النزوع إلى الأصل والهوية في رواية: صدى من مدينة الضباب

تنتمي هذه الرواية الأولى لصاحبتها (ناريمان غسان عثمان)، إلى صنف الروايات التي عالج فيها أصحابها موضوع الشرق والغرب، أو (الأنا والآخر)، فهي قريبة الشبه، من حيث الموضوع، برواية قنديل أم هاشم ليحى حقي، وعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم، وموسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، والطريق إلى الشمس لعبد الكريم ناصيف.

 

وعنوانها "صدى من مدينة الضباب" يشي بذلك، فمدينة الضباب هي لندن عاصمة بريطانيا، أما صداها في نفس الذات الساردة، فهو مجموعة الذكريات التي راحت بطلتها ليودميلا، المولودة من أب مسلم، وأم مسيحية، ترويها لنا، مارة بطفولتها ويتمها ومراهقتها وزواجها من الشاب المسلم فادي، وانجابها لابنتيها سارة وسدرة، وارتحالها من لندن إلى دمشق، ثم بالعكس من دمشق إلى لندن.

وتبدأ الرواية بسرد الأحداث من نهاياتها، ثم تكر إلى بداياتها على طريقة الفلاش باك السينمائية، فقد كانت ليودميلا تعيش في دمشق منذ خمسة وعشرين عاماً،  وفي لحظة ما قامت بزيارة لندن بغية الاستجمام هناك، واستثماراً لهذه الزيارة أتاحت الكاتبة لشريط الذكريات التي اختزنته ليودميلا بأن يكر متتابعاً، في نطاق خيط سردي لاعقدة فيها ننتظر حلها، خيط سردي نقل إلينا بضمير المتكلم، إمعانا في حميمية القول، وجذباً للمتلقي ليصغي ويتفاعل.

وقد عرفنا من هذا الشريط أن والد ليودميلا (تامر) المسلم كان قد تزوج من (فيوليت) المسيحية الانكليزية، على غير رغبة من الجدة بلانكا التي كانت تكره العرب وتنظر إليهم نظرة دونية تفوح منها العنصرية البغيضة، ووهم التفوق الزائف، والحق أن تجربة الأم في الزواج من عربي مسلم قد تكررت من الإبنة (ليودميلا) التي صارت قرينة المهندس الدمشقي (فادي)

ومن خلال الأحداث التي لم تشر الكاتبة إلى مايشي بزمانها البتة، عرفنا أن والد ليودميلا قد توفي في باريس، تاركاً ابنته الوحيدة يتيمة، وقد ربت الأم فيوليت ابنتها تربية أخلاقية صارمة، جعلت منها طفلة مختلفة عن قريناتها الإنكليزيات، حتى إذا مابلغت سن المراهقة كانت لها مواقفها المباينة لمواقف بنات جنسها، في مسائل الحب والعشق والعلاقة مع الرجل، ولكن هذه الابنة التي كانت تصحب أمها إلى الكنيسة أيام الآحاد تعرفت إلى الإسلام وأخلاقه ومفاهيمه، من خلال جدها لأبيها (خالد)، المقيم في منطقة (داربي شير) في الريف البريطاني، ومن خلال اطلاعها على مكتبة العم جميل والد فادي في لندن، وهاهي ذي (ليودميلا) تقول: "كانت مكتبة الجد خالد أثمن ماورثته عنه".

وقد أثرت تربية هذه الفتاة بقطبيها المسيحي والإسلامي الصارمين في مراهقتها، فلم تستطع أن تقيم حباً حسياً مع الحبيب الانكليزي (آرنولد) الذي خطبها سنتين، ثم تركته، وعلى الرغم من هيامها به هياماً عذرياً، لم تنزلق إلى أية تجربة جنسية معه، كما كانت تفعل زميلاتها الأخريات.. وبقيت تنتظر فارس أحلامها، إلى أن التقت أخ صديقتها (تمارى) المدعو (فادي)، وتزوجته وأنجبت منه ابنتهيا (سارة وسدرة) كما ذكرنا.

لقد بدت (ليودميلا) الصورة النقيضة للجدة الانكليزية (بلانكا)، هذه التي كانت تنعت العرب بأبشع النعوت، وأثر فيها كتاب كان في بيت جدها خالد يتحدث عن أخلاق المسلمين تأثيراً حاسماً، كما كان لأمها، المدافعة بقوى عن ذكرى زوجها الراحل، تأثيراً آخر، جعلها منحازة بوضوح إلى انتماء أبيها العربي المسلم وهويته، وها هي تقول مثلاً عن جدها (خالد) ذي الأصل العربي المصري، وعن حميها (جميل) ذي الأصل السوري، وعن تمارى وفادي العربيين: " هؤلاء جميعاً رسموا لدي إشارة تعجب كبيرة انقلبوا (وحبذا لو قالت قلبوا) على كل مفاهيمي عن الشرق، والعرب بشكل خاص، إنهم أشخاص عاديون طيبون يمتازون بخصال يحمدون عليها على خلاف كل معلوماتي عن همجية الأقوام الشرقية وترفهم وتعصبهم المجنون." (الرواية ص 276).

وتجلى إجلال الذات الراوية، ومن ورائها الكاتبة، لأصلها العربي أكثر من مرة، فهي تقارن بين أخلاقيات جد بطلة الرواية لأبيها خالد من جهة، وجدتها لأمها (بلانكا) من جهة أخرى، فتقول: لو أن جدي عايش جدتي (بلانكا) لأصابته سكتة قلبية وتوفى إثرها (الرواية ص 245)، وكان جدها خالد ينكر على الناس عادة النميمة التي شبهها بأكل لحم الأموات، وهذه قيمة إسلامية صرفية، ولكن كتاب الأخلاق عند العرب من الجاهلية حتى اليوم" الذي أثر في بطلة القصة لم يلق الإعجاب باستمرار عندها ، فهي مثلاً تستشنع عادة قتل البنات في الجاهلية، وهي العادة التي جبها الإسلام فيما بعد، وكذلك لم تكن بعض أحكام الشريعة لترضيها، فهي تتساءل باستغراب شديد: لم كل هذه الوحشية (والكلام لها) في قطع يد السارق، وإلحاق العاهات بالناس؟ فيجيبها فادي: ما البديل لهذه العقوبة؟ فتقول البطلة: "السجن، لا بتر اليد" ويرد فادي بقوله: "إن هذا الحكم لاينفذ إلا بعد نفاذ الشروط، وهو لا يطبق إلا في حالات نادرة، مشيراً إلى قوة تأثيره الرادعة لدى اللصوص.

أما آثار تربيتها المسيحية، فتجلت في مواقف عدة، فهي تسوق آيات من خطبة المسيح على الجبل، مثل "طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات" (الرواية ص 130)، وتقارن في إحدى الصفحات مابين عجوز يتنقل على كرسيه المتحرك وإلى جانبه راهبة تسري عنه همومه، وهي لاتصدق كيف أن شيئين بهذا التناقض يتزامنان على كوكبنا، وتستشهد بقول لأحد القديسين قرأته ذات يوم يقول: "إن علينا إدخال الله في كل أمر من أمور حياتنا" ص 266.

وكل ماتقدم يظهر أننا أمام بطلة رواية مثلت لونا من ألوان التفاعل مابين دينين هما المسيحية والإسلام، والتمازج مابين حضارتين غربية وشرقية، ولكننا لانغفل عن تأثرها العظيم بأفكار بوذا الذي أعجبت بأفكاره من خلال كتاب كان له تأثير كبير في أعماقها، إضافة إلى كونها تحب العلم، وتنحاز إلى بنات جنسها، بدليل أن رسالتها للماجستير التي ناقشتها في لندن كانت حول تاريخ المرأة المضطهدة، أو المقارنة بين المرأة الشرقية والأوروبية عبر العصور (الرواية ص 277).

ولو عدنا إلى أحداث الرواية الكبرى، لوجدنا الرواية تنتهي من حيث بدأت، فقد انتهت رحلة الاستجمام التي خطط لها فادي بزيارة (ليودميلا) الى قبور كل من أبيها تامر أمها فيوليت، وجدها خالد، تاركة وردة عند كل قبر من تلك القبور.

وفي هذه اللحظة بكت ليودميلا، حين تذكرت غدر سامي، بحبه بحبيبته تمارى، وزواجه من فتاة أخرى، وتذكرت كتاباً استعارته من حميها جميل يتحدث عن الإسلام ومافيه من شمولية دقيقة، ومن اهتمام متساو مابين نصيب الدنيا ونصيب الآخرة.. ثم تحولت إلى الواقع فإذا بفادي زوجها يهديها النظرات التي أهداها إياها قبل زواجهما تحت تمثال إله الحب (إيروس) ثم يمسح بيده دمعة تائهة على وجنتها قائلا لها: "إنه الحنين" فتجيبه هي بدورها: "إنه كل شيء .. إنه الحنين" ص 296.

****

والحق أن هذه الرواية قد أمتعتني، فقرأتها في جلستين اثنتين، خلال اثنتي عشرة ساعة فقط، وهذا يؤشر على مافيها من تشويق وجذب، وهما شرطان لابد منهما في أية رواية ناجحة. وربما كان أقوى المقاطع تأثيراً هو وصف موت الأب تامر بعيداً في باريس، فالكاتبة تقول على لسان الزوجة فيوليت، وقد بلغها موت زوجها في باريس مخاطبة صديق العائلة توماس: "توماس لم أسد حزاماً لمصابي هذا.. رحل تامر، سافر وأورثني الترمل وصغيرة يتيمة في الخامسة.. هل يعقل أن روح تامر التي عشقتها قد فارقته؟

 – توماس: هوني عليك.. فيوليت.

فيوليت: لا يمكنني التصديق، سأعيش وحيدة في الدنيا، وتامر مدفون تحت التراب، لم يف بوعده، ولم يجزم بيمينه، عاهدني على البقاء إلى جانبي، والوقوف بيني وبين الكرب، وهاهو قد استحال إلى أكبر كربة ألقاها.

توماس: حسبك جمعة دامت بينكما لأكثر من سبع سنوات.

فيوليت: الرجل الذي بعت الدنيا لأشتريه.. من يصدق أن القدر ينشلنيه بهذه السرعة، تقول سبع سنوات؟ بحق السماء كالبرق مضت، ثم تبخرت الروح من عروقه وركد الدم، وماعاد يجري بالحياة في جسده، قل توماس: إن هذه ليست الحقيقة، قل أي شيء لكن ليس هذا ص115.

ومن مزايا هذه الرواية عدم مجانيتها، فالكاتبة الشابة (ناريمان غسان عثمان) لها رؤية في مستقبل العرب والمسلمين، فهي تقول: "إن العرب المسلمين أجمعين مطالبون بالنجاح في المضمار العملي، بدلاً من الخنوع للغرب يعبث فيهم، مختبئين تحت أقنعة العبادة المغلوطة، فالنظام الذي يتبعونه لايكتفي بسد حاجاتهم الروحية، بل يطالبهم بتوازن بين الروح والعمل والفكر" ص 268.

فالكاتبة هنا تبدو ومن وراء السطور ذات موقف وسطي لايرى في الإلحاد حلاً كافياً، ولا في العبادات المغلوطة حلاً كافياً ، فإلى جانب التدين والعبادات ينبغي العمل من أجل النهوض وسد الحاجات المادية والروحية على حد سواء.

واحتقبت الرواية أيضاً بعض الرؤى الروحية والنفسية، منها مثلاً ماجاء على لسان الذات الساردة على لسان الجدة علياء عن قبر ابنها تامر: "القلب هو القبر، فالقلب المطمئن ينتظره قبر مطمئن، والفؤاد الواثق بخالقه، سيثبت في قبره المنير، المؤمنون يسعدون بالموت كعرسهم، فلحظتها يبشرون بالجنة." ص123.

وهذه في الحقيقة رؤية إيمانية فلسفية تلقى ترحاباً وقبولاً لدى النفوس الرهيفة، التي تسعى لإزالة الحدود مابين الحياة والموت، فتوحد بينهما في برهة صوفية نادرة.

ويبدو في الرواية وعي آخر يتصل باللغة العربية وغناها وثرائها ويمجد عظمتها وتاريخها، تقول الكاتبة على لسان الذات الراوية العربية الأب والانكليزية الأم: "ملكت موهبة غريبة في إثارة الحماس (الحماسة) داخلي كلما أذعنت لليأس من إتقان العربية بشكل يؤهلني للخوض في مضمار العمل، ومازلت أبرر لنفسي إلى اليوم أوقات التقاعس التي مررت بها، فبرغم كل ماكانت تقوله (تمارى) في لندن عن العربية واتساعها، لأتخيل لغة بعظمة الإنكليزية التي صهرت حضارات الدنيا في بوتقتها، لكن احتكاكي الزخم هذا بالعربية صدمني للغاية، فاكتشفت أنها تتعدى وصف تمارى الذي كنت أعده مبالغاً فيه." ص 27.

والذات الراوية على حق فيما قالت فـ(ابن درستويه) يقول عن عربيتنا: "هذه لغة لايدركها إلا نبي".

 

وبعد هذه الاشارات السريعة إلى بعض ملامح هذه الرواية الماتعة، لانجد غرابة في أن تفوز بجائزة الإبداع في دار الفكر بدمشق في العام 2003، فضلاً عن كونها أثراً فنياً ناضجاً بمقاييس مختلفة، قدمت رؤية خاصة عن العلاقة مابين الشرق والغرب اتسمت بنزوع قوي إلى الانتماء العربي والهوية القومية، واتصفت بلهجة تصالحية، غير صدامية مابين الأديان السماوية والوضعية، إلى جانب دعوة صريحة إلى إيلاء العمل والفكر الاهتمام اللائق بهما.

وعدم الاكتفاء بالتدين المغلوط، إضافة إلى تركيز قوي على وصف العواطف الإنسانية الخالدة، وأهمها الحب الذي جمع بين قلبي (فادي) و(ليودميلا)، واستمر حتى الموت، في الوقت الذي لم يستطع الحب مابين ليودميلا وآرنولد أن يستمر أكثر من سنتين، ثم تلاشى نهائيا، مشيراً ضمنياً إلى الانتحاء سمت الأصل العربي، ربما كان هو السبب في ذلك، بدليل أن حب فادي انتهى إلى زواج دام خمسة وعشرين عاماً، وأثمر ابنتين اثنتين هما: سارة، وسدرة، وهما شخصيتان لم تعن بهما الكاتبة العناية الكافية، فبدتا شخصيتين ثانويتين.

كما لم تعن الكاتبة، في نظري، بلغتها العربية الفائقة، فمرت بين سطورها عبارات تحتاج إلى صقل أكثر، ومفردات كانت قلقة في أمكنتها، ومرادفاتها كانت أولى بأن تحل محلها، وأفعال تعدت بغير ما يجب أن تتعدى به، ومن ذلك أسوق مثلين اثنين فقط، فالكاتبة تقول على لسان فيوليت: "من يصدق أن القدر ينشليه بهذه السرعة" والصواب ينشله مني، لأن هذا الفعل يتعدى بعد مفعوله الأول بحرف الجر، وليس بنفسه مرة ثانية، فالمرء ينشل اللحم القدر. وتقول عن تامر: "انه لم يجزم بوعوده"، والأصح أن يقال (لم يف) أو (لم يبر بوعده).

وعلى الرغم من بعض الاستشهادات القليلة في الرواية بالنصوص الملائمة، فإن نصيب ظاهرة التناص فيها كان قليلاً، ولكننا قد نبدو ظالمين حين نطلب من كاتبة لما تبلغ الثامنة عشرة من عمرها أن تسوق لنا نصاً بالغ الثراء، حافلاً بالنصوص المصاحبة، التي تجعل منها أثراً فنياً يستجيب لرؤية الروائية (ناتالي ساروت)، التي طالبت الروائيين أن يكتبوا رواياتهم، وكأنهم يقدمون بحوثا.

وعلى الرغم مما ذكرنا، فإن المشهد الأدبي السوري، يحق له أن يعلن انضمام كاتبة شابة إليه، وأن يضيف إلى قائمة الروائيين فيه، قامة روائية جديدة، هي الروائية (ناريمان غسان عثمان).

إن نشر (ناريمان غسان عثمان) لروايتها هذه، وهي لم تبلغ الثامنة عشرة من عمرها، ليذكرنا، بالكاتبة الفرنسية (فرانسوا ساغان) التي نشرت روايتها الأولى "صباح الخير.....أيها الحزن" عام 1954، وهي في الثامنة عشرة من عمرها تقريباً، وهي الرواية التي صارت الأكثر مبيعاً في فرنسا في خمسينيات القرن العشرين، ثم تابعت (ساغان) مشوارها الإبداعي، فنشرت نحو خمسين كتاباً، كان أكثرها منتمياً إلى الجنس الروائي.

وإذا كانت (ساغان) تفاخر بأنها تركت بصمة خاصة بها في الأدب الفرنسي، فإن (ناريمان غسان عثمان) مدعوة اليوم لأن تسعى لتترك بصمتها الخاصة بها في الأدب الروائي السوري. ولا غرو في ذلك، فباكورة أعمالها العتيدة، "صدى من مدينة الضباب"، تبشر بذلك، وخاصة إذا علمت أن العبقرية، أيا كانت، يتكون عشرها من الموهبة، وتسعة أعشارها من الجهد والعرق.

إضافة تعليق

5 + 11 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.