الخطاب العربي المعاصر … المعضلات المستمرة

  لماذا لم يستطع الخطاب العربي ـ على تعدده ـ أن يؤثِّر في تغيير الواقع وتطويره؟ ولماذا يتكرر فشلنا ونجتر أزماتنا وكأننا نمسك بها ويصعب علينا تركها أو فراقها؟ ولماذا لا يشعر المفكر أو المثقف العربي بالواقع بدرجةٍ أكثر حساسية؟ ولماذا يصرُّ ذلك المثقف على أن يخلق واقعاً من داخل ذاته، ثم يعالجه على أنه الواقع نفسه؟ 

يطرح الدكتور نصر محمد عارف (أستاذ العلوم السياسية في القاهرة، والباحث الإسلامي) هذه الأسئلة، تمهيداً لتشريح الخطاب العربي من منظور أصول المعرفة (الأبستمولوجيا)، أي على مستوى المنطق التحتي الذي يحكم هذا الخطاب، ويتحرك الخطاب العربي نفسه في فضائه بالرغم من اختلافه وتنويعاته. 

فإذا كان مفهوم «الخطاب» هو عملية متواصلة من التعاطي المستمر بين طرفين أحدهما مرسل والآخر مستقبل، أو بين فكر وواقع إنساني، فإن الخطاب العربي المعاصر فيه من الانفصال عن الواقع بما لا يقاس بمستوى اتصاله به، على الرغم من التطورات العنيفة التي يشهدها عالمنا المعاصر، والعالم العربي جزء منه. 

ومعظم القضايا التي ينشغل بها المشاركون في صنع واستهلاك الفكر العربي، أو أطراف الخطاب العربي المعاصر إنما يعود إلى موضوعات قد مضى على طرحها أكثر من قرن على الأقل، ولم تزل بالنسبة له «جديدة» كل الجدة! أو أنها قضايا مجتمع آخر في زمان ومكان آخرين، وفي جميع الأحوال فإن معظم القضايا الكبرى ـ فيما يخص الواقع العربي ـ مما يتناوله الفكر العربي المعاصر قليل الحظ إذا ما قورن بعمليات اجترار القضايا الكبرى التاريخية، أي قضايا غيرنا. 

إن دراسة تشريحية للخطاب العربي سوف تكشف ـ حسب نصر عارف ـ عن آلية تفكير واحدة تحكم عموم الخطاب العربي، تتمثل في مجموعة مسلّمات لا تزال هي هي منذ عصر النهضة (أي القرن التاسع عشر للميلاد). 

أولى هذه المسلمات تتركز في «الاستبداد الفكري» الذي يستند إلى فرضية مضمرة هي «امتلاك الحقيقة»، والذي يؤدي بالضرورة إلى نفي الآخر. وقد استحكمت هذه العقلية بشكل منقطع النظير منذ ظهور النظم الاستبدادية الأيديولوجية في المنطقة ونقيضها من الجماعات العقائدية المعارضة. فالحداثيون يرون الآخرين ظلاميين رجعيين ومتخلفين وماضويين وغير علميين... الخ، ودعاة الأصالة (على تعدد مفاهيمها) يرون الآخرين متغرّبين، وأنصار الاستعمار، وعملاء الإمبريالية (العدوان الرأسمالي) أو مرتدين، أو كافرين... الخ. ويتمتع الخطاب العربي في عقد التسعينيات من القرن المنصرم بتمثيل نموذجي لهذه الحالة. 

الدخول في المنطق الأيديولوجي؛ أي منطق التعامل مع الآخرين من خلال إيمانيات ذاتية بما لا يسمح بالاعتراف بالآخر ، بمثابة الخروج من «المعرفة» والبحث العلمي، وهو ما حدث فعلاً، فقد أدت ظاهرة الاستبداد الفكري إلى استحكام المنطق الأيديولوجي، وهذا المنطق أدى بدوره إلى «انغلاق النسق المعرفي» أي انغلاق تطور المعرفة (الفلسفيّة) المتعلقة بمشروعات النهضة ومشكلات الواقع والدخول في حلقات مفرغة، وهذا ما يفسّر توقف الخطاب العربي عن الدخول في تغييرات جذرية في مسلَّمات النسق أو في قضاياه الكلية أو مقولاته الكبرى. 

وبينما كانت العلاقة بين المعرفة والسلطة والثروة في التراث الإسلامي قائمة على أساس اكتساب العلم سلطة الذاتية واستقلاليته عن الثروة والسلطة السياسية (وإن كان في بعض الأحيان يتصالح مع السياسي) لكنه في كل الأحوال لم يكن خاضعاً للثروة، بل كانت الثروة توظف لدفع ورفع العلم وتحقيق استقلاله، وقد لعب الدور الرئيسي في ذلك المؤسسات الأهلية (الأوقاف). ومع دخول مفهوم «الدولة الحديثة» على أنقاض «الخلافة»، وبتحطيم المؤسسات الوقفية الأهلية المستقلة عن الدولة، أصبح العلم أضعف الأطراف الثلاثة، (السلطة السياسية، الثروة، العلم)، فقد تم توظيفه وامتهانه من قبل الثروة وسلطة القوة. ومع انتشار نظم العسكر والتكنوقراط تم «تدجين» المفكرين والعلماء لخدمة النظام أو الحزب، ومع الحقبة النفطية وموسم الهجرة إلى الخليج (على حد تعبير نصر عارف) وسياسات الانفتاح والخصخصة، والتمويل الأجنبي للأبحاث المشتركة، وتوظيف البحث العلمي والباحثين لخدمة الممولين وأصحاب اليد العليا، فقد البحث العلمي استقلاليته، وأخضع بدرجة أو أخرى لإحدى القوتين (السلطة أو الثروة) أو لكليهما معاً. وبالتالي أفرز هذا الوضع غربةً للبحث العلمي عن المجتمع، بل أحياناً عدائية «البحث» لطموحات المجتمع وقضاياه! نظراً لانحياز العلماء والباحثين في معظمهم لمصادر القوة السياسية والمالية. 

يبقى أن الزمان يبدو في الفكر العربي، وكأنه لا معنى له، فهو سديمي، ولا تزال فأزمات العالم الإسلامي في مرحلة ما بعد الحملة الفرنسية هي نفسها أزماتنا اليوم!. وشأن المكان لا يقل ضبابيةً وميوعة، فما طبق في أوروبة يصلح للتطبيق في العالم العربي؟! وما بنيت عليه التجربة السوفيتية نموذجٌ يحتذى في التجربة العربية ما بعد الاتحاد السوفيتي! بل هناك من الحالات ما يتم فيها تحييد كلا العنصرين (الزمان والمكان)، حيث يعدّ الحداثيون أن الخطوات نفسها التي سارت عليها أوروبا إبان النهضة والأنوار يجب أن تعمَّم لأنها صالحة (في كل زمان ومكان)!. 

بعد ذلك ليس غريباً أبداً أن يراوح هذا الخطاب بين ثنائيَّات: ماضوي/ علماني، قومي/ قطري، ليبرالي/ اشتراكي... ثنائيَّات حادّة ليست موجودة بشكلها «النقي» في الواقع في رأي نصر عارف، وهذا ما أدخل الخطاب العربي حالة «استقطابيّة» بين هذه الثنائيات، مما أضاع جهود الخطاب العربي، وفتتها، وحول العمل الفكري إلى نوع من التعصب (الكروي) (الذي لا منفذ فيه للحوار)، وسيادة مفهوم المنتصر والمهزوم. وإلى هذه الحديّة تدين ظاهرة الهجرات المستمرة من أحد هذه الأقطاب إلى الآخر. 

هذه المسلَّمات التي تشكل الأرضية اللاواعية للخطاب العربي، ولّدت نوعـًا من المنهجية المشتركة بين المشكِّلين له. وعلى قمّة عناصر هذه المنهجية تأتي قضية «تهميش الحقائق الواقعية» وتغليب الرؤى الأيديولوجية، فلقد اتسم الخطاب العربي برمته بالانشداد الكبير إلى النظرية على حساب الواقع، وتغليب المثال (ما ينبغي أن يكون) على ما هو كائن وقائم؟. 

بموازاة هذه المشكلة المنهجية يتورط الخطاب العربي دوماً في «التعميم» دون استقصاء، حيث لا يمكنه مقاومة إغراء الدوافع الأيديولوجية في أحكامه التي غالباً ما تتسم بالطابع القيمي لا البحثي المحايد. فالإسلاميون «كلهم» فئة واحدة ولون واحد، الفوارق بينهم ليست ذات بال، والعلمانيون كذلك، والماركسيون والقوميون.. الخ. ، جميعهم في الخطاب العربي ينطبق عليهم حكم واحد، وتشملهم فئة واحدة، وعلى حد تعبير بعضهم «اختلافهم في الدرجة وليس في النوع»! وقد استُنْـزف الفكر العربي في معاركه في أخطاء من هذا القبيل ولا تزال . 

معظم المثقفين ـ إضافةً إلى ذلك ـ يعتمد اقترابات (زوايا نظر) حديّة في تصنيف الاتجاهات الفكرية، ويتعاملون مع القضايا الفكرية بالطريقة نفسها التي يتعاملون بها مع المواقف السياسية، فإما أن تقبل الحداثة في صيغتها «الرسمية» الغربية ككل أو ترفضها، أو تقبل الإسلام في إحدى صيغه أو تكون خارجاً عنه.. الخ. 

هذا كله يجعل الفكر العربي مولعاً بالتقليد في الوقت الذي يزعم فيه التجديد والإبداع، وليس أولئك المتعلقون بالماضي هم وحدهم المقلدون، بل إن الذين يدَّعون تمثيل الحداثة والعصرنة هم الأكثر تقليداً واجتراراً لأفكار وقضايا وإشكالات وليدة مجتمع آخر في سياق آخر، ذي ثقافة وتاريخ آخر. 

بعد ذلك لم يكن من الصعب الاستنتاج أن الفكر العربي في جملته «رد فعل» ؛ فكثير من الأفكار التي شغلته واستحوذت على جهود مفكري الأمة وباحثيها، هي قضايا نابعة من أجندة (جداول عمل) بحثية أخرى، ودوره فيها لا يتعدى رد الفعل. 

وهذا أسهم في التراجع المستمر للخطاب العربي عن أخلاقيات وقواعد الاختلاف، فسرعان ما يتحول الاختلاف إلى خلاف أيديولوجي مستعصي، يتم فيه تبادل التهم الجاهزة من التخوين والعمالة والتكفير والضلال.. الخ. 

لقد شهدت النظريات والأفكار والأيديولوجيات في القرن الماضي ولادة وتطوراً وأفولاً مدهشاً، فيما ولدت منظومات فكرية كبرى، وجرت فيها تحولات عميقة، ونشأت فلسفات جديدة وما تزال، في وقت لم يلعب فيه الفكر العربي أي دور سوى المكرِّر لرجع الصدى، فلم يستطيع إنجاز إشكالياته وابتداع منظومته، وبقي يعيد إنتاج نفسه مع تغيّر الأشخاص دون أي تحول في جوهره المعرفي (الأبستمولوجي). وهكذا أصبحت قضاياه محدودة تلقائياً، في إشكاليات تطالعنا كل يوم: «الهوية، الدولة/ الأمة، الإسلام/ الحداثة.. الخ». الوضع الذي آل الخطاب العربي إليه جعله يتحرك بنظام «الموضة»، بحيث يدخل في سجالات المركز (الغرب) بمجرد أنه بدأ يثيرها!. 

لقد فقد الخطاب العربي الوجهة، بفقدانه العلاقة المفترضة بالواقع، فأفلست مشاريعه النهضوية جميعها، ولم يعد يعرف ما يريد بالضبط، فاختلطت لديه الأولويات، وأصبح المستقبل ليس إلاّ سريان مجرّد للماضي من خلال الحاضر. ولا شك أن التطورات الحديثة في مجال التقانة ووسائل الإعلام والاتصال، وضعت الخطاب العربي في امتحان عسير. 

الباحث المغربي الدكتور كمال عبد اللطيف (أستاذ الفلسفة في جامعة الرباط) يرى أن السؤال المركزي المهم الذي يتوجه إلى الخطاب العربي لتشريحه هو: لماذا يستعيد الفكر العربي المعاصر أسئلة قديمة وأجوبة لا علاقة لها بالواقع؟ هذا السؤال الذي يتلخص في السؤال عن ظاهرة استمرار الخطاب العربي في مقاربة (النظر من زاوية) أسئلة القرن التاسع عشر. 

يرى عبد اللطيف أن علاقة الفكر بالواقع أوسع وأعقد من أن تنتظم في خانات نهائية، فالجدلية التي تحكم هذه العلاقة مفتوحة ومتنوعة، تتخذ مظاهر علنية غير قابلة للحصر النهائي، وعندما نبحث في بنية الخطاب العربي، فإننا يجب أن نلتفت بشكل كاف إلى الظروف التاريخية التي شكلت هذا الخطاب ووجَّهت بالتالي مسيرته ، وهي ـ كما يراها ـ زمن الصعود الإمبريالي الغربي في القرن التاسع عشر، الذي كان له الدور الأهم في توسيع دائرة المرجعية الموجّهة لبنية الخطاب العربي الناشئ، كما أسهم في إعادة بناء التشكيلات الاجتماعية والتاريخية المصاحبة لعمليات نمو وتطور هذا الخطاب، إضافة إلى ما حكمه في لحظة تكوّنه من مرجعية الواقع (التأخر التاريخي الشامل مقابل النهوض الغربي الصاعد والمتصاعد بشكل مثير)، ومرجعية التاريخ الخاص (تجربة التاريخ الإسلامي)، ثم مرجعية النهضة الغربية في صورتها الأولى والثانية (القرن التاسع عشر والقرن الثامن عشر) وفي لحظة انطلاق الثورة الصناعية والثورة التكنولوجية، وما ترتب عنهما من نتائج في واقعٍ وفكر المجتمعات الغربية، ولم يعد بإمكان الوعي العربي منذ القرن الماضي أن يفكر في حاضره، وفي مآله خارج دائرة التفكير في علاقته بالغرب، وفي هذا الإطار نشأت إشكالات الفكر العربي، وتبلورت معاركه ومشاريعه النهضوية. 

ويرى عبد اللطيف أن التطورات التي حصلت في الفكر العربي وإن كانت دوماً في إطار الإشكاليات والقضايا نفسها لكنها كانت في أحايين كثيرة نوعيّة، وبالتالي فالفكر العربي بشموله ليس تكراراً فحسب. 

في بحثه تحت عنوان «من سؤال العلمانية إلى إعادة بناء المجال السياسي في الفكر العربي» يرى كمال عبد اللطيف أننا إزاء الفكر العربي أمام مهمة إعادة بناء المجال السياسي أولاً، إذا كنّا مدعوين لمعالجة إشكاليات الفكر العربي، حيث تتقاطع في هذا المجال، الإشكاليات النظرية التاريخية المرتبطة بانغراس الحداثة السياسية في واقعنا وفي فكرنا، ويقع في صلب هذا المجال «قضية العلمانية». 

ولكن كمال عبد اللطيف لم يستطع الخروج عن البنية التقليدية للخطاب العربي في مناقشته للعلمانية، فهو ما يزال مؤمناً «براهنيّة» كتابات فرح أنطون، بل إنه يجد في كتابات المعاصرين في هذا الموضوع (محمد أركون، هشام جعيط، عبد الله العروي) عملاً لتحيين أطروحة فرح أنطون حول العلمانية، ويمنحها راهنيَّة متجددة!! 

وهذا ما يجعل الخطاب الذي قدمه كمال عبد اللطيف «نموذجياً» في تمثيل علل الخطاب العربي بمشكلاته العديدة، وارتهانه الأيديولوجي حسب تعبير نصر محمد عارف

الكتاب: إشكاليات الخطاب العربي المعاصر

المؤلف: نصر عارف وكمال عبد اللطيف 

الناشر: دار الفكر المعاصر، بيروت/ دار الفكر ـ دمشق .

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.