وماذا بعد؟ مغامرة السؤال المتجدد...

ذاك المتسول الذي اعتاد أن يجلس على الرصيف متسولاً عطف المارة، يخلق لنفسه حلماً بالاستلقاء بين أسرَّة الفندق المقابل الوثيرة.. اكتشف هذه النقطة.. فعندما بلغ الأسرَّة الوثيرة حقاً اتخذ حلمه الشارع مسرحاً...
"و أخبرت شيخي بأن الوصول جميل و لكن أجمل منه الطريق"
(من قصيدة ديوان المرايا للشاعر الكبير عبد القادر الحصني)
وماذا بعد ؟ تطرح عليك ذاتك هذا السؤال عند بلوغ نهاية كل طريق.. ربما من يتابع مباراة كرة قدم حامية الوطيس يدرك هذا الكلام جيداً.. إثر انتهاء المباراة فوزاً أم خسارةً.. يزول كل الترقب والدهشة والتوتر في لحظة واحدة.. وكأن شيئا لم يكن...
أليست الحياة عبارة عن مباراة متعددة الأشواط؟
ألسنا في نهاية كل شوط نسأل ذواتنا نفس السؤال: ماذا بعد؟
عانى سيزيف من آلام كبيرة مع صخرته الشهيرة المتدحرجة، ولكن لو قدر له أن يبلغ تلك الصخرة مأمنها؛ كان هناك سؤال خبيث سيعتني بطرح نفسه جيداً: ماذا سيفعل سيزيف فيما بعد؟.. لابد أنه سيفقد جزءاً مهما من كينونته التي اخترعت أصلاً لحمل الصخرة ومناورتها هبوطاً وصعوداً...
وربما أيضاً لو أتى ذلك المنتظر "غودو".. كيف كان لبيكيت أن ينهي مسرحيته؟
جميل هو السفر وأجمل مافيه حالة البقاء عليه مهما كان الطريق وعراً وشاقاً ومحفوفاً بالمخاطر وتتلبسه المخاوف.. الكامن المثير والمدهش فيها أكثر بقاء في عمق النفس من الغاية التي يبلغها الطريق...
هناك لحظات تجتاح المرء حصيلة عملية تأملية.. ربما، أو مفاجاة له في أحيان أخر.. تكون كما لو أنها أنسام لطيفة على كبد ظامىء...
غالباً نحاول أن نتشبث بها.. نمسك بتلابيبها.. نستجديها البقاء لدينا.. السعادة التي تمنحنا إياها تلك الهنيهات لا تتسع لها الأبجديات وحروفها، لكنها تلقي بنفسها طواعية في مملكة البكاء حيث تكون الدموع أصدق سفير لها.. لو قدر لها أن تدوم ثوانٍ أُخر لفقدت قيمتها وقدرتها المؤثرة...
مفترقات الطرق غالباً ما تكون خاوية موحشة، لا يرغب أحد بالتوقف عندها، فكلٌ يتخذ لنفسه سبيلاً.. تبقيك دوماً متأرجحاً بين الوصول واللاوصول.. بلوغاً للذروة، ولا بلوغ لها في آن معاً.. النقطة الفاصلة تماماً بين الحلم وتصييره واقعاً تصيير الحلم واقعاً.. بمعنى أو بآخر هو قتل للحلم ذاته.. فبينما تكون ملكاً متسيداً على عرش الحلم تجاهد لتضعه في ملكك، ليستعبدك بهذه الملكية المقنعة وما تستوجبه من إثارة غريزة الحماية.
ذاك المتسول الذي اعتاد أن يجلس على الرصيف متسولاً عطف المارة، يخلق لنفسه حلماً بالاستلقاء بين أسرَّة الفندق المقابل الوثيرة.. اكتشف هذه النقطة.. فعندما بلغ الأسرَّة الوثيرة حقاً اتخذ حلمه الشارع مسرحاً...
لابد أن نخبر ذاك الشيخ أن الأجمل والأمثل هو البقاء على الطريق...

إضافة تعليق