هند العيتي: شلة خيوط.. قصة قصيرة

  عاملة على واحدة من عشرات المكنات التي تصطف في معمله ...لم تلتق به إلا يوم جاءت تقدم رجلا وتؤخر أخرى لتدخل مكتب الباشا ...الذي كان هو!

جاءته تساوم على سلفة على المعاش لتسدد ثمن الدواء لصغيرها ....تستهويه المساومات يتقنها....تفحّص الخامة أمامه...خامة ممتازة ..ومن مثله يقدر الخامات النادرة!

 

رفعت رأسها تهمُّ بالنهوض ..لم تستطع ،جالت عيناها الغرفة بفتور وعاد رأسها الثقيل يجرها بإصرار إلى السرير...عدة صباحات وهي على هذه الحال..حدّثت نفسها :أيكون الأمر قد حصل؟! بل حصل فعلا!

باتت متأكدة  أن روحا أخرى تسكن جسدها.....تتمطى داخله.. تقيمه وتقعده توقظه وتطرحه...روحا  تأمرها فتفعل،تنهاها فتنتهي ...لم تعدْ تحبُّ ما تحبُّ...ولم تعدْ تكره ما تكره! نعم الأمر قد حصل ..لم تخطط له...لكنها تخشى أن تصارح نفسها بأنها لم تتجنبه!

مسَّدت بطنها برفق وحاولت أن تتهجى الكلمة الجديدة عليها..حامل ..حامل بعد عشرة أعوام من الزواج وهي تقترب من عامها الأربعين... أحست بغبطة وزهو ونسيت ما كان عليها ألا تنساه!

عندما تزوجته كانت تقترب من الثلاثين ....وكان هو يخطو نحو عامه الستين ....

عاملة على واحدة من عشرات المكنات التي تصطف في معمله ...لم تلتق به إلا يوم جاءت تقدم رجلا وتؤخر أخرى لتدخل مكتب الباشا ...الذي كان هو!

جاءته تساوم على سلفة على المعاش لتسدد ثمن الدواء لصغيرها ....تستهويه المساومات يتقنها....تفحّص الخامة أمامه...خامة ممتازة ..ومن مثله يقدر الخامات النادرة!

خيط الحرير لا تخطئه أصابعه... تخرجه من بين ألف خيط ...خيط الصوف يشتم رائحته ...يعرفه دون أن يلمسه ....والخامة الماثلة أمامه الآن...شلة حرير وصوف مجدولة مع خيط ذهب!

ورغم أنه لم يلمسها(الشلة)! إلا أن عينيه الخبيرتين أنبأتاه أنها مصقولة ومنعمة بشمع العسل!

كان يحدق إليها عندما اكتشف أنها أنهت كلامها من زمن وتنتظر جوابه....منحها ابتسامة واعدة وربت على كتفها تربيتة حاول أن يجعلها أبوية ...مضت تأمل خيرا هو لم يكن يأمل ..كان قد قرر!

تاجر محنك مثله لا تخطئ حدسه الصفقة الرابحة ... والصفقات كلها يزنها ميزان واحد فقط  .. لا يفعل شيئا يخجل منه ...أو يُخجلُ أولاده!

الست الكبيرة مريضة منذ زمن ...والكل يلمح له أو يصرح.. بأن يتزوج .... سيتزوجها...ومثل أية صفقة كانت الشروط واضحة للطرفين!هي تريد منه أن يرعى أولادها حتى يكبروا...هو..لا يريد منها أولاد....عقد عليها ...والعقد شريعة المتعاقدين!

انقبضت أمعاؤها بعنف وانقلبت رأسا على عقب ،ملأ الطعم المرّ فمها...اقتلعها من سريرها وقذف بها إلى الحمام..نضخت رأسها وجسمها بالماء البارد...هدأت ونظرت في المرآة ؟...حدقت فيها تلك التي في المرآة...أشارت عليها...انتظري! كانت تلك التي في المرآة شاحبة كجديلة من خيوط الفضة!

ستنتظر ...لن تخبره الآن ....ليس قبل أن تذهب إلى الطبيب!كانت تحدق في السقف قطّب السقف في وجهها ؟ والشرط الذي بينكما؟!

الشرط؟! كان منذ زمن بعيد....أيام الست الكبيرة ....الآن هي في رحمة الله ...وأنا صرت الكلَّ في الكلّ!

أشاحت بوجهها عن السقف وجالت عيناها الغرفة تفكر بهمّة!

عربة الطفل ستضعها إلى يمين السرير من جهتها...الدروج الصغيرة ستخصصها لأغراضه..قامت بخفة تفتح خزائنها ...لا بد أنها ستحتاج إلى عدد من أثواب الحمل...أيّ الألوان ستختار!شدت الثوب القطني على جسدها ونظرت في المرآة تفكر بجدّ! ابتسمت لها التي في المرآة ممازحة: فرحة! كأنها المرة الأولى!

حدقت فيها معترضة:وهل عرفتُ طعم الفرح في المرة الأولى ؟

جلستْ مواجها لتلك التي في المرآة وأنشأتْ تشرحُ لها:كنت في السابعة عشر.. طفلة! بعد شهر من عرسي ...أغمي علي!قالوا لي مبروك أنت حامل....بعد تسعة أشهر..قصم الألم ظهري...قالو لي  أنت تلدين ...بعد شهر أغمي علي قالوا لي دون مبروك ...أنت حامل....بعد تسعة أشهر كان في حجري طفلان يصرخان ..لا يجدان أبيهما....ولا أجد ما أسكتهما به !

أغمضتْ التي في المرآة عينيها و أمنت على كلامها :معك حق ..هذه المرة غير!

نعم هذه المرة غير....أغمضت عينيها وغطت في نوم هانئ.

باتت تصحو وتنام وتصحو ...ويكبر السرّ الذي لم تبح به لأبيه ..يكبر ..حتى غدا له نبض وأقدام صغيرة تركل ...وأصابع دقيقة تنقر على جدار بطنها نقرات خافتة....

لا تدري لمَ احتفظت بالأمر سرا... ربما كان كطعم  حلو أرادت أن تحتفظ به لها وحدها ...أن تتذوقه على مهل جرعة جرعة حتى الامتلاء!لكن السرَّ كاد ينطق بنفسه ..حسمت أمرها وقررت أن تخبره!

بعد عشر سنوات من زواجها منه كانت قد اكتملت سحرا وفتنة ولم يعد من شك في أنها  الست الهانم بنت الهانم ...التي لا يرد لها الباشا طلبا ....كيف لا وقد أتقنت كل فنون غوايته!

دنت منه بدلال.. تظهر ولا تخفي...رمقها بنظرة  سريعة ثم أشاح  ينفث دخان تبغه بعيدا:" يا بنت..." عندما يدللها يقول لها يا بنت! وألمح لها مداعبا أنها أصبحت سمينة وجسمها تعوزه الرشاقة!

عندما تستجيب لدلاله تقول له ياباشا!

قالت له "يا باشا..." وأخبرته عن الباشا الصغير ، لملمت غلالتها وابتعدت بدلال أعاد النظر إليها فاحصا  نفث دخانه في وجهها واتقدت عيناه جمرتين تسألان منذ متى ؟اختلجت في داخلها كورقة أخيرة تقاوم ريحا خريفية صارعت اختلاجها وتجلدت تتابع عنجها :" من خمسة أشهريا باشا"

هزها من كتفها:"عودي إلى عقلك "... واستحالت كفه حطب،أرغى وأزبد ..أصبح في ثياب الخروج...أشار إلى بطنها... أشار إلى الباب ..تركها كومة خيوط متشابكة وخرج .

أطرق السقف ...أشاحت عنها المرايا ..فرت من النافذة أثواب حملها ...اختفت من الدروج الأقمطة المطرزة والصدارات واللعب ...تدحرجت عربة الطفل بعيدا عن السرير...نقرت الأصابع الصغيرة...ضغطت عليها تسكتها ...تسكتها ...أو تعود من حيث جاءت! كممت فمها بيدها ثم أخرجت كل القيء الذي كانت كتمته....عانقت النبض في حضنها ..جالت عيناها الغرفة ..سألت لم يجبها أحد!

تعود من حيث جاءت! تعود إلى الحارة ..إلى بيت أخيها ...إلى نظرات زوجته....

وابنها الذي وعده بعمل في الخليج !وابنتها التي ستصبح زوجة مدير أعماله !أتعود من حيث جاءت ؟ نقرت الأصابع تستفهم ...لم تجبها ....تراءت لها خارجة  من جدار بطنها ....تهزّها ...تعنّفها...ارتمت غائبة عن الوعي ....في الصباح سحبت رأسها الثقيل عن الوسادة....وشوشت المرايا أخبرت السقف ذهبت دون أن تسمع منهما رأيا!

في اليوم الثاني جلست تشرب القهوة مع الباشا... عادت إلى عقلها! وعادت تحبُّ ما تحبُّ وتكرهُ ما تكره...بعد أسبوع استعادت رشاقتها ....بعد شهر ..مات الباشا ..لم يغدر بها ..ولم ينقض لها عهدا ونالت ميراثها منه كاملا كزوجة..لكن وهماً لم يبارحها بأن أصابع صغيرة مازالت تنقر في جدار بطنها ولا تكفّ!!

           

هند العيتي                                                30- 1-2010

------------------

دار الفكر تشكر الأستاذة هند العيتي لتقديمها هذه القصة لنشرها على الموقع في باب "القصة القصيرة"

إضافة تعليق

7 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.