مالك بن نبي بين أسئلة النهضة ومشكلات الحضارة (الجزء الثاني)

القضية الثانية: مشكلة الثقافة

إن الحديث عن الثقافة في المجال العربي، وعلى مستوى الفكر الإسلامي، دون التطرق والاقتراب من مالك بن نبي، هو نكران لجهد وتعب وأرق مفكر وفيلسوف شغل نفسه بالتنظير والتقعيد لهذا المفهوم، الذي ظل مهووساً ومسكوناً به، ولم يفارقه الاهتمام به طيلة حياته وإسهاماته  في هذا الصدد، هي الأكثر حضوراً وأهميةً على مستوى الدراسات الفكرية الإسلامية.

ومالك بن نبي هو فيلسوف ذو لحن عربي، استطاع أن يبلور نظرية الثقافة، وينفرد ويُعرف بها في العالم العربي، وهي النظرية التي اكتسبت شهرة بين المؤلفين الذين ظلوا يرجعون إليها، ويعرفون بها في كتاباتهم.

ومازالت هذه النظرية تجذب الاهتمام، وتستوقف نظر الباحثين والمشتغلين في حقل الثقافة والدراسات الثقافية، وذلك لأهميتها وطبيعتها المتميزة من جهة، ولقلة ونذر وشح السالكين في هذا الميدان كتابةً وفكراً من الثقافة العربية الإسلامية من جهة تانية، ولكون هذه النظرية من النظريات المبكرة والجديدة في مجالها من جهة ثالثة لأن:((... المسألة الثقافية هي المدخل الضروري لعملية البناء الحضاري، على اعتبار أن الحضارة هي محصلة تفاعل الجهد الإنساني مع سنن الآفاق والأنفس والهداية، وهذه السنن لا يمكن أن يصل إليها الإنسان، إلاّ عبر عالم ثقافي سليم ومنسجم وفعال، يتيح له امتلاك منهج البحث عنها، والوصول إلى إدراك آليات عملها من جهة، ومنهج الاستفادة منها في تحقيق الترقي الحضاري المنشود من جهة أخرى...))[29].

 

مفهوم الثقافة عند مالك بن نبي:

ينطلق تعريف مالك بن نبي للثقافة من نقد المنظور الرأسمالي القائم على الفردانية، ومن المنظور الشيوعي القائم على الجماعية، ثم يبرز خطأ تركيز بناء مفهوم الثقافة على الفرد أو الجماعة فقط يبين مفهومها في الإسلام، القائم على تركيب أربعة عناصر أساسية هي:((الأخلاق، الجمال والذوق، المنطق العلمي، الصناعة والتكنولوجية))، ومكمن العلاقة القائمة بين هاته العناصر الأربعة في زمن فاعل يصنعه الإنسان نحو التحضر هي الثقافة.

فالثقافة هي علاقة عضوية في سلوك الفرد، وأسلوب الحياة الاجتماعية، وهي نظرية في السلوك الاجتماعي، وليست نظرية في المعرفة[30].

وعرفها مالك على أنها:((... مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لاشعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه...))[31].

نستشف من هذا الكلام، أن مالك بن نبي يرى أن الثقافة فلسفة وقيم خلقية فردية واجتماعية تؤثر في تكوين وتنشئة الفرد منذ الطفولة، بحيث تصبح نمطاً لصيقاً بحياته، ووشماً مميزاً لسلوكه، يصنع بها كل دقائق حياته، وفق النمط الذي تشكل فيه. وبذلك فهي:((... المحيط الذي تتشكل فيه كل جزئية من جزئياتنا.. وهي تتمثل بوظيفة الدم في جسم الإنسان، فهو يتركب من الكريات الحمراء والبيضاء، وكلاهما يسبح في سائل واحد هو – البلازما- ليغذي الجسد، والثقافة في ذلك الدم، الذي في جسم المجتمع، يغذي حضارته، ويحمل أفكار الصفوة، كما يحمل أفكار العامة والخاصة. وكل هذه الأفكار منسجم في سائل واحد من الاستعدادات المتشابهة والاتجاهات الموحدة والأذواق المناسبة...))[32].

فالثقافة إذن هي: المحيط الفكري والنفسي والاجتماعي والأخلاقي والروحي..، الذي يحتضن الوجود الإنساني في المجتمع، ويدعمه بالخبرة المعرفية والسلوكية والأخلاقية والجمالية..، وفي هذا المحيط تتشكل طباع، وشخصية، وذوق الفرد الثقافي، محكومة بالسنن النفسية والآفاقية. فالثقافة إذن: نظرية في العرفة، ومنهج في السلوك وطريقة في العمل والبناء[33].

 

تيمات المنظومة الثقافية:

تتشكل المنظومة الثقافية عند الأستاذ مالك بن نبي، من أربع تيماتٍ أساسية وهي:

1-  التوجيه الأخلاقي لتكوين نمط الصلات الاجتماعية الراشدة.

2-  التوجيه الجمالي لتكوين الذوق العام السليم.

3-  المنطق العلمي لتحديد أشكال النشاط العام.

4-  الصناعة أو الفن التطبيقي الملائم لكل نوع من أنواع المجتمع[34].

وسنتطرق إلى هذه التيمات الاصطلاحية لمفهوم الثقافة عند مالك بن نبي بالتدريج وهي:

1-  المبدأ الأخلاقي:

فطرية الاجتماع غريزة أصيلة في الإنسان، والمجتمع المتحضر هو الذي يطبع ويهدي هذه الغريزة ويرفع من مستواها بالأخلاق ليتجنب الفوضى والاضطراب، وأهدى القيم الأخلاقية المتنزلة على الأنبياء، لأنها تهدف إلى ربط الأفراد بعضهم ببعض، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى مخبراً عن المهاجرين والأنصار:{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ? لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ? إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[35].[36]

والارتقاء بالأخلاق والسلوك الإنساني هو الهدف الأساس للحضارة، وقد جاء رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلّم، ليتم مكارم الأخلاق ليعلو ويسمو بها الإنسان إلى درجة يتميز فيها عن باقي المخلوقات. ولذا فالثقافة عند مالك بن نبي نظرية في السلوك والأخلاق أكثر منها من أن تكون نظرية في المعرفة المجردة[37].

وبذلك فالعنصر الأخلاقي يقوم ببناء وتشييد عنصر مهم من عناصر الحضارة، والإنسان هو الذي يتحكم في الأشياء والتراب في الزمن تحكمه وتنظمه الأخلاق، وبالتالي الجانب الأخلاقي هو المحدد الرئيسي لاتجاه المجتمع  بشكل عام.

2-  الذوق الجمالي:

يرى ابن نبي أن الجمال له تأثير في الروح الاجتماعية، ويشرح هذه الفكرة بقوله:(( إن الأفكار هي المنوال الذي تنسج عليه الأعمال، وهي تتولد من الصور المحسة الموجودة في الإطار الاجتماعي فتنعكس في نفس من يعيش فيه، وهنا تصبح صوراً معنوية يصدر عنها تفكيره، فالجمال الموجود في الإطار الذي يشتمل على ألوان وأصوات وروائح وحركات وأشكال، يوحي للإنسان بأفكاره ويطبعها بطابعه الخاص من الذوق الجميل أو السماجة المستهجنة. فبالذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد، يجد الإنسان في نفسه نزوعاً إلى الإحسان في العمل، وتوخياً للكريم من العادات))[38].

وبذلك، يعتبر بن نبي أن الذوق الجمالي من أهم التيمات الحيوية في مكونات الثقافة، لأنه حسب عزمه يحرك الهمم إلى ما هو أبعد من مجرد المصلحة ويحقق شرطاً من أهم شروط الفعالية، لأنه يضيف إلى الواقع الأخلاقي عند الفرد دوافع ايجابية أخرى.

وفي كتابه (مجالس دمشق) يشير ابن نبي إلى هذا العنصر داعياً الثقافة إلى تمنحنا الذوق الجمالي، وتنمي فينا هذا الذوق، بشرط أن لا نظن حسب زعمه بأن الإسلام قد أهمل أو زهد في هذا الجانب، وذلك لترتيب شؤون مجتمعنا، لأن في رأيه أن النشوز إذا كان يحدث في المستوى الأخلاقي، فهو يحدث أيضاً في المستوى الجمالي[39].

3-  المنطق العلمي:

يشير مالك بن نبي على أن النقص الذي يعاني منه الإنسان المسلم ليس منطق الفكرة، وإنما منطق العمل والحركة، فهو لا يفكر ليعمل، بل ليقولا كلاماً مجرداً، وأكثر من ذلك أنه قد يبغض الذين يفكرون تفكيراً مؤثراً، والسبب يعود:((... لافتقادنا الضابط الذي يربط بين الأشياء ووسائلها، وبين الأشياء وأهدافها، فسياستنا تجهل وسائلها، وثقافتنا لا تعرف مثلها العليا، وفكرتنا لا تعرف التحقيق...))[40].

فالمنطق العلمي يعني أن يكون المجتمع ديناميكياً فاعلياً، فيستغل ما لديه من طاقات وإمكانيات ووسائل، وأن لا يدع الفراغ ينخر وقته، بل يستثمر الفراغ في أمور تعود عليه بالنجاح والنفع.

وفي كتابه ( مجالس دمشق) يشير ابن نبي إلى أنه يقصد بالمنطق العلمي الفعالية، لكنه يفضل تسمية المنطق العلمي بوصفه مصطلحاً ينسبه لنفسه، وظل يعرف به حسب قوله منذ ربع قرن[41].

4-  التوجيه الفني أو الصناعة:

يعتقد ابن نبي أن المبدأ الأخلاقي، والذوق الجمالي، والمنطق العلمي، هذه التيمات لا تكوّن لوحدها شيءً من الأشياء حسب عزمه، إن لم تكن في أيدينا وسائل معينة لتكوينه، والعلم أو الصناعة، كما في تعبير ابن خلدون هو الذي يمنحنا تلك الوسائل، ويكون عنصراً هاماً في الثقافة، لا يتم من دونه تركيب عناصرها وتحديد معناها، ويدخل في هذا المفهوم كل الفنون والمهن والقدرات وتطبيقات العلوم، وهذه العناصر الأربعة هي التي بإمكانها أن تساهم في تحديد الثقافة وتركيبها وتحويلها إلى أسلوب حياة في أي مجتمع.

وعملية تحويل العلوم النظرية إلى مهن، وفنون، وصناعات عملية يدوية وتقنية إلى حيزها العملي التطبيقي، واستغلال الطاقات والقدرات والمواهب والإمكانات في العمل الصناعي ركن مهم في تكوين مفهوم الثقافة عند مالك بن نبي، لأن الصناعة وسيلة لكسب الأفراد ووسيلة للمحافظة على كيان المجتمع واستمراره ونموه[42].

ومن هنا نتبين أن مشكلة الحضارة هي مشكلة الثقافة، وإصلاح المنظومة الثقافية أساس لحلول مشكلات الحضارة. وإذا كانت شبكة العلاقات الاجتماعية سوية بين أفراد المجتمع، وإذا ما تكون للمجتمع عبر التاريخ قيم أخلاقية تحافظ على تماسك وانسجام أفراده معاً، فسيعيش متسقاً ضمن جو محكم من النظام والجمال والذوق، بحيث تشكل لأفراده منطلقاً أدبياً وعملياً يتفاعلون من خلاله بفاعلية ما يملكونه من طاقات ومواهب وإمكانيات فيبدعون أعلى وأقصى ما يمكن من الفوائد والوسائل المتاحة لهم، فيحولون كل هذه القيم النظرية والأخلاقية والجمالية الذوقية إلى صناعات ومهن وإنتاج سلعي، فإذا فعلوا ذلك أمكنهم حل مشكلة الثقافة، ومن ثم حل مشكلة الحضارة، ومن ثم التوقيع على صفحات التاريخ وتأكيد الشهود الحضاري[43].

وبمثل هذا البناء المحكم، يمكن القول أن هذا التركيب للثقافة وتحديدها بهذه العناصر الأربعة، يمثل جوهر ولب النظرية الثقافية لمالك بن نبي، والتي يصبو من خلالها إلى تحقيق معالم الشهود الحضاري للأمة الإسلامية.

 

القضية الثالثة: مشكلة الأفكار

أخذت قضية الأفكار حيزاً مهماً من تفكير واشتغال الأستاذ مالك بن نبي – رحمه الله-، وقد بين بشكل مستفيض أهميتها ووظيفتها وخطرها، من الناحيتين النظرية والتطبيقية، لأنها تشكل مرآةً يرى بها الآخر شخصيتنا ومستوى تفكيرنا ليحكم من خلاله علينا إما بالسلب والإيجاب، لأنها تشكل علامة صحة لتقدم الأمة أو تخلفها، ومقياساً دقيقاً لنضجها أو تخلفها أو لتطورها الحضاري.

ذلك أن التفوق الفكري والنظري الواعي لدى أمة من الأمم سيصاحب حتمياً بتفوق عملي تطبيقي في مختلف مجالات الحضارة الإنسانية، والدليل الأكيد على ذلك انتصار الفكرة الإسلامية القرآنية في الجزيرة العربية التي أعقبها انتصار حضاري شامل لتلك الأمة المتخلفة[44].

والأفكار إما أن تكون ذات مصدر إلاهيٍ تأتي عن طريق الوحي، أو تكون من نتاج تأثر العقل البشري بالوحي، فينتج فكراً دينياً، أو تكون من إنتاج العقل البشري المحض الذي يصل إلى الحقيقة عندما يسعى لتأكيد وظيفته في الحياة وهي عملية إنتاج الأفكار، ولهذه الأفكار على تنوع مصدرها وظائف ومهام هي:

 

1-  اليقظة والنهوض والإقلاع:

كثيراً ما نسمع ونقرأ عن مجتمعات تعيش في حالة خمول وتخلف، تسودها البدائية في التصرفات والأفعال، ويحكمها الجمود في العلاقات، حتى تتداركها العناية بنزول فكرة حية ناضجة((... ذلك أن هناك مرحلة يكون فيها المجتمع بدائياً، فقير الوسائل، فإذا ما أدركته فكرة جوهرية تستقطب روحه، اندمج في دورة التاريخ، واندمج جهده اليومي نحو مثل أعلى، يجعل لأفكاره دوراً وظيفياً...))[45].

ذلك لأن الافكار تشكل حدوداً واقية للمجتمعات، فالأفكار الدينية تحد من خطر الغريزة، وتربط الطاقة الحيوية بدور نبيل في المجتمع، وفي حركية التاريخ، فالفكرة الإسلامية نجدها قد طوعت الطاقة الحيوية في المجتمع العربي الجاهلي ليصبح مجتمعاً متحضراً. وهذه الإيديولوجية الشيوعية تخرج سكان مدينة ( ستالينغراد) من بين ملايين القنابل المشتعلة، وركام الأبنية المحطمة، ووحشية وجاهزية الجيش الألماني... ليوقفوا زحف الجيش النازي الزاحف على مدينتهم خلال الحرب العالمية الثانية، بل شكلت نقطة محورية مهمة في تراجع المد النازي عن العالم بأسره. وهذه الفكرة المسيحية تخرج أوربا إلى مسرح التاريخ في قرن البعث الحديث[46].

يشير هنا، مالك بن نبي إلى أن عمق الفكرة الدينية هو القدرة على تغيير الإنسان، ووضع جل الإمكانات والطاقات الحيوية واستثمارها في عملية النهوض والإقلاع الحضاري، فتجعل من كل القيم الدينية قيماً أخلاقية عملية تحكم المجتمع، وتحدد طبيعة علاقاته ببعض، وقد بين بن نبي عملية التحول في المجتمع بأنه:((... على عتبة حضارة ما، ليس هو عالم الأشياء الذي يتبدل، بل بصورة أساسية عالم الأشخاص على أساس ميثاق جديد منزل كالقرآن الكريم...))[47].

ونخبة القول، أن هذه الأفكار الدينية رغم أنها تفقد فعاليتها داخل المجتمع، فإنها تحتفظ بقوتها الدافعة، وهذا الوضع جسدته الحضارة الإسلامية بعد عصر الموحدين، وما رافقه من تدهور وانحطاط وتخلف حضاري/فكري، وقد مكنتها تلك الأفكار الكامنة من مقاومة العدوان وتحقيق الاستفلال، ومعاودة المضي نحو النهضة بحزم وقوة لا نظير لها. أما الأفكار التي تريد تغيير عالم الأشياء والمقتنيات، فإنها غالباً ما تصدر عن العقل البشري الذي يمكن أن يصيب تارة ويخطئ تارة أخرى.

 

2-   مقياس الغنى أو الفقر الاجتماعي:

يشير الأستاذ مالك بن نبي إلى حقيقة اجتماعية مهمة، لها علاقة حقيقية ووطيدة بغنى وفقر المجتمع نحو:((... لا يقاس غنى المجتمع بكمية ما يملك من أشياء، بل بقدر ما فيه من أفكار...))[48]، يبن هنا بن نبي على أن القوة الحقيقة للأمة، تبرز في امتلاك للأفكار الحية والبناءة، التي تساهم في السيطرة على عالم الأشياء، وتسخير مالها من وسائل في خدمة تلك الأفكار الحية، مؤكداً على هذه الحقيقة بقوله:((... ولقد يحدث أن تلم بالمجتمع ظروف أليمة، كأن يحدث فيضان، أو تقع حرب فتمحو منه عالم الأشياء محواً كاملاً، أو تفقده إلى حين ميزة السيطرة عليه، فإذا حدث في الوقت ذاته أن فقد المجتمع السيطرة على عالم الأفكار كان الخراب ماحقاً، أما إذا استطاع أن ينقذ أفكاره فإنه قد أنقذ كل شيء، أذ أنه يستطيع أن يعيد بناء عالم الأشياء...))[49].

لأن الثروة التي لا تشترى ولاتباع هي ثروة عالم الأفكار، والعالم الإسلامي منذ تعثره الحضاري يملك الأشياء والوسائل، ولكنه للأسف يفتقر إلى عالم الأفكار والإبداع، ففقره إذن في فكره لا في وسائله، لأن:((... المجتمع المتخلف ليس موسوماً حتما بنقص في الوسائل المادية، وإنما بافتقاره للأفكار يتجلى بصفة خاصة في طريقة استخدامه الوسائل المتوفرة لديه، بقدر متفاوت من الفاعلية...))[50].

والملاحظ على العالم الإسلامي أنه يتمتع بأراض واسعة وخصبة جداً وهي أفضل وسيلة لإقلاع مجتمع متخلف من مرحلة البدائية إلى مرحلة أخرى[51].

والأمر مثله بالنسبة للمجتمعات الإسلامية التي تمتلك ثروات طبيعية وباطنية غنية ومتنوعة، ولكنها للأسف تفتقر إلى الصناعات التدويرية المتطورة، ولذا فهي تتخلص من ثرواتها إن صح التعبير، لغياب عقل يفكر في تكرير هذه الثروات والاستفادة منها بشكل كبير، في حين نجدهم يقتصرون مقابل ذلك باستيراد المنتجات المدنية الغربية التي تعكس عالم الأفكار المتطور لدى الإنسان الغربي المتحضر.

وهذا ما يبين مدى قيمة الأفكار في عملية الإقلاع الحضاري، لأنها هي  التي تقوم بتغيير الإنسان من حال إلى أحوال، بشرط أن تكون هذه الأفكار حية بناءة حديثة لا قاتلة ولا مميتة، أو مية لا روح فيها. فهي على العكس تعمل على تهديم وتخريب آثار الأفكار الحية، هذان النوعان هما:

1-  الأفكار الميتة.

2-   الأفكار المميتة أو الأفكار القاتلة.  

أما الأفكار الميتة فهي الأفكار التي انحرفت عن مثلها العليا، وهكذا أغلب أفكار إنسان ما بعد عصر الموحدين[52].

لأن كل فكرة فقدت فعاليتها في عالم الأشخاص، ولم تتجسد في عالم الأشياء تصبح بالضرورة فكرة ميتة لا قيمة لها، والأفكار الميتة هي التي تجعل المجتمع رخواً ليناً هيناً لانتعاش عقدة القابلية للاستعمار والخضوع لسيطرة الغير. وهي أشد خطراً على المجتمع من الأفكار القاتلة، لأن:((... كل مجتمع يصنع بنفسه الأفكار التي ستقتله، لكنها تبقى بعد ذلك في تراثه الاجتماعي أفكاراً ميتة تمثل خطراً أشد من خطر الأفكار القاتلة، إذ الأولى تظل منسجمة مع عاداته وتفعل مفعولها في كيانه من الداخل، إنها تكون قاتلة ما لم نجسر عليها عملية تصفية، وهي التي تكون الجراثيم الموروثة الفتاكة التي تفتك بالكيان الإسلامي من الداخل، وهي تستطيع ذلك لأنها تخدع قوة الدفاع الذاتي فيه...))[53].

وبالتالي فإن العادات والتقاليد الرجعية والممارسات الدونية، والشخصيات الإقطاعية، وكل الأمراض الاجتماعية التي نجدها حاضرة بقوة في صميم العالم الإسلامي، إنما هي ممثل حقيقي للأفكار الميتة، لأنها هي التي تجعل العالم الإسلامي خاضعاً لعقدة القابلية للاستعمار.

أما الأفكار القاتلة المميتة فهي الأفكار المستوردة من المدنيات الأخرى، أو من كل فكرة فقدت عمق هويتها، ومقوماتها الثقافية، بعدما فقدت جذورها[54].

والمثقف الذي يحمل الأفكار الميتة تجعل منه وعاء لقبول الأفكار القاتلة أكثر من غيرها، وهكذا عقلية فرد ما بعد عصر الموحدين، فهي ل اتبصر غير الأفكار التافهة المنحطة، ولا تستورد غير الدونية أيضاً، وتكون النتيجة الانحلال والانحراف والتحلل، وهذا ما يشير إليه بن نبي في أفكار ما بعد عصر الموحدين قائلاً:((... فكذا مرقص، وكذا مقهى، وكذا كلية، وكذا برلمان= تحللا تاما... فأوروبا إذن تعطينا عناصر تحلل الأخلاق والمجتمع... لأننا بأفكارنا الميتة لا نرى أفكارها الحية المحيية...))[55].

ومن باب الإنصاف والاعتراف، بجهود المجاهد مالك بن نبي، استشرافه لحلول قضايا عصرنا الإشارة إلى مشروعه عن فكرة كومنويلث إسلامي.

 

محاولة للختـــم:

ونخبة القول، لعلنا بهذه الإشارات نكون قد أعدنا النقاش والتدارس لفكر المجاهد والفيلسوف الجزائري مالك بن نبي، الذي حمل هموم وتيه الحضارة الإنسانية عموماً كما حمل هموم التخلف الحضاري لأمته الإسلامية، فكان يشخص الأمراض، ثم يقدم أسبابها وعللها، دارساً تفرعاتها ومظاهرها وأوجهها المختلفة في العوالم التي يعيشها في العالم الإسلامي، في الأفكار والأشخاص والأشياء، وأختم هذه الدراسة بمقولة الأستاذ محمد المبارك في تقديمه لـ(( وجهة العالم الإسلامي)): ((... إن مالكاً يبدو في كتابه هذا وفي مجموع آثاره لا مفكراً كبيراً وصاحب نظرية فلسفية في الحضارة فحسب، بل داعياً مؤمناً، يجمع بين نظرة الفيلسوف والمفكر ومنطقه، وحماسة الداعية المؤمن وقوة شعوره، وإن آثاره في الحقيقة تحوي تلك الدفعة المحركة التي سيكون لها في بلاد العرب أولاً وفي بلاد الإسلام ثانياً أثرها المنتج وقوتها الدافعة، وقلما استطاع كاتب مفكر أن يجمع كما جمع، بين سعة الإطار والرفعة التي هي موضوع البحث، وعمق النظر والبحث، وقوة الإحساس والشعور.

أنا لا أقول إنه (مالك بن نبي)، ولكن أقول إنه ينهل من نفحات النبوة، وينابيع الحقيقة الخالدة...))[56].

 

[1]  مالك بن نبي، مذكرات شاهد للقرن، إشراف ندوة مالك بن نبي، دمشق دار الفكر، ط الثانية 1994، ص19.

[2]  انظر: مذكرات شاهد القرن، ص 19، مرجع سابق.

[3]  نفسه، ص 53، بتصرف.

[4]  انظر: مالك بن نبي مفكراً إصلاحياً، أسعد السحمراني، ص14.

[5]  انظر: مذكرات شاهد القرن، ص 48.

[6]  نفسه، ص66.

[7]  نفسه، ص 66- 67.

[8]  نفسه، ص 99.

[9]  انظر: مذكرات شاهد القرن، ص 153.

[10]  نفسه، ص 174.

[11]  النجدة، مالك بن نبي، ص 5 نقلا عن: مالك بن نبي مفكراً إصلاحيا، ص 143.

[12]  مالك بن نبي، ميلاد مجتمع، ص 19.

[13]  مالك بن نبي، القضايا الكبرى، ص 43.

[14]  الطيب برغوت، موقع المسألة الثقافية في إستراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، ص 10.

[15]  مالك بن نبي، مشكلة الأفكار، ترجمة محمد عبد العظيم، ص 49.

[16]  مالك بن نبي، ميلاد مجتمع، ص 29.

[17]  مالك بن نبي، شروط النهضة، ص 75.

[18]  نفسه، ص 98- 99.

[19]  آمنة تشيكو، مفهوم الحضارة عند مالك بن نبي و وارنولد توينبي، ص 111.

[20]  مالك بن نبي، شروط النهضة، ص 73.

[21]  مالك بن نبي، ميلاد مجتمع، ص 54. و شايف عكاشة، الصراع الحضاري في العالم الإسلامي، ص 54,

[22]  شايف عكاشة، الصراع الحضاري في العالم الإسلامي، ص54.

[23]  حديث (( لو أن فاطمة...)) رواه البخاري في كتاب الحدودو، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان، رقم 6788، ج 4، ص 229. ومسلم في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود، حديث رقم 1688، ج 3، ص 1315، وغيرهما.

[24]  سورة المائدة: 9.

[25]  يزيدرمرم، نظرية الدروة الحضارية عند مالك بن نبي ، جريدة الشروق الثقافي، العدد 15، 11/11/1993م، ص 13. و ميلاد مجتمع، مالك بن نبي، ص 40.

[26]  مالك بن نبي، شروط النهضة، ص 79.

[27]  انظر: مالك بن نبي: إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، ص 34.

[28]  انظر: مالك بن نبي: شروط النهضة، ص98- 99. ووجهة العالم الإسلامي، ص 31-40. ومشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ص 7-18. والصراع الحضاري في العالم الإسلامي، ص 24-72.

[29]   موقع المسألة الثقافية من استراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، ص 13.

[30]  مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ص 90 -91.

[31]  نفسه، ص 74.

[32]  نفسه، ص 78.

[33]  موقع المسألة الثقافية من استراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، ص 14.

 

[34]  مالك بن نبي، شروط النهضة، ص 132.

[35]  سورة الأنفال: 63.

[36]  مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ص 79.

[37]  مالك بن نبي، شروط النهضة، ص 124.

[38]  مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ص 82.

[39]  مالك بن نبي، مجالس دمشق، ص 110.

[40]  مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ص 86.

[41]  مالك بن نبي، مجالس دمشق، ص 111.

[42]  مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ص88.

[43]  مالك بن نبي مفكراً إصلاحياً، ص 132.

[44]  مالك بن نبي مفكراً إصلاحياً، ص 132.

[45]  مالك بن نبي، مشكلة الأفكار، ص 8.

[46]  نفسه، ص 40-48، بتصرف.

[47]  نفسه، ص 48.

[48]  مالك بن نبي، ميلاد مجتمع، ص 37.

[49]  نفسه، ص 37.

[50]  مالك بن نبي، ميلاد مجتمع ، ص 36.

[51]  نفسه، ص 37.

[52]  انظر: مالك بن نبي، في مهب المعركة، ص 129.

[53]  انظر: مالك بن نبي، في مهب المعركة، ص 131.

[54]  مالك بن نبي، مشكلة الأفكار، ص 153.

[55]  انظر: مالك بن نبي، في مهب المعركة، ص 133- 134.

[56]  مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ص 11.

إضافة تعليق

2 + 8 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.