعة هذا المشروع ومستقبله في ضوء ما يتعرض له من أزمات ومآزق، وهو إذ يعرض لنشأة الحركة الصهيونية ويجلي لأسسها الفكرية والإيديولوجية ". ويخلص الباحث بعد تذكير مقتضب بمسار المشروع الصهيوني وربطه بـ (تيودور هرتزل) إلى أن هذا المشروع "يعبر عن إيديولوجية قومية لا يختلف في الجوهر عن النـزعات القومية الإحيائية التي عرفتها الساحة الأوربية أوانها، وإن كانت تستخدم الميثولوجيا اليهودية لتعزيز طاقتها التعبوية". فهي وإن كانت تستلهم التراث التوراتي التلمودي وتوظفه لأغراض جلية شتى .ويستنتج الباحث بناء على ذلك أهم مرتكزات الفكر الصهيوني التي تتحدد وفق ثلاثة توجهات: الأول: الشرعية الدينية المموهة الثاني: النزوع القومي الإحيائي الذي يمثل امتداداً للقومية الغربية الأوربية خلال القرنين الماضيين. والثالث: هو الاندماج في المخططات الاستعمارية التوسعية والارتباط برهانات وأطماع القوى الكبرى في المنطقة. إلا أن ذلك لم يمنع من خضوع الصهيونية للعديد من التناقضات الداخلية ـ على حد زعم الباحث ـ فالصراع العلماني الأصولي على تحديد الهوية السياسية للدولة تضخم في الآونة الأخيرة وخرج من طور السيطرة إلى حيز الواقع ، مع تزايد الضغوط السياسية التي تمارسها القوى الدينية المتطرفة وتزايد شعبيتها ونسبة تمثيلها (البرلماني) مؤخراً ، ويستشهد الباحث بحادثة اغتيال (رابين) ليدلل على صحة ما ذهب إليه، إذ كان نتيجة طبيعية لانحراف الشارع الصهيوني نحو التطرف، وازدياد اختراق المؤسسة العسكرية من قبل المتدينين. ليبقى سؤال الحسم معلقاً ـ حسب المؤلف ـ بتجاوز المجتمع الصهيوني لمرحلة التأسيس بزخمها الرمزي، إلى وضع المجتمع المتغرب والحديث، ونضوب هذا المشروع في صيغته العلمانية وتعويضه بالدفقة الدينية المتطرفة.
ويرى المؤلف في إشكالية المواطنة بكونها معبراً عن التناقضات القومية الداخلية مأزقاً آخر لهذا المشروع، فتكون المجتمع الصهيوني من العديد من القوميات والإثنيات ووضع هذه الأخيرة المتفجر في أية لحظة، فضلاً عن تناقض الصهيونية مع محيطها الإقليمي والحضاري، أبرز أزمة حقيقية لم يجد لها الصهاينة من حل إلا بالدخول في إطار التسوية السلمية، وفرض مشروعات الهيمنة الاقتصادية على المنطقة ـ يهلل المؤلف لبروز تيار جديد داخل الصهيونية سمي بتيار (ما بعد الصهيونية) وظاهره (المؤرخون الجدد) . التي تناولت بالنقد الممارسات الهمجية التي رافقت نشوء الدولة، وما تمارسه حالياً تجاه الشعب الفلسطيني ضمن المعايير الأخلاقية المنافية للمبادئ التي قامت عليها ؟!..
في القسم الثاني من الكتاب يؤرخ (منير شفيق) لتاريخ فلسطين العروبي والإسلامي نافياً أن يكون الصراع القائم صراعاً بين شعبين على قطعة من الأرض ، بل يجب أن يفهم الصراع من جهة على أنه جزء من صراع العرب والمسلمين ضد الهجمة الاستعمارية الغربية باعتبار المشروع الصهيوني جزءاً من استراتيجية الغرب ضد المنطقة.و اصبح تعاظم النفوذ الصهيوني في الغرب وخاصة أمريكا، أمراً معروفاً لدى الباحثين، ولكن الغاية من التركيز عليه هو بيان ضآلة حجم ودور التناقضات الداخلية ـ كما يرى المؤلف ـ بعد انتصارات المقاومة في جنوب لبنان ، وتفجر الانتفاضة في الأرض المحتلة الانتماء للمشروع الصهيوني.. يرى "شفيق" أن ما يعانيه المشروع الصهيوني حالياً هو مأزق سياسي تكتيكي آني يتمثل في انسداد الأفق السياسي وفشل التسوية عن تحقيق الآمال نتيجة نجاح المقاومة في لبنان ، واستمرار انتفاضة الأقصى والهبات الشعبية ، لكن هذا المأزق التكتيكي لن يدخل مرحلة المأزق الاستراتيجي إلا إذا تواصل واستمر على الوتيرة نفسها، وتم تجنب الهجومات المضادة التي سوف تشنها كل من الصهيونية وحلفائها الغربيين، أما الحديث عن مأزق إيديولوجي بالمعنى (البنيوي (فهو موجود منذ قيام الدولة بشكل صارخ ، لكن ميزان القوى العالمي هو من نجى هذا المشروع من الموت والسقوط ، وبالتالي لا يمكن الحديث إلا عن تحقيق مأزق في ميزان القوى العالمي حتى يتم سقوط الصهيونية والقضاء عليها بعدما تمت عزلتها وفشلها وتراجعها السياسي والعسكري . يخلص الباحث إلى وضع استراتيجية لتوليد مأزق حقيقي، فالاستفادة من إثارة المآزق الفرعية السابقة تتم من خلال شرطين : الأول الإنهاض الفلسطيني والعربي والإسلامي انتقالاً إلى مواقع القوى الدولية ، والثاني إسهام الفلسطينيين والعرب والمسلمين في مقاومة عولمة أمريكا. "فالمطلوب استراتيجية عامة توقف التدهور" أو تحد من نقاط الضعف في جبهتنا وتعتمد الانتفاضة والمقاومة في مواجهة الاحتلال بداية، ونعمل على الإنهاض العربي والإسلامي في الآن نفسه، استراتيجية تتصدى لمشروع التسوية المسوق أمريكياً، وتمنع مشروع الشرق أوسطية، استراتيجية تحقق الصمود العربي ومنع الاختراق، وتعتمد التضامن الإسلامي لمنطلق قوى الشعب وتعيده إلى موقع المواجهة في المعركة ، وترفع الاستبداد وتردم الهوى بين الأنظمة وشعوبها وصولاً إلى استراتيجية للكفاح العالمي ضد العولمة الأمريكية". إذا كان (السيد ولد أباه) قد بالغ في التأكيد على العوامل الذاتية الداخلية والمراهنة عليها للتنبؤ بفشل المشروع الصهيوني وسقوطه، فإن (منير شفيق) قد أغنى بحثه برؤية موضوعية للوقائع مع التركيز على الرؤية الاستراتيجية لمجمل الصراع مع المشروع الصهيوني بوصفه امتداداً للمشروع الغربي تجاه المنطقة .

إضافة تعليق