المدرسة في الكتابة

وأنا أقرأ رواية: «عساكر قوس قزح» للكاتب الإندونيسي أندريا هيراتا، التي يبدو أنها روايته الأولى، وحققت رغم ذلك صدى كبيرا، انتبهت إلى أن حكايتها تبدأ من المدرسة الابتدائية، بل أن محورها كله يدور حول طلاب مدرسة في قرية صغيرة من قرى أندونيسيا، كيف تم تجميعهم وسط بيئة لا تحب التعليم، وأولياء أمور لا يؤيدون خروج الأبناء عن مهنهم الأمية، مثل الزراعة، لتذهب بنا حكايات المدرسة إلى تسلق قامات المعلمين، ووصف وجوههم الباهتة، والمدهنة، وصف عرقهم وانفعالاتهم، وتفاعلهم مع الشغب الطلابي، الذي لا بد يحدث في أي بيئة تعليمية، وفي أي زمان ومكان، وفي النهاية يأتي دور المجتمع، وعلاقته بتلك المدرسة، وبالطبع يوجد ثمة راو شخصي، تم تأهيله داخل النص، ليروي عن نفسه وعن الآخرين، ويسوق حكايات الطلاب إلى البيوت، في تلك القرية، والقرى المجاورة، وهكذا.
هذه الرواية ليست جديدة في فكرتها، بكل تأكيد، وميزتها أنها تفتح عين المتلقي البعيد وأذنه لتلقي معلومات كثيرة عن مكان لا يعرفه، وربما ما كان سيعرفه لولا انتشار الآداب والفنون، وأداؤها لمهامها على أكمل وجه، فالقارئ لهذه الرواية سيجد إضافة إلى البيئة الجديدة عليه، أشياء كثيرة مشتركة مع كل المجتمعات في العالم، وفقط لا نحسها لأننا لا نعرف، سيجد أن الأبوة واحدة، والعمومة واحدة، ورعاية الطفولة هناك، هي نفسها في أي مكان، وحتى دموع الأمهات، وأصوات الآباء الخشنة في محاولة السيطرة على الأبناء، واحدة، كذلك قطعا سيكون ثمة يد باطشة لسلطة ما.
كما قلت، فقد تذكرت على الفور موضوعا مهما، وهو تأثير المدرسة، أي مكان الخبرة الأولى للشخص بعد خروجه إلى الطريق من الطفولة وبيت العائلة، في كتابة الروايات، فلطالما طالعت روايات كثيرة تتحدث عن هذا الموضوع، وعدا فروق بسيطة، تكاد تتشابه في كل شيء.
الراوي في معظم الروايات يتحدث بلسانه هو، وينظر بنظرته هو، ويصف الشخوص الذين يراهم ويحيطون به، بأوصاف هو من يجترحها، أو أوصاف يسمعها من آخرين موجودين معه في المكان نفسه ويؤدون مهام الانتباه للدروس نفسها أو عدم الانتباه، احترام المعلمين أو السخرية منهم، وهناك شيء مهم لاحظته وهو أن الراوي دائما مميز في شيء ما، فهو رياضي، أو سريع الفهم، أو يكتب القصص بثقافة أكبر من ثقافة زملائه، ووعي أفضل من وعيهم، وأيضا ثمة طالب بين الزملاء بطيء الفهم، ولا يملك أي أفق وهو الطالب الذي سيكون حاضرا في النص كلما حضرت السخرية.
راوي أندرية هيرتا، طالب مهتم بالتعليم، ووالده أيضا اهتم، رغم عدم اكتراث الآباء، وبالتالي منحنا الكاتب ذلك الطالب الذي سيقود النص إلى نهايته حيثما اتفق، وغالبا منحنا شيئا من حياته هو أيام كان طالبا ابتدائيا.
في ذهني كذلك، رواية «النمر الأبيض» التي كتبها الهندي أرافيندا أديجا، مصورا قصة واحد، من عامة الشعب، احتال على مخدوميه الأثرياء، باحتيالات شتى واستولى على تعاطفهم، لينتهي رجل أعمال كبيرا بعد أن ارتكب جريمة قتل في حق واحد من أبناء مخدومه، كان يعيش في أمريكا وعاد برفقة زوجة متذمرة، تركته ورحلت، واستولى على كل أمواله. لقد حصد أديجا بهذه الرواية، جائزة مان بوكر البريطانية قبل أعوام، وكانت صيغتها في شكل رسالة إلى رئيس الصين، المزمع زيارته للهند.
أقول إن الرواية بدأت أيضا من عالم المدرسة، عالم الفصول والطلاب الأشقياء، والمعلمين البدينين والنحيفين، وطويلي السيقان، والجو نفسه الذي نراه في رواية هيرتا وروايات أخرى، مثل الإحساس بالنهاية، لجوليان بارنز، وهي حاصلة على مان بوكر أيضا، نجد راويا متميزا عن زملائه، وطالبا كسولا أو غبيا، تجوز السخرية على أدائه الدراسي والإنساني طوال الفقرات التي تأتي فيها سيرة المدرسة.
هنا، أعني مع أديجا، كان التميز في الذكاء، في تلك القرية الهندية التي ترزح تحت ثقل الفقر، واعتناق الجهل والخرافة، بما في ذلك التبرك بالنهر المقدس، فقد كان البطل الراوي ذكيا جدا، ولا يشبه الآخرين، واعتبره أحد المعلمين، نادرا مثل النمر الأبيض الذي قلما يوجد، وسماه كذلك: النمر الأبيض.
وقد صحبنا هذا النمر الأبيض في قصته الطويلة، التي بنيت من عالم المدرسة، لنكون شهودا على مكره، في أثناء عمله سائقا عند أسرة ثرية، بما في ذلك استحضار جو المدرسة، وصالة الدروس والدروس نفسها، وكيف كان يحل المسائل الرياضية المعقدة، وكان يمكن أن يصبح شخصا ذا شأن، لولا الطبقية، وأنه من طبقة لن ترتفع به شبرا مهما تفوق وبالتالي، أصبح سائقا يحس بأنه أكثر استحقاقا بالثروة من الذين يعمل معهم، ويسعى لنيلها بجريمة القتل.
رواية جوليان بارنز، أقل دسامة من هاتين الروايتين، على الرغم من أنها حاصلة على جائزة. رواية فيها خشونة في السرد، وتقتير في منح المعلومة، وفي رأيي الشخصي، ليست ممتعة على الإطلاق، لكن قطعا هناك من يراها ممتعة، وقد تعرضت لها بسبب عالم المدرسة الذي بدأت به أيضا.
آتي إلى رواية: «قصة عن الحب والظلام»، للإسرائيلي عاموس عوز، وهي من الروايات التي أعتبرها شخصيا، درسا كبيرا في مادة السرد، ويمكن التعلم منه لمن رغب في كتابة رواية، وتعرضت لها قبلا حين تحدثت عن رواية السيرة، وكيف أنها ينبغي أن تكتب بنظافتها واتساخها، ولا تنقى من الشوائب.
عاموس تحدث عن عالم المدرسة أيضا، أثناء حديثه عن طفولته وشقاوته وصباه المبكر، تحدث عن الفصول الدراسية والمواد التي درسها وحبه للقراءة، ومضى أكثر في إيراد قصص العاطفة والحميمية بينه وبين مدرسة علمته في المدرسة، وقطعا كان يكتب واقعا عاشه.
بالتأكيد هناك عشرات من الروايات تحدثت أو بدأت من عالم الخبرة الأولى أي المدرسة، بعضها أذكره وبعضها لا أذكره الآن، وقطعا لو قارنا ذلك العالم في كل تلك الروايات التي تعرضت له، لوجدنا تشابها كبيرا، ذلك ببساطة أن المدرسة في كل مكان هي المدرسة، والطلاب في كل مكان، هم الطلاب الذين سيصنعون المستقبل، إما صناعة متمكنة، وإما صناعة ضالة، لا يستفيد منها المجتمع سوى الخراب.

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.