صندوق الحج الوقفي.. ماليزيا أنموذجاً

المتابع لأحوال حجاج بيت الله الحرام الذين يفدون إليه من كل حدب وصوب يلفت انتباهه ما يتمتع به حجاج دولة ماليزيا من سمت وحسن تنظيم وانتظام دقيق يتسم به أفرادها بشكل خاص، وهذا المظهر الحضاري المميز شدني لمناقشته مع أخي الفاضل الأستاذ الدكتور زايد الحارثي الملحق الثقافي السعودي في ماليزيا حيث اطلعني على التجربة الرائدة التي انتهجتها الحكومة الماليزية في هذا المجال مما دفعني للتقصي عنها وعن تاريخها فوقفت على أن الحكومة الماليزية تبنت قبل ما يزيد على خمسين عاماً تحديداً عام 1963م تأسيس صندوق استثماري تحت مسمى صندوق طابون حاجي (Tabung Haji) وجاءت فكرة تأسيس الصندوق حينما تبناها الاقتصادي الماليزي أنكو عزيز عام 1959 حينما دعا إلى إنشاء مؤسسة غير ربوية تقوم على ادخار أموال الماليزيين الراغبين في الحج واستثمارها، وقد حظيت المؤسسة بتأييد شيخ الأزهر آنذاك الإمام محمود شلتوت إبان زيارته لماليزيا عام 1962، حيث قال عنها: "إنها خطة مقبولة شرعًا وسيجني منها المسلمون نفعا كثيرا"، وكان منطلق الفكرة في ذلك الحين مراعاة حال الحجّاج الماليزيين الذين كانوا يستعدون لرحلة الحج ويدخرون لها سنوات عديدة ويستدينون ويبيعون جزءًا من ممتلكاتهم لأجل تأمين كلفة رحلة الحج وتحمل أعبائها المالية، وبعد عودتهم يحملون على كاهلهم هم تسديد الديون الباهظة التي تكبدوها جراء تأديتهم لفريضة الحج، وقد بادرت الحكومة الماليزية إلى تبني مشروع الصندوق التكافلي لأجل تخفيف معاناة الراغبين في أداء فريضة الحج والتسهيل عليهم، فأنشأت مؤسسة حكوميّة شبه مستقلّة، أطلقت عليها اسم طابون حاجي (أي مؤسسة صندوق الحج باللغة الماليزية)، لمساعدة الفقراء والمحتاجين على توفير المال اللازم للذهاب إلى الحج والتيسير على عامة الماليزيين بأداء هذه الفريضة بلا كلفة، وفكرة الصندوق قائمة على أن الأسرة الماليزية منذ ولادة المولود تفتح حساب ادخار له في هذه المؤسسة غير الربوية بمبلغ زهيد وتحافظ على استقطاع أقساطه الشهرية لا تتجاوز دولارين أو ثلاثة شهرياً وبذلك يؤمن له كلفة نفقات الحج بطريقة تدريجية ويتم توظيف استثمار الأموال المدخرة لصالح المدخرين وتقسم الأرباح بين المساهمين على أساس المشاركة. وذلك تحقيقاً لفكرة المشروع التي راعت رغبة المسلمين الماليزيين في تحاشي التعامل مع البنوك التقليدية الربوية، وكان هذا الصندوق نواة ومنطلقاً للمصرفية الإسلامية، وقدّم للماليزيين فرصة الاستثمار في “صندوق توفير الحج” ذي الإيداعات المضمونة بنسبة 100% من قبل الحكومة الماليزيّة (مما يضمن عدم خسارة أي قرش من الأموال المستثمرة) وتقوم شخصية مرموقة في البلاد بإدارة الصندوق والإشراف عليه للتأكد من استخدام أمواله في استثمارات توافق أحكام الشريعة الإسلاميّة. وكانت النتيجة أن اصبح واحداً من أكثر صناديق الاستثمار نجاحاً في العالم حيث بلغة قيمة استثماراته وأصوله في أنحاء متفرقة من العالم قرابة 56 مليار دولار!.
وقد استفادت عدداً من الدول الإسلامية من هذه التجربة الرائدة وآخرها الأردن حيث أسست "صندوق الحج" اقتباساً من فكرة " صندوق طابون حاجي" فما أجمل أن تعمم هذه التجربة المميزة التي تعد بحق أنموذجاً غاية في الروعة والإتقان وحسن الإدارة والاستثمار مع تحقيقها لأحد أهم أهداف ومقاصد الوقف في الشريعة الإسلامية مع إبرازها لمبدأ التكافل الاجتماعي الذي تميزت به شريعتنا الغراء خصوصاً وأن الإنفاق على مصرف الحج يعد من أبواب البر والإحسان الفاضلة. يقول العلامة الشيخ محمد بن عثيمين يرحمه الله: "من أعان حاجاً على أداء الفريضة كان له مثل أجره؛ لأنه أعانه على الخير" وتخصيص أوقاف يصرف ريعها على التكفل بنفقة من لا يستطيع الحج أو عن من لم يؤد فريضة الحج يعد من القربات الجليلة التي فيها إعانة للمحتاج على إتمام أحد أركان دينه ونيل لأجر عظيم يوازي أجر الحاج لقوله: (من دعا إلى هدى كان له مثل أجر من فعله لا ينقص من أُجورهم شيئاً) والواقفون على مر التاريخ اهتموا بغير المستطيعين لأداء فريضة الحج وسعوا للتكفل بدفع نفقات من يقوم بأداء الفريضة عنهم فقد ذكر ابن بطوطة أن بدمشق أوقافاً مخصصة للعاجزين عن الحج، يعطى لمن يحج عن الرجل كفايته. وبحمد الله لمسنا في الآونة الأخيرة تبنياً لمشروع التكفل بالحج لغير القادرين على تأمين تكاليفه من بعض الجمعيات والمؤسسات الخيرية المانحة والموفقين من رجال الإعمال والخيرين حيث يتم تغطية نفقات مئات بل آلاف الحجاج سنوياً، وأظن أن الجهود (المشتتة) للجمعيات الخيرية والمؤسسات والأفراد التي تعنى بالتكفل بنفقات حج غير المستطيعين لو استلهمت فكرة صندوق طابون حاجي (Tabung Haji) عبر هيئة أو مؤسسة خيرية تعمل تحت مظلة الدولة يشرف عليها نخبة من العلماء وطلبة العلم الموثوقين ويديرها نخبة من الاقتصاديين فإن هذا المشروع الوقفي الرائد سيسهم في تحقيق رغبة الواقفين الذين يرغبون تخصيص بعض أوقافهم للصرف على هذا المصرف الخيري، كما أن عوائده الاستثمارية ستوسع قدرته على استيعاب أعداد مضاعفة من غير القادرين على أداء فريضة الحج وسيمثل هذا الصندوق – إن تم إقراره - نقلة في مجال العمل الخيري النوعي المؤسسي في المملكة.

إضافة تعليق