عندما لا يستطيع الأميركيون شراء الكتب

إن العالم مليء بالأشكال النمطية، فالواقع يبدو في غالب الأحيان غير قابل للتصديق. وهكذا نجد أن عشرات الآلاف من الأشخاص لا يزالون يعانون من الأمية في أميركا وكندا، فالأغلبية الساحقة منهم لا يستطيعون شراء الكتب هناك؛ إن استطاع المرء أن يصدق هذه الحقيقة الصادمة، فإن عدم الحصول على الكتب في أماكن أخرى من العالم لن يشكل مفاجأة بالنسبة له. 

من الصعب العثور على كتب للبيع في بعض المناطق الأكثر فقراً في البلاد، وفقاً لعدة دراسات. فعلى سبيل المثال، أبان بحث أجري في أحياء ذات دخل منخفض في فيلادلفيا، على أن الكتب المتوفرة للبيع تمثل نسبة كتاب واحد لكل ثلاث مئة طفل. فعشرات الملايين من الأميركيين الفقراء لا يستطيعون شراء الكتب على الإطلاق. 

قد يكون هذا الوضع مقبولاً لو كانت الكتب من الكماليات مثل الأوشحة الحريرية، لكن المربين يؤكدون أن الحصول على الكتب أمر ضروري تماماً كما هو الأمر بالنسبة للغذاء والمأوى والرعاية الصحية. فقد أظهرت العديد من الدراسات أن جعل الكتب في متناول الأطفال ـ من خلال المكتبات وبرامج تعليم القراءة ومكتبات المنزل ـ من شأنه أن ينتج تحسّناً ملحوظاً في طريقتهم في القراءة. ومن نتائج البحث الذي نشر في أغسطس/ آب 2014 أيضاً، أن الحصول على الكتب يلعب "دوراً أساسياً" في تحفيز الأطفال على القراءة. 

يُفترَض في معظم الأحيان أن الأسر التي تفتقر إلى الكتب لا تهتم بالقراءة، إلا أن هذا الافتراض لا يشكل قاعدة بالضرورة. وفي هذا الصدد توضح سوزان نيومان، وهي أستاذة متخصصة في تطور التعليم الأولي وترأست برنامج التدريس بفيلادلفيا بجامعة ميشيغان، " نجد أناساً فقراء، ولو من الفئة التي لم تتلقّ تعليماً عالياً، يشترون كتباً بخسة الثمن كلما أتيحت لهم الفرصة. إلا أن بعض العائلات ذات الدخل المحدود لا تستطيع شراء الكتب"، وهذا خبر غير سار لأطفالهم. فلقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن وجود مكتبة بالمنزل مؤشر أكاديمي قوي. 

إن ما يزيد الطين بلّةً هو أن ثمانين بالمائة من برامج التعليم الأولي وما بعد ذلك، التي تستقبل الأطفال ذوي الدخل المحدود، لا تتوفر لديها كتب للأطفال، نظراً لقلّة الموارد المالية لشرائها، وهذا ما توضحه نيومان: "إن الأطفال الفقراء يأتون من وسط لا تتوفر فيه الكتب ليجدوا أنفسهم في تعليم أولي بدون كتب، وهو ما ينذر بخلق مشاكل عويصة بالنسبة لتعليمهم في المستقبل". 

هناك العديد من العوامل التي تؤثر على القراءة بالنسبة للأطفال ولا أحد يدّعي أن الكتب هي الحل الوحيد للمشكلة. إلا أن بعض المربِّين المرموقين، مثل ستيفين كراشين، الأستاذ الفخري في جامعة كاليفورنيا الجنوبية، يدَّعون أن "مجرد توفير الكتب يشكل الخطوة الأولى والأكثر أهمية لتشجيع وتطوير برامج محو الأمية". 

إن المكتبات بإمكانها أن تُحدث فرقاً كبيراً، لكن اللامساواة حاضرة دائماً للأسف. فقد أوضحت دراسة في لوس أنجلس بقيادة كراشين بما يخص إمكانية الحصول على الكتب، أن أقساماً دراسية في بفيرلي هيلز وفّرت كتباً للأطفال بمعدل ثمانية أضعاف الكتب التي توفرها مدرسة واتس وكامبتون. وتحتوي المكتبات المدرسية في بفيرلي هيلز على ثلاثة أضعاف عدد الكتب المتوفرة في المكتبات المدرسية في واتس وكامبتون، كما أن مكتبات بفيرلي هيلز العمومية تضم تقريباً ضعف ما تضمه المكتبات العمومية في واتس وكامبتون، بالإضافة إلى أن المكتبات في المناطق الفقيرة تفتح أبوابها خلال مدة زمنية أقل. 

"أول كتاب"، هي منظمة غير ربحية في الولايات المتحدة، تقود آلية جديدة لسوق الكتب، حيث توزع ملايين الكتب الجديدة ذات الجودة العالية للأطفال ذوي الدخل المنخفض من خلال الآلاف من الشركاء الآخرين. 

يحاول سوق "أول كتاب" إنعاش قطاع النشر عن طريق القيام بما فعله التمويل المتناهي الصغر للخدمات المصرفية: أي خلق سوق محتملة كبيرة غير منقوصة وبكلفة اجتماعية معقولة. وتهدف المنظمة إلى دمقرطة الوصول إلى الكتاب، ولكن على طول الطريق، قد ينتهي بإعادة تنشيط صناعة الكتاب. 

حوالي 42 بالمائة من الأطفال الأميركيين ـ أكثر من 31 مليوناً ـ ينشأون في أسر تفتقر إلى الإيرادات اللازمة لتغطية الاحتياجات الأساسية، مثل الإيجار، ورعاية الأطفال، والغذاء، والنقل. تقول كايل زيمر، التي أسهمت في تأسيس أول كتاب، "نحن لا نفقد فقط 42 في المائة من الأطفال الذين لا تستطيع عائلاتهم توفير الكتب لهم، بل إن الصناعة لا تصل إلى 42 في المائة من السوق المحتمل، فالأمور لا تسير بالشكل المطلوب". 

تم تأسيس "أول كتاب" من طرف كايل زيمر واثنين من زملائها. لقد عملت زيمر سابقاً كمحامية ومنظِمة اجتماعية، وتعرفت عن قرب على موضوع الفقر، حينما كانت تعمل كمدرِّسة متطوعة للأطفال الفقراء في واشنطن. أصبحت الدكتورة زيمر مقربة من بعض العائلات، بحيث كانت تزور منازلهم ـ وهناك اكتشفت عدم وجود كتب للأطفال، وتقول: "أعتقد أنها صدمة لأي شخص عادي أن هناك عائلات وأطفالاً في هذا البلد لا يحصلون على كتب". 

لاحظت زيمر أن عيون الأطفال تلألأت عندما قدمت لهم كتباً خاصة بهم، لا سيما كتباً جديدةً ذات غلاف جذاب. أخبرها بعض الأطفال بدهشة: "هل يمكنني حقّاً أن أخذه معي إلى المنزل؟"، ويضيف البعض الآخر: "هذا هو كتابي الأول"، ويذهبون إلى بيوتهم ويبذلون قصارى جهدهم لقراءته ـ وبعد ذلك يعودون طالبين الحصول على واحد آخر. 

كذلك استقطبت "أول كتاب" عدداً من المتطوعين في مئات من التجمعات عبر أنحاء البلاد. 

فالمنظمة تقوم بشراء الكتب والتبرع بها للمجموعات المساعدة للأطفال ذوي الدخل المنخفض لأجل القراءة ـ توفر كل شيء من المدارس إلى مجموعات القراءة في الكنيسة، من برامج هيد ستارت إلى الملاجئ العامة. تقول زيمر: "هناك جيش من المتطوعين والمهنيين الذين يعملون بملء قلوبهم في البيئات الأقل رومانسية، في المجتمعات المعوزة، في المناطق ذات المعدلات المرتفعة من الجرائم. لا نرسل لهم أي إمدادات على الإطلاق ـ بل ونصاب بالدهشة عندما يفشلون". 

تباع معظم الكتب الخاصة بالأطفال في المكتبات من 15 إلى 20 دولاراً، كما أن الكتب ذات الغلاف الورقي تباع عادة من 5 إلى 10 دولارات. ورغم أن العناوين الأقل كلفة متاحة، فإن أسعار الكتب ـ خاصة الكتب الأكثر شعبية وجذباً لنظر الأطفال، إضافة إلى كتب الأطفال ذات الأغلفة البلاستيكية ـ غالية، وذلك من شأنه أن يجعل شراء الكتب بطريقة مستمرة أمراً بعيداً عن متناول الأسر ذات الدخل المحدود. 

نظمت المنظمة عام 1999 أول بنك وطني للكتاب في الولايات المتحدة، وهو نظام حاسوبي لتوزيع تبرعات الكتب من الناشرين إلى الآلاف من برامج القراءة. وحتى الآن، وزّعت "أول كتاب" ما يقارب 85 مليون كتاب. 

في السنوات الأخيرة، عرف بنك الكتاب عجزاً جليّاً، كما أن الناشرين أصبحت تواجههم أوقات صعبة، لذلك قللوا التكاليف والنسخ المطبوعة، وهو ما يعني أن المخزون الزائد للتبرع تراجع. فالضغوط التقشفية تعني مالاً أقل للمدارس، ونضوب عائدات المنظمات والحكومات. 

أطلقت "أول كتاب" عام 2008 سوقها لجعل الكتب متاحة بأسعار منخفضة ـ بحسم يراوح ما بين 50 إلى 90 في المائة ـ لأي منظمة معفاة من الضرائب، وتهتم بالأطفال المعوزين. ورغم أن هامش الربح سيكون أصغر بكثير من المعتاد، لأن المنظمة يمكن أن تجمع المبيعات عبر شبكتها، فإنه يمكن القيام بعمليات الشراء بكميات كبيرة، وإزالة الأخطار الكبرى التي تهدد الناشرين ـ أي العوائد. فجميع المبيعات ستكون نهائية. لذا وعدت "أول كتاب" أن تكون حذرة جدّاً كي لا تسقط الكتب المتداولة في سوقها في شبكات التسويق العادية مثل قنوات البيع بالتجزئة العادية. 

استغرق الأمر بعض الوقت للفكرة كي يتم تطبيقها. وأوضحت زيمر: "كان عدد لا بأس به من الناشرين متردداً عندما بدأنا بالعمل، لكنهم الآن متحمسون جدّاً، لأننا ندفع في الوقت المحدد كما أنهم لم يروا أي تذبذب في تعاملاتهم التجارية التي لها علاقة معنا". 

عندما يتعلق الأمر بالقراءة أو الحصول على الكتب، فإن الأمر لا يختلف بالنسبة للمملكة المتحدة. فالخلفية الاجتماعية والاقتصادية تنعكس كثيراً على عدد القراء في المملكة المتحدة. فحسب تقرير جديد من "بوك تراست"، والذي يتضمن نتائج دراسة شملت 1500 شخصاً، أظهرت بأنه كلما زاد امتلاكك للمال، كلما زادت احتمالاتك بالقراءة والعكس بالعكس. 

كذلك كشف سبعة وعشرون بالمائة من الراشدين من أفقر الطبقات الاجتماعية والاقتصادية أنهم لا يقرأون الكتب، في حين اعترف 13 في المائة فقط من أغنى الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع أنهم لم يقرأوا الكتب مطلقاً. بالإضافة إلى هذا، وجد التقرير أن 62 في المائة من أغنى المشاركين اعترفوا أنهم يقرأون يومياً أو أسبوعياً، في حين أن 42 في المائة من أفقر المشاركين يقرأون يومياً أو أسبوعياً. وليس مستغرباً أن الأشخاص الأكثر ثراءً يملكون ضعف عدد الكتب مقارنة بالأشخاص الفقراء. 

في ما يسمى بالعصر الرقمي، يجب اعتبار الوصول إلى المعرفة حقاً أساسياً من حقوق الإنسان. إن ناشري الكتب ومواقع مثل أمازون، يجب أن يتطوعوا لصالح أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا الوسطى لمعالجة هذا الشعور الفريد بالفقر. لقد أثبتت "أول كتاب" أنها مؤسسة كبرى للقراءة يمكن أن تساعد صناعة النشر كي تصبح أكثر قابلية للاستمرار بل ومربحة. 

(كاتب وصحافي استقصائي، إسلام آباد)

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.