الاسلام والغرب: نظرة نقدية حول المستقبل(الجزء الثاني)

(5)عقّب الباحث (تركي علي الربيعو) على الورقة السابقة للباحث (زكي الميلاد)، وقد عنون تعقيبه بعنوان (من نحن من الآخر) حاول أن يشير من خلالها إلى العقلاني واللاعقلاني والمتخيل في علاقتنا بالغرب، وهو بذلك يمارس نقداً‏على النقد الذي قدمه زميله الباحث (الميلاد) إنطلق أولاً من مقاربات نقدية مشهورة لأبرز الكتاب الماركسيين العرب من أمثال «عبد الله العروي» وغيره. وقد قام إلى جانب ذلك برصد الإجابة عن هذا التساؤل (من نحن ومن الآخر؟) عبر مشاريع الإسلاميين المتنورين أيضاً أمثال (السيد الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وسيد قطب) التي حملت إجابات متعددة عن هذا السؤال. ورصد أيضاً وجهات نظر الليبراليين والتكنولوجيين العرب في هذه الإشكالية، وبيّن الرأي في هذه الإتجاهات مُفصلاً، حتى استنتج وفقاً‏(للعروي) أنّ الإجابة في كل مرة تنطلق من واقع المفكر الذي يتبناها، حيث رمز إلى الإتجاهات الرئيسية في الوطن العربي والإسلامي بـ (الشيخ والليبرالي وداعية التقنية) الذين يمثلون لحظات من الوعي العربي المعاصر الذي يحاول منذ زمن بعيد أن يفهم نفسه ويفهم الآخر.

وبعد أن يستعرض (تركي الربيعو) في تعقيبه هذا أنماط الإجابة التي تقدم بها هؤلاء الثلاثة، يخلص إلى نتيجة جديدة هي أنّ هذه الإجابات ناقصة لأنها مؤطرة بإطار واحد معين تحكمه النمطية في الأداء الفكري أصيلاً كان أم مستعاراً، وفي النهاية يتساءل (الربيعو) بناءاً على ما طرحته ورقة (الميلاد). أين يمكن أن نعثر على المنظور الجديد للعلاقة بين الغرب والإسلام، ما دام (الأنا/النحن) عاجز عن الإجابة الحقيقية، فضلاً‏عن عدم قدرة الغرب التخلي عن الشعور الإستعماري بابتلاع الآخر واستلابه وعدم قدرة الغرب أيضاً على التخلص من عقدة الإسلام الذي يتصوره عائقاً أمام نهضته المستمرة.. وتساءل (الربيعو) أيضاً، هل تستطيع التوفيقية وراء خطاب (الميلاد) في بحثه عن المنظور المعرفي الجديد أن توفق بين المتناقضات؟ بين غرب متقدم وعدواني ويزداد انكفاءاً على نفسه يوماً بعد يوم، وبين عالم عربي وإسلامي متفرق ومتخلف وتسوده الحروب الأهلية.
إنّ ذلك غير ممكن ـ حسب الربيعو ـ إلاّ عندما تستند هذه التوفيقية إلى جدار (اليوتوبيا)، أو عندما نصبح بمستوى الحوار الحضاري لا أن نستجديه.. ثم يختم (الربيعو) تعقيبه هذا بمشاركته (الميلاد) قلقه وتوزعه في نقد الخطابات السائدة الغربية والإسلامية وغير الإسلامية في إطار سعيه المشروع لبناء المنظور المعرفي الجديد غير أن ـ أي الربيعو‏ـ لايشارك (الميلاد) تفاؤله ولا رهانه عندما يراهن على /20/ مليون مسلم في أوربا من شأنهم أن يحسنوا صورة الإسلام لئلا يقع ضحية النمطية والأسطرة واليوتوبيا، وليس ضحية الخصوصية التي غالى بها الأستاذ الميلاد عندما عالج مسألة الديمقراطية والعلمانية والحداثة وحقوق الإنسان بابتسار وعلى عجالة لاتفسر إلاّ من خلال التوفيقية المبثوثة من خلال خطابه /ص 86/

(6)

أما الورقة التي قدّمها الباحث‏(تركي الربيعو) كمساهمة تحليلية لظاهرة الخواف من الإسلام والمنتشرة في الوعي الغربي منذ زمن بعيد، فقد مهّد لها بالإستشهاد ببعض الكتابات الغربية التي أشارت إلى أولئك الذين يجازفون بتكرار التاريخ وإعادة صوره البشعة في إطار رغبة السيادة العارمة التي يستشعرها الغربي دائماً إزاء الآخر (وهو الإسلام).. وقد عالج (الربيعو) هذه الإشكالية في صميم مساهمته هذه كعادته من خلال قراءته لكتب أبرز الكتاب العرب على اختلاف توجهاتهم وتياراتهم الفكرية. لأنّ هذه الكتب ـ حسب الربيعو‏ـ عالجت هذه الإشكالية من منظور تاريخي وحضاري ولكنها تبقى محكومة بهاجس إعادة انتاج الأسئلة المسكوت عنها تحت وطئة التبعية الثقافية للغرب وبهاجس البحث عن مخرج من الوضع الحرج عن إمكانية تجاوز حالة الخصام إلى حالة الوئام على حد تعبير (محمد أركون)، وعن إمكانية تجاوز الخواف التي يعيشها الغرب من الإسلام حيث الخواف حالة مرضية تسود هناك في الغرب وهذا ما يلحظه (هشام جعيط) ويقف عنده (محمد عابد الجابري) جيداً، والذي لايرى مبرراً لإستمرار هذه الحالة المرضية التي تسود وتسوّد صفحات أجهزة الإعلام في الغرب وتدفع إلى حالةٍ من الرعب من الإسلام غير مبررة وغير واقعية على الإطلاق /ص 94/
ولعل قراءة هذه الكتب التي تحدثت عن إشكالية العلاقة بين الغرب والإسلام تشكل الأساس الذي يعتمد عليه (الربيعو) في المتفرق والمتحد من الرؤية الفكرية العربية لهذه العلاقة، فالمؤلفون الثلاثة (جعيط والجابري والأركون) ينطلقون من رؤية تحليلية مشتركة (غربية ـ عربية) ولذلك وجد (الربيعو) نفسه بحاجة ماسة?إلى أن يستعين بكتاب (تغطية الإسلام) لمؤلفه (ادوارد سعيد) الذي يفسر العدوانية التي يقفها الغرب ضد الإسلام من جانب واحد..‏كل هذه الكتب بما تحمله من تفسيرات وتحليلات لصورة هذه العلاقة، يضعها (الربيعو) أمامه ليتساءل من خلالها، إلى?أي مدى يستطيع المثقف الأكاديمي أن يلعب دور الوسيط بين مفهومين جغرافيين وثقافيين وتاريخيين في آن، بين أوربا والغرب وبين الإسلام؟ ثلاثة وجهات نظر مختلفة كل واحدة منها تنطلق من موقعها الذي يمثل موقع الكاتب وفاعليته في وسطه الثقافي.. حيث يؤكد الجابري من موقعه على أنّ الخواف من الإسلام يعزى إلى دوافع سيكولوجية دفينة ورغبات لايريد الخطاب الإعلامي في الغرب أن يفصح عنها، وهذه الرغبات من وجهة نظر الجابري تأخذ شكل حاجات بيولوجية مثل الحاجة إلى البترول ولذلك ليس غريباً أن تحصر دائرة الإسلام في مرات كثيرة بين العرب وإيران.

(7)

يقرأ (الربيعو) الكتب الثلاثة التي تشترك في تأسيس رؤية تحليلية لشرعنه الخواف من الإسلام لدى الغربيين، فيجد (هشام جعيط) أنّ شرعنة الخواف هذه تأسست من الأحكام (القروسطية) فمن هذه التجربة الأصلية للعداء الغربي للعرب سيستمد الوعي الغربي القروسطي الأسس الإنفعالية لتمثلهُ الإسلام، التمثل المجبول بالعداوة. ثم أنّ هذه الأحكام القروسطية قد أُدخلت في اللاوعي الجماعي للغرب وفي مستوى عميق.. ثم عمل هذا الوعي في أوربا الحديثة على أن يعتبر الإسلام ديناً بسيطاً يمكن بسهولة رميه إلى خارج التيار الروحي المركزي للإنسانية، ومن هنا وعلى طول العصر الحديث جسدت المسيحية وبكل قوتها في الغرب، الإتجاه المعادي للإسلام وذلك على الرغم من تحرر الفكرة العلمانية من الضغط المسيحي على التأمل العقلاني والذي كان من شأنه أن يقدم إسهاماً إيجابياً يرى في الدين الإسلامي جزءاً متمماً وهاماً‏من التاريخ الإنساني /ص 98/
ثم توغل (الربيعو) في المفاصل الرئيسية الأخرى من كتاب (صدام الثقافة والحداثة) لمؤلفه (هشام جعيط) حتى دخل في القرن التاسع عشر والعشرين حيث رصد الخلفية الفكرية في الوعي الأوربي، وعرض جوانب من مواقف المثقفين الغربيين تجاه الإسلام. من فولتير وهجومه على الرسول (ص) إلى (فولني) مروراً برؤية الرحالة الرومانسيين للإسلام والتي هي أكثر ابتذالاً من الفلاسفة على حد تعبير (جعيط). ثم ينتقل إلى دراسة المشتغلين في حقل‏(الأتنولوجيا) من (رينان) إلى (ستروس) اللذين يأكدان على الكلية الشاملة للإسلام وذلك بهدف إدانته حيث ينجح (جعيط) في هذا الجمع والقراءة، هؤلاء جميعاً يحاولون تصوير الإسلام على أنه بنية للعنف والعداء ويرون في القيم العربية كالرجولة والفخر والبطولة تعويضاً كاذباً لشعور بالنقص. وكل ذلك سببه الإستعارة التي قام بها هؤلاء من الإستشراق الذي كانت وراء بعضه قوة عالمية جديدة هي (الإمبريالية) ونفس الشيء يقوم به (الربيعو) مع كتابي (الجابري وأركون) ويعطي للأول منهما خصوصية عيشه في الواقع العربي وعدم تعرضه للإضطهاد الذي يطال المهاجرين والمسلمين والعرب، فهو خارج أوربا وأمريكا، وبالتالي فهناك مسافة بينه وبين الصورة التي رسمها الإعلام الغربي عن الإسلام، وهذه المسافة تتيح له التأمل في الظاهرة وتفكيكها وتحليلها. إنّ تساؤلات الجابري هنا مضمرة في البحث عن دور (الانتلجنسيا) العربية التي تغيب عن ساحة الحوار تحت ضغط الأيديولوجيا الغربية المعادية للإسلام والتي تستعير بواعث التعبير عن نفسها من أيديولوجيا عصر الأنوار، بصورة أدق من فلسفة التاريخ والتي تمتد من (كانط) إلى (هيجل) والتي تتمركز على الذات وتستبعد الآخر وتنفيه، ومن حقل الإستشراق. حيث يؤكد الجابري أن الإستشراق هو الوجه الآخر لفلسفة التاريخ.
ويكفي هذا إشارة إلى تمام المعرفة بطريقة التفكير الغربي إزاء الإسلام. إنّ نفي الآخر وتنصيبه عدواً، يصبح ضرورة ليتعرف الغرب على نفسه، فكل معرفة تمرّ من خلال الآخر، والآخر الآن هو الإسلام الذي يضمّنه الغرب كل أنواع السلب ليجعل منه أضحية ممتازة /ص 104/.
أما بالنسبة لـ (أركون) فإنّ ما يقلقه بهذا الصدد هو انتشار الأدبيات السياسوية المتسرعة في الغرب والتي تتحدث بكل خفّة عن الإسلام والحركات الإسلامية والأصولية والتطرف والراديكالية.. الخ.
إنها من وجهة نظر (أركون) تكرار الخطأ نفسه إذ تضخم دور الإسلام وتعتبره حاسماً في كل شيء وفي كل المجالات والسياقات، وكما فعل الماركسيون مع العامل الإقتصادي عندما ضخّموه إلى درجة التأليه راح هؤلاء الكتاب المتسرعون يضخمون العامل الديني ولايرون في كل مكان إلاّ الإسلام، وأصبح الإسلام على أيديهم متشيئاً، متصلباً، جامداً، أبدياً، جوهرانياً..
وأخيراً يقف (الربيعو) أمام (ادوارد سعيد) ليؤكد أنّ القراءة الدقيقة التي قام بها (سعيد) تفصح عن عمق في النظر إلى الكيفية التي تتحكم بها وسائل الإعلام الغربي في تشكيل وعي الآخرين وفهمهم وخاصة فيما يتعلق بالإسلام، وما يقلقه هو ذلك (الإجماع) المؤسس في البحث عن كبش فداء، عن ضحية مستعيرين هنا لغة (الميثولوجيا) على اعتبار ان الإسلام هو كبش فداء لكل ما لا يروق للغربيين من أنماط سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة في العالم..‏وهنا يؤكد (سعيد) على ضرورة قراءة الوضع السياسي والإقتصادي والفكري للغرب في نظرته للإسلام ليكتشف الباحث بعدها أنّ (سعيد) يركز على الغرب من وجهة نظره، لا المسيحية، هو الذي بقي دائماً في موضع التنافس والعداء مع الإسلام، فالغرب ظلّ يرقب باستمرار قوة الإسلام والمؤهلة لإزعاجه المرّة تلو المرّة، يقول سعيد: لم تتم أبداً تهدئة الإسلام أو هزيمته. وإن كانت هذه هي الحال. فهل يمكن القول أن الإسلام ضد الغرب.. من وجهة نظر أغلب الباحثين الجواب لا، ولهذا يسعى (سعيد) لفضح النظام عبر منهجية صارمة هدفها نشدان الحقيقة.
ثم يتسائل (الربيعو) في نهاية ورقته عن إمكانية الحوار في إطار كل الذي ذكره من طبيعة العداء الغربي للإسلام ورغبة الأول في القضاء على الثاني!

(8)

في تعقيبه الذي ضمّنه رؤية الغرب للإسلام.‏يحاول الباحث (زكي الميلاد) الإشارة إلى ان الوقوف على أرضٍ مشتركة تجمع الغرب والإسلام لهي من المهمات الصعبة، وعلى ما يظهر فإن التجاذب حول هذه القضية سوف يستمر في أكثر من اتجاه، ومع اتساع هذا التجاذب والإنشغال به على أكثر من صعيد، من المحتمل أن يدخل على هذه القضية بعض التطورات التي لانستطيع أن نحصر اتجاهها وحركتها، لكن المؤكد أن هذه القضية لن تبقى على حالها من غير تحريك.. ثم أخذ على ورقة (الربيعو) أنها لم تتطرق إلى منظور أوروبي آخر فقد جاءت أحادية النظرة، وأنّ الغائب في هذا العمل هو منظور الغرب للإسلام، الذي ينطلق من الغرب ذاته..‏ليس هناك ـ حسب ما يرى الميلاد‏ـ قراءة واحدة للإسلام من قبل الغرب، كما لايصح ان تأخذ الغرب بقراءة واحدة فحسب.
لذلك يأتي توصيف هذه الإشكالية من عدة جوانب تتعلق بالشعور الحضاري لكلا الطرفين والمسافة في التطور العلمي التي تفصل بينهما وما يمكن أن تخلّفه من شعور بأحقية السيادة.. ثم يعود (الميلاد) لمعرفة الجواب عن التساءل الأول الذي بدأ به ورقته وهو: كيف نثبت (النحن) في بناء حضارة مساوية في القوة والفاعلية للحضارة الغربية (الآخر) ليجد الحلّ من جديد يتشكل من خلال تأسيس منظور معرفي جديد يتفاعل مع المنظور المعرفي الغربي المعتدل والمنصف وينسجم معه شيئاً فشيئاً على طريق إيجاد حلّ نهائي لهذا الصراع المرير بين الغرب والإسلام موضوع البحث والدراسة.

(9)

يمكننا في نهاية هذه القراءة أن نسجل بعض الملاحظات في تقويم تجربة الحوار هذه (الكتاب).. فالموضوع من السعة والشمولية ما يجعله بالغ الأهمية عند كلا الباحثين..‏لكننا نعتقد انّ سعة الموضوع وشموليته أثرت على التصور النهائي لكلا الكاتبين، إذ كان هناك نقص واضح في ورقة الباحث (زكي الميلاد) في التطرق إلى العقلانية الغربية التي أسست الوعي الجديد في عملية الصراع الغربي مع الإسلام في عصور ما بعد الصليبية، حيث لعب الفلاسفة والمفكرون الغربيون في القرون الثلاثة الأخيرة دوراً هاماً في تأسيس نمطٍ خاص من السلطة الغربية يعتمد بشكل أساسي على تفوق العقل الغربي وتجلياته في الواقع الإجتماعي والسياسي والإقتصادي، وإلى الحدّ الذي تحول هذا النمط الخاص من التفكير إلى عقيدة قوية تكمن في «جوّانية» الإنسان الغربي وترفض أي غطاء فكري من شأنه أن يتستر عليه، فالنظر إلى الله والكون والحياة في النسق الفكري الحديث ليس هو ذاته الذي حرّك الجيوش الصليبية لإحتلال وتدمير بلاد المسلمين. بل أصبح هناك تصوّر جديد للدولة والسلطة والأجهزة المسيطرة على مقدرات الإنسان الغربي والتي أخذت شيئاً فشيئاً بعد ذلك طابعاً شمولياً ينزع إلى تعميم هذه الرؤية على كل مجتمعات العالم. وهذا النقص نفسه عانت منه ورقة الباحث (تركي الربيعو).. كذلك كان الباحث (الميلاد) تجريدياً أو مثالياً فعلاً في بعض تصوراته عن الغرب ونظرته للإسلام، فالعالم الحديث ـ كما نراه نحن ‏ـ لايمكن أن يترك سياسياً‏لقطبين يتجاذبان بعضهما على طول الخط، فلو تجاوزا مرحلة أولى من التعقيدات وصبرا على التفاهم عليها فإنهما سيفشلان حتماً في الإتفاق على مرحلةٍ قادمة، وسبب ذلك يعود لطبيعة تكوين كلّ منهما ـ وهنا أقصد التكوين الحضاري‏ـ‏وهذه إشكالية جديدة لم يتطرق لها الكاتبان بالإضافة إلى إننا لم نقرأ في الكتب ولا في الأمثلة التي ساقاها في الكتاب من تحدث عنها من المفكرين العرب وغيرهم. هذه الإشكالية تتحدد بكون الإسلام يستمد حضارته من عقيته التي لايقبل المسلمون المساس بها على حساب تطور حضاري ناشئ عن رائي وضعي أثبت نجاحه لفترة من الزمن، فالمسلمون يعتقدون أن الإسلام حضاري بالطبع حتى لو لم يتحسسوا حضارته اليوم، فهي ستظهر عاجلاً أم آجلاً، أما الغرب فقد لفظ تعاليمه المسيحية منذ عصر الأنوار واستبدلها بكل ما هو وضعي. فالصراع هنا اليوم يتلوّن بلون مختلف هو صراع دينٍ حضاري مع حضارة بلا دين، إذن لايمكن الإتفاق بينهما إلاّ بشكل محدود جداً. ونعتقد أن الغرب يرى التعايش مع الإسلام ممكناً حينما يتخلى العرب والمسلمون عن التقيد به، لأنهم حينئذ سوف يكونون مهيأون لتقبل كل ما هو غربي دون أدنى تحفظ وبالتالي يتحقق الإحتواء الغربي للعرب والمسلمين على طريق ابتلاع الغالب للمغلوب.
أما فيما يخص ورقة الباحث (تركي الربيعو) فلانراها ورقة تساهم بإضافة شيء جديد يتطلع إليه هذا المحور، إذ لم يقدّم وجهة نظر خاصة به واضحة ومحددة المعالم تمكّن القارئ من تأسيس رؤية جديدة لقضية الصراع بين الغرب والإسلام، بل كل الذي فعله هو أن قام بقراءة أبرز الكتب التي تحدثت في هذا المجال، وعلّق عليها تعليقاً سريعاً وموجزاً دون أن يأخذ بيد قارئه ليوقفه على أرضية صلبة تحدد له ملامح العلاقة المستقبلية بين الغرب والإسلام، كما فعل (زكي الميلاد) في ورقته التي جاءت مُلبية لهدف المحور المناقش بشكل مطابق تماماً رغم ملاحظاتنا المذكورة عليها.
وبرأينا، أن زمن القراءات لكتب الآخرين قد انتهى، وبدأت مرحلة جديدة من التأسيس لفكر واضح المعالم تحمله إسهامات كتّابنا ومثقفينا على إيجاد الحلول لمشكلاتنا الراهنة، المحلية والعالمية على حد سواء.

(*) كاتب من العراق

الكتاب: الإسلام والغرب، الحاضر والمستقبل

الكاتب: زكي الميلاد‏ـ تركي علي الربيعو
الناشر: دار الفكر‏ـ دمشق
سلسلة حوارات لقرن جديد.

إضافة تعليق

1 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.