أدب الأطفال والتربية الإبداعية (الجزء الأول)

من أكثر القضايا التي أثارت اهتمامات المنظرين والتربويين في السنوات الأخيرة هي قضية فإن الهدف الأساسي « : تنمية مهارات التفكير العليا ومنها التفكير الإبداعي. وكما يقول بياجيه من التربية هو خلق رجال قادرين على صنع أشياء جديدة، ولا يقومون فقط بتكرار ما صنعته ومما لا شك فيه أن .)Fisher, 2001( » الأجيال السابقة، رجال مبدعين، مبتكرين، ومكتشفين هذا النوع من الرجال الذي ذكره بياجيه، يحتاج إلى تربية من نوع خاص؛ ألا وهي التربية الإبداعية. فمثلما توجد تربية دينية، وتربية رياضية، وتربية فنية، فإن هناك تربية إبداعية، هدفها خلق الأفراد المبدعين في المجتمع، من خلال الكشف عن طاقاتهم الإبداعية وتنميتها وتطويرها. وهذه التربية توجه اهتمامها وأساليبها وأنشطتها إلى الإبداع.

والتفكير الإبداعي هو ظاهرة ذهنية متقدمة يعالج الفرد فيها المواقف والخبرات والمشاكل بطريقة غير مألوفة، وبالتالي قد تكون مهمة التدريب على الإبداع هي مهمة وطنية، إذ أن تدريب الطلبة على معالجة القضايا التي يعاصرونها بأسلوب وطرق جديدة بعيدة عن التفكير التقليدي المألوف يسهم في تعليم الطلبة بقيم معاصرة، وتساعدهم على التكيف بطرق ناجحة ومتفوقة، والتكيف صفة شخصية إيجابية يسعى كل فرد إلى تحقيقها )قطامي .) وقطامي، 2001

ولا يخفى على أحد أهمية وجود الأفراد المبدعين في المجتمع، “حيث تعتبر العمليات الابتكارية والإبداعية صاحبة الفضل في تقدم الحياة وتطورها على مر العصور والأجيال، ولهذا فإن أصحاب القدرات الابتكارية والإبداعية يكونون رأس مال قومياً وإنسانياً، يسهم في إثراء التراث .) البشري، وتقدم الإنسانية وازدهارها” )نجيب، 1994إنه “إذا كان على أطفالنا أن يتوقعوا إشكالية التغير، سواء على المستوى  )Fisher( ويقول فيشر

الفردي أو الاجتماعي، وأن يتغلبوا عليها ويتعلموا مواجهتها، فإنهم بالإضافة إلى حاجتهم إلى تعلم كيفية التأقلم مع المستقبل، فإن عليهم أن يتعلموا كيف يشكلونه أيضاً. وإذا كان إعداد الأطفال لمواجهة التغيرات السريعة في العالم هو أحد تحديات التربية، فإن تعليمهم التفكير بإبداع يصبح حاجة ملحة” ) 30

وتنبع قيمة التفكير الإبداعي من كونه يؤدي إلى مرونة الاختيار، فما ينقصه في السرعة يكسبه في نوعية القرار، فهو قادر على تحطيم المفاهيم والعادات المألوفة، وجعل العقل يفكر باتجاه أفكار واحتمالات جديدة.

لقد كشفت الكثير من الدراسات حول نمو الطفل وتطوره المعرفي، أن الطفل يولد ولديه الميل الفطري للاكتشاف والاستقصاء والتساؤل والتخمين، ولكن عادة ما يحصل تغيير سلبي في عملية التعليم في عمر ثلاث أو أربع سنوات، ويمكن تسمية هذا التغيير )هدماً(، حيث يتعلم الطفل أن يتوقف عن الإجابات التي تتضمن التخمين والإبداع عندما تواجه جهوده بالرفض لعدد من المرات، وبدلاً منها يصبح يوجه الأسئلة مباشرة إلى الكبار، فهو يتعلم أن الإجابات لا تعتمد على ما يفكر ويؤمن به الطفل، بل على ما يفكر ويؤمن به أحد الوالدين أو المعلم.

فالطفل هنا يبدأ بالتصرف بسلبية، ويبدأ بالاعتماد على سلطة الآخرين بدلاً من الاستمرار في التدرب على إيجاد الروابط والتخمين والإبداع، وبدلاً من زيادة مهاراته في الاكتشاف، والربط، والمقارنة، وربط المعلومات. فإذا لم يكن يعرف الإجابة الدقيقة، أو لم يكن قد فهم ما رآه .)Fisher, بشكل كامل، فإنه ينتظر شرح الآخرين ) 2001 وبيئة الطفل قد تكون بيئة مساندة تعمل على الكشف عن طاقاته الإبداعية ورعايتها، وقد تكون بيئة غير مساندة، تعمل على تجاهل هذه الطاقات وتدميرها أيضاً. وما نقصده هنا بالبيئة البيت والمدرسة بشكل خاص.

والأدب أحد المجالات التي تسعى التربية الإبداعية إلى توجيه الطفل نحوها إذا ما لوحظ وجود ميول أدبية لديه مثل: كتابة القصة والشعر وغيرهما. وللأدب تأثير كبير على لغة الأطفال وتفكيرهم وسماتهم النفسية والشخصية.

وتزودنا القراءة والكتابة بطرق قيمة للتفكير بأنفسنا وبعالمنا. وتمكننا القراءة من التعلم من أشخاص لا نعرفهم بشكل شخصي، وتتيح لنا اللغة المكتوبة الفرصة للتواصل من خلال الزمان والمكان، كما تتيح لنا الوصول إلى أفضل ما تمت معرفته والتفكير به في العالم.

إن تعلم القراءة والكتابة هو أكثر من مجرد تعلم مهارات القراءة والكتابة، فالأدب يساعد في تشكيل الشخصية، ويمكننا من فهم أنفسنا وفهم الآخرين بشكل أفضل، كما يساعدنا في تطوير الذكاء العاطفي. ويساعدنا تعلم القراءة والكتابة في تنمية التفكير الناقد والإبداعي وتنمية القدرة على حل المشكلات، فالقراءة والكتابة ليستا مهارتين ميكانيكيتين بل نشاطات .)Fisher, تفكيرية ) 2013

ومن الأهمية بمكان أن يتعرض الطفل منذ الطفولة المبكرة للنماذج الأدبية المختلفة؛ لكي يتشكل لديه الحس والذوق الأدبي الفني. ففي البداية يسمع الطفل الأنشودة والقصة من | 74 | الوالدين ومعلمة الروضة، وبعد أن يتعلم القراءة، يقرأ بنفسه ما يختار من القصص والأناشيد والمجلات وغيرها.

وتلعب المدرسة بما فيها من إدارة ومعلمين ومرشدين تربويين ونفسيين دوراً مهماً في الكشف عن طاقات الطفل الإبداعية، وتشكيلها، وتنميتها، ويمكننا أن نقول في هذا السياق إن الإبداع من أنواع السلوك التي يمكن أن يتعلمها الفرد. وهنا يجب أن نؤكد أهمية وجود المعلم المبدع أو على الأقل المقدر للإبداع، فإذا لم يكن المعلم نفسه مفكراً مبدعاً مجدداً، فكيف نتأمل منه الكشف عن الطلاب المبدعين ورعايتهم؟

وهناك الكثير من الممارسات والنشاطات التي يمكن أن يقوم بها المعلم داخل غرفة الصف بالاشتراك مع طلابه، والتي تؤدي إلى تنمية مواهبهم وقدراتهم الأدبية الإبداعية، وهي ما سيتم تفصيله في سياق هذه الدراسة.

أدب الأطفال والتربية الإبداعية

مفهوم التربية الإبداعية: يقصد بالتربية الإبداعية أن توجه التربية اهتمامها وأساليبها وأنشطتها ونتائجها إلى مجال الإبداع، مع مراعاة خصائص وإمكانيات ومقومات كل من التربية وعمليات الإبداع ودورها بالنسبة للفرد والمجتمع. أي أنها هي التربية في مجال الإبداع، وما يمكن أن يحدث بينهما من تفاعل ونشاط إيجابي متميز، مع توظيف خصائص الإبداع ومقوماته لإثراء حياة الفرد والمجتمع الحاضرة والمستقبلية، وتنميتها، وتطويرها لمواجهة ما يطرأ عليها من .) متغيرات ومواقف ومتطلبات، بأفضل صورة ممكنة )نجيب، 1994

مفهوم أدب الأطفال

خبرة لغوية في شكل فني، يبدعه الفنان، وبخاصة للأطفال « : يمكن تعريف أدب الأطفال بأنه فيما بين الثانية والثانية عشرة أو أكثر قليلاً، يعيشونه ويتفاعلون معه، فيمنحهم المتعة والتسلية، ويدخل على قلوبهم البهجة والمرح، وينمي فيهم الإحساس بالجمال وتذوقه، ويقوي تقديرهم للخير ومحبته، ويطلق العنان لخيالاتهم وطاقاتهم الإبداعية، ويبني فيهم الإنسان.

كما يعرف أدب الأطفال بأنه شكل من أشكال التعبير الأدبي، له قواعده ومناهجه، سواء منها ما يتصل بلغته وتوافقها مع قاموسه الطفل، ومع الحصيلة الأسلوبية للسن التي يؤلف لها، أم ما يتصل بمضمونه ومناسبته لكل مرحلة من مراحل الطفولة، أم يتصل بقضايا الذوق وطرائق .)18 : التكنيك في صوغ القصة، أو في فن الحكاية للقصة المسموعة )يحيى، 2001 الآثار الفنية التي تصور أفكاراً وأحاسيس وأخيلة « : ويعرف أدب الأطفال بأنه في مجموعه هو الهيتي، 1979 ( في ( » تتفق ومدارك الأطفال وتتخذ أشكال القصة والمسرحية والمقالة والأغنية | 75 | .) )أبو فنة، 2001 قد ينطبق على » الآثار الفنية التي تصور أفكاراً وأحاسيس وأخيلة « والقول عن الأدب بأنه الأدب عامة- الموجه للصغار والكبار على السواء- ولكن قول الهيتي بوجوب ملاءمة تلك الآثار قدرات الأطفال العقلية « الفنية لمدارك الأطفال، أو ضرورة ملاءمة مضامين تلك الآثار مع هذا التحديد يشير إلى اختلاف أدب الأطفال وتميزه عن أدب الكبار ،» والخيالية والعاطفية بسبب اختلاف جمهور المتلقين الصغار وخصائصهم.

وكما أن هنالك اختلافاً في تحديد مفهوم أدب الأطفال، فإن هنالك أيضاً اختلافاً حول تحديد مرحلة الطفولة، وحول تقسيماتها المختلفة، فمن الباحثين من ينتهي بها عند الثانية عشرة، ومنهم من يمتد بها حتى سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، ومنهم من يصل بها إلى أكثر من ذلك.

أنواع الأدب

وقسم رافع يحيى الأدب إلى نوعين رئيسين:

1. أدب بمعناه العام: وهو يدل على النتاج العقلي عامةً مدوناً في كتب.

2. أدب بمعناه الخاص: وهو يدل على الكلام الجيد الذي يحدث لمتلقيه متعةً فنية )يحيى، .)2001

وفي ضوء ما سبق، يمكن أن نجد لأدب الأطفال في المرحلة العمرية التي يدور حديثنا حولها، مفهومين رئيسين:

أ. أدب الأطفال بمعناه العام: وهو يعني الإنتاج العقلي المدون في كتب موجهة لهؤلاء الأطفال في شتى فروع المعرفة؛ مثل: كتب الأطفال العلمية المبسطة، والمصورة، وكتبهم الإعلامية، ودوائر المعارف الموجهة إلى الأطفال.

ب. أدب الأطفال بمعناه الخاص: وهو يعني الكلام الجيد الذي يحدث في نفوس هؤلاء الأطفال متعة فنية سواء أكان شعراً أم نثراً، وسواء أكان شفوياً بالكلام، أم تحريرياً بالكتابة؛ مثل قصص الأطفال ومسرحياتهم وأناشيدهم وأغانيهم وما إلى ذلك.

ومما تجدر الإشارة إليه أننا عندما نتحدث عن الكتب، إنما نقصد إلى معناها الواسع، بحيث تضم: المقروء، والمسموع، والمرئي، تمشياً مع مقومات التقدم التقني المعاصر.

ويرى بعض الباحثين، أهمية التمييز بين النتاج الفكري عن الطفولة والنتاج الأدبي الموجه «لهم. وينادون بإعادة النظر بين هذين النتاجين. ويرون أن أدب الأطفال له آثاره الإيجابية في تكوينهم، وبناء شخصياتهم وإعدادهم ليكونوا رواد الحياة. والطفل هو الإنسان في أدق مراحله وأخطر أطواره، ومن ثم فإن الاهتمام بالجانب الوجداني من حياة الطفل يتعين | 76 | ألا يعلوه أي اهتمام آخر، ويقوم أدب الطفل بوظائف التربية الجمالية والأخلاقية والنمو .) يحيى، 2001 ( » اللغوي... الخ

اللغة والأسلوب في أدب الأطفال

يمكن القول إن غالبية الأدباء والباحثين الذين تطرقوا لقضية اللغة والأسلوب في أدب الأطفال، يجمعون على ضرورة مراعاة لغة الطفل وقاموسه حسب مراحل العمر والنمو، مع محاولة الارتقاء التدريجي لهذه اللغة، وهذا بدوره ينعكس في الأمور الآتية: على صعيد الألفاظ والتراكيب اللغوية- الدعوة لاستخدام الألفاظ والتراكيب السهلة، وتجنب « الغريبة غير المألوفة منها، والإقلال من المفردات والتراكيب المجازية إلا ما جاء منها عفوالخاطر، واللجوء إلى التكرار في الألفاظ والتعابير.

وعلى صعيد الجملة، تركيبها ونحوها- استخدام الجمل القصيرة أو المتوسطة الطول، وتجنب الجمل الطويلة المعقدة. استخدام الجمل والألفاظ الدالة على المعاني الحسية وتجنب المجرد المعنوي.

وعلى صعيد الأساليب- تحري الوضوح والجمال والدقة وتجنب الإسراف في الزركشة والزخرف والثراء اللغوي المتكلف، وتجنب أسلوب التلميح والمجازات الغامضة الصعبة، والاقتراب من أبو فنة، ( » والاستفادة من أسلوب الراوي في الحكاية الشعبية الشفهية » لغة الكلام « خصائص .)2001

ويعتقد البعض أن الكتابة للأطفال أكثر مشقة من الكتابة للكبار، بسبب الاشتراطات التربوية والثقافية التي يلتزم بها كاتب الأطفال، وبسبب مراعاته للمستوى العقلي والنفسي للمتلقين.

ويمكن القول إن أدب الأطفال قد يكون كل عمل أدبي يكتب ابتداءً وخصيصاً للأطفال، وقد يكون كذلك كل عملٍ أدبي يكتب ثم يقرأه الأطفال فيستسيغونه، ويجدونه مادة أدبية مشوقة ومحببة لهم حتى ولو لم يقصد مؤلف ذلك العمل توجيهه أصلاً للأطفال.

وبالفعل، هناك الكثير من الأعمال الأدبية التي لم تكتب خصيصاً للأطفال، ولكنها أصبحت مع مرور الزمن، بعد تعديلها وملاءمتها، من المواد الأدبية الشائقة والمحببة لدى القراء الصغار، ،) 1731- للكاتب دانيال ديفو ) 1660 » روبنسون كروزو « من بين تلك الأعمال نذكر رواية 1745 (. كذلك يدخل ضمن هذا - لجوناثان سويفت ) 1667 » رحلات جلفر « والرواية الساخرة الإنتاج الأدبي الذي أصبح جزءاً من أدب الأطفال، الأساطير والحكايات الشعبية بعد تعديلها وغيرهما )أبو فنة، » سيرة عنترة » و » ألف ليلة وليلة « وملاءمتها للأطفال، كحكايات وقصص .)18 :2001 | 77 |

الكتب المدرسية وأدب الأطفال

عند الحديث عن موقف الكتب المدرسية من أدب الأطفال يشار إلى أبعاد ثلاثة:

البعد الأول: يتعلق بتعريف أدب الأطفال، وفيه نرى أن الكتب المدرسية تدخل ضمن أدب الأطفال بمعناه العام، إذ أنها نتاج عقلي مدون في كتب موجهة إلى الأطفال.

البعد الثاني: يتعلق بجمهور القراء، ذلك أن كتب الأطفال هي ببساطة، كتب موجهة للأطفال )التلاميذ(، ولهذا لا بد للكتب المدرسية الناجحة من أن تراعي خصائص الأطفال وقدراتهم واهتماماتهم فيما تقدمه لهم من مواد دراسية منهجية.

البعد الثالث: يتعلق بالاتجاهات المعاصرة ومنها الأدبي الواضح نحو تذويب الفوارق بين الكتب المدرسية وكتب الأطفال الإعلامية، بحيث أصبحت كلها كتب أطفال مشوقة )يحيى، .)19 :2001

وفي ضوء هذه الأبعاد الثلاثة نستطيع أن نرى بوضوح أن الكتب المدرسية هي جزء من صميم كتب الأطفال وأدب الأطفال، وهذه حقيقة- على الرغم من بساطتها- تغيب عن الأذهان، وهي على قدر كبير من الأهمية؛ لأن الكتب المدرسية تمثل أهم قطاع من قطاعات الكتب التي يتعامل معها الأطفال، في كل مراحل نموهم، وفي جميع مراحلهم التعليمية.

تعليم وتعلم التفكير

يقتصر عمل الكثير من المدارس على تزويد الأطفال بالمعلومات المنهجية في نواحي العلوم والفنون والآداب المختلفة، وهذا يمثل قصوراً كبيراً في قيام هذه المدارس بدورها في تنشئة الصغار؛ لأنها تغفل أمراً على درجة قصوى من الأهمية هو: تعلم واكتساب طريقة التفكير الصحيحة، بحيث يكون تفكير الفرد علمياً منطقياً سديداً، موضوعياً بعيداً عن التعصب، أو المصلحة الشخصية والعوامل الذاتية.

وطريقة التفكير الصحيحة هي عادة معرفية لها قيمة كبيرة في التقدم البشري، وهي من أهم ما يجب أن يركز عليه المشتغلون في ميادين التربية والتعليم.

أما الاقتصار على الحفظ والاستظهار، والاعتماد على الذاكرة وحدها، فإنه لا ينجح في إعداد الفرد المفكر الناقد المستنير، الذي يحسن الحكم على الأمور، وتقدير العواقب، وابتكار الحلول، والذي يستطيع أن يسير بمجتمعه خطوات إلى الأمام.

اللغة والتفكير

هناك صلة وثيقة بين اللغة والتفكير، ويتوقف التفكير إلى حد كبير على الصورة اللفظية البصرية والسمعية، وكذلك على الكلام الباطن، ولهذا فإن اللغة تمثل عوناً كبيراً على التفكير، | 78 | وعلى تنظيمه وتيسيره وتوضيحه.

وكذلك نجد أن اللغة هي وسيلة تمثيل الأفكار، ونقلها بين أفراد الجنس البشري، وكلما زاد الثراء اللغوي، وتوفرت الكلمات المعبرة عن مختلف الأشياء والمفاهيم، زادت قدرة الفرد على التفكير والتعبير ونقل الأفكار، وأصبحت أكثر فعالية ودقة، ومن ثم فإن تقدم الفكر مرتبط أشد الارتباط بثراء اللغة، كما أن ضحالة اللغة وتخلفها، والفقر في الألفاظ، هي من العقبات .) الرئيسية في طريق التفكير ونموه ورقيه وتطوره )نجيب، 1994 واستيعاب هذا الارتباط الوثيق بين اللغة والتفكير يوضح عمق أثر أدب الأطفال وتأثيره على كل من: اللغة التي يقوم الأدب بدور أساسي في غناها وثرائها، والتفكير الذي يمكن أن يقوم أدب الأطفال أيضاً بدور مهم في تنميته وتطويره، ودعم أسلوبه الصحيح بين الأطفال.

تنمية التفكير الابتكاري والإبداعي

تقوم التربية الإبداعية بدور مهم في تنمية التفكير الابتكاري والإبداعي عند الأطفال بوسائل مختلفة:

1. إتاحة الفرص أمام الطفل للإسهام في حل مشكلاته الخاصة، وقيامه بدور إيجابي في هذا السبيل، بدلاً من أن نقدم له الحلول الجاهزة، مع تدريبه على إدراك المشكلة من جميع جوانبها، وافتراض الحلول، وتقييم هذه الحلول بطريقة موضوعية، ومحاولة وضعها موضع التنفيذ، وما إلى ذلك، ما ينمي التفكير العلمي والإبداعي عند الأطفال.

2. تنمية خيال الطفل بطريقة سليمة، والطفل لديه استعداد قوي لهذا، والخيال الإنساني مسؤول عن كل الأعمال الابتكارية في حياة البشر.

3. إتاحة الفرص أمام الأطفال للتجريب واكتشاف الأشياء واستطلاع البيئة المحيطة بهم، والكشف عن خواص الأشياء وتجريبها، وممارسة ألعاب البناء والتركيب، والرسم والقص والتكوين.

4. الاهتمام بالفروق الفردية بين الأطفال، والعمل على تنمية استعدادات الفرد وقدراته إلى أقصى حدودها وإمكانياتها.

5. إثارة اهتمام الأطفال بالمشكلات المختلفة، والإحساس بها، وإثارة حماستهم للبحث في هذه المشكلات، والتماس الحلول المبتكرة المناسبة لها.

6. الاهتمام بممارسة الأنشطة الإبداعية وتذوقها، مثل الرسم، والتصوير، والأشغال الفنية، والهوايات، والابتكارات التقنية، والتصميم، وكتابة الشعر والقصة ... الخ. وهنا يجد الطفل نفسه مبتكراً، يبدأ إنتاجه الفني بمعارفه السابقة، ثم يضيف إليها من ذاته وأحاسيسه وعواطفه وأفكاره، فيخرج إبداعاته الأولى التي تمهد لإعداده ليكون فرداً مبدعاً.__

7. تنمية قدرة الأطفال على الملاحظة الدقيقة، والتقاط الظواهر ذات القيمة، التي تبدو كأنها حدثت مصادفة )مثل سقوط التفاحة عن الشجرة(، وتشجيعهم على تفسير هذه الظواهر، واختبار التفسيرات المختلفة، والتحقق من صحتها.

8. تدريب الأطفال على الصبر والمثابرة وبذل الجهد المتصل، فالمبدعون يتميزون دائماً بالقدرة الفائقة على تحمل العناء.

9. تدريب الأطفال على التفكير الناقد الذي يحسن التعليل والتحليل وربط الأسباب بالنتائج، .) وتقييم الأمور بطريقة موضوعية )نجيب، 1994

البيئة المساندة للإبداع

مهما كانت قدرات الأطفال الإبداعية الكامنة، فإنها لن تؤتي أكلها ما لم تكن محاطة ببيئة مساندة دافئة، تكشف عن هذه القدرات وتوجهها وتساعدها على النمو والتطور. فكل الأطفال يولدون ولديهم قدرات إبداعية، ولكن الأمر يعود إلينا لتوفير البيئة المساندة لجهود الطفل الإبداعية.

وهناك عدة عوامل تساعد على مساندة التفكير الإبداعي لدى الأطفال ومنها: المرونة في استخدام الزمان والمكان، وتوفر المواد التعليمية المناسبة، والعمل خارج الصف أو المدرسة، واستخدام طرق تعليم تعتمد على اللعب مع توفر درجة معينة من التعلم الذاتي، وتوفر فرص .)Davies et al., التعاون بين الأقران، والوعي لحاجات التعلم ) 2013

“وعالم النفس كارل روجرز يقول: “إن الناس يحتاجون إلى شرطين إذا أرادوا أن يقوموا بعمل مبدع: الأمن النفسي، والحرية النفسية. وإحساس الطفل بالأمن النفسي ينتج من ثلاث عمليات مترابطة:

1. تقبل الطفل كفرد ذي قيمة غير مشروطة، والإيمان بالطفل بصرف النظر عن وضعه الحالي.

2. تجنب التقييم الخارجي، ودعم تقييم الذات.

Fisher. 3. التعاطف مع الطفل، ومحاولة رؤية العالم من وجهة نظره، وتفهمه وتقبله” ): 2001 .)35 وبإمكان الشخص البالغ الذي يرشد الطفل، سواء أكان أحد الوالدين، أو المعلم أن يقول للطفل “لا يعجبني تصرفك”، ولكن عليه أن يكون حذراً في استخدام بعض الألفاظ التي تقيم الطفل ذاته مثل: “أنت سيئ، مخطئ، كسول”. ومع أن الفرق بين الأسلوبين دقيق، وقد لا يتنبه له البعض، إلا أنه مركزي لبيئة الإبداع، فهناك فرق بين أن نقيم أو ننتقد سلوك الطفل، وبين أن ننتقده أو نقيمه هو ذاته، فقد سبق أن ذكرنا أنه يجب علينا أن نتقبل الطفل كما هو دون شروط.

| 80 | وقدرة الطفل الإبداعية تُغذّى بالاستحسان الإيجابي والدافئ من قبل البالغين المهمين في حياته. فالأطفال يميلون للخلق من أجل من يحبون.

أما الحرية النفسية فإنها تقوي الإبداع بإتاحة حرية التعبير لدى الأطفال. ويجب أن يشعر الأطفال بدرجة كافية من الأمان تتيح لهم تجربة الأشياء الجديدة، وأن يعطوا الحرية للقيام بذلك ضمن حدود، ولكن بحيث لا تكون حريتهم عائقاً أمام حرية الآخرين. وفي ظل مناخ مساند للإبداع يُقَدِّر الراشدون والأطفال عالياً الأصالة وليس المسايرة لأفكار الآخرين، ويقَُدِّرون كذلك اختلاف الأفكار وليس التشابه. ومن الممارسات التي تساند الإبداع تشجيع الذات .)Fisher, الساعية إلى التجريب وليس الذات الساعية إلى حماية نفسها ) 2001 وللتعابير والألفاظ التي نقولها للأطفال أهمية في إضعاف ثقتهم بأنفسهم، وتدمير تقدير الذات لديهم، أو على العكس دعم التفكير الإبداعي لديهم، ودعم ثقتهم بأنفسهم. وهذه بعض الأمثلة على التعابير المحبطة:

“من أين أتيت بهذه الفكرة السخيفة؟ لا تسأل مثل هذا السؤال الغبي. ألا تستطيع أبداً أن تفكر بطريقة صحيحة.ألا تفكر أبداً.هل هذا كل ما تستطيع قوله/ عمله/ التفكير به؟”. ومن الأمثلة على التعابير التي تدعم التفكير الإبداعي:

“هذه فكرة رائعة. أخبرني المزيد عن ذلك. كيف توصلت إلى هذه النتيجة؟ هل فكرت ببدائل أخرى؟ جرب ذلك بنفسك، وإن احتجت إلى مساعدة أخبرني. هذا سؤال جيد. أنا واثق أنك تفهم بشكل صحيح.”.

وعلينا أن نتقرب من الأطفال بتفهم كبير، هادفين إلى تقليل أخطائهم، ومكافأة جهودهم. “والدراسات البحثية أظهرت أهمية وجود توقعات كبيرة من الأطفال. فتوقعات البالغين من الطفل، سواء الإيجابية أو السلبية تؤثر على استجابات الطفل إلى التفكير والتعليم. ويذكرنا تورانس أن الإبداع يتطلب الجرأة؛ فبمجرد أن يمتلك الفرد فكرة جديدة، يصبح أقلية مكونة .)Fisher, 2001: من فرد واحد” ) 37

ومن المهم أن نذكر أن البيئة المساندة للإبداع، هي بيئة تقدم الدعم والمساندة والتشجيع للإناث كما تقدمها للذكور، فكما يستطيع الطفل الذكر أن يبدع، تستطيع الأنثى كذلك.

“وفي إطار البحث عن العوامل التي تساعد في تنمية الإبداع وتطوره، وجد أن آباء وأمهات الأطفال المبدعين أقل ميلاً إلى التسلط، ويتيحون لهم الحرية الكاملة لاتخاذ القرار الذي يراه الطفل المبدع مناسباً، كما يتيحون لأطفالهم فرصة اكتشاف البيئة من حولهم. أضف إلى ذلك قيام الآباء والأمهات باصطحاب أطفالهم إلى المكتبات، وكثيراً ما يقرأون الكتب والقصص أمام أطفالهم، فهؤلاء الآباء والأمهات يفضلون أسلوب التوجيه، ونادراً ما يلجأون إلى العقاب .)510 : الجسدي” )قطامي وقطامي، 2001 | 81 |

“وتؤثر العوامل الثقافية تأثيراً كبيراً على سير تطور الإبداع، ومستوى وظائفه، ونمطه. ويحصل الطلبة الذين يعيشون في بيئات مدعمة وغنية ثقافياً على درجات إبداع أعلى من الدرجات التي يحصل عليها الطلبة الذين يعيشون في بيئات محبطة ومحرومة، أو فقيرة ثقافياً” )قطامي .)511 : وقطامي، 2001

 

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.