التقويم الهجري… نظام زمني رسّخ وحدة المسلمين عبر أربعة عشر قرناً

الثلاثاء, June 16, 2026
كاتب المقالة: 

يستحضر المسلمون في الأول من شهر محرم من كل عام ذكرى الهجرة النبوية الشريفة ‏من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، الحدث المفصلي الذي شكّل نقطة تحوّل في مسار ‏الدعوة الإسلامية وبناء الدولة، فيما اختيرت الهجرة لاحقاً لتكون أساس التقويم الذي ‏اعتمده المسلمون.‏

ويُعدّ التقويم الهجري أحد أبرز المظاهر الحضارية في التاريخ الإسلامي، إذ اعتمده ‏المسلمون نظاماً زمنياً موحداً لتنظيم شؤونهم الدينية والإدارية، وتحول على مدى أكثر من ‏أربعة عشر قرناً إلى جزء أصيل من الهوية الحضارية والثقافية للأمة الإسلامية، وما زال ‏حتى اليوم يشكل مرجعية أساسية للمناسبات والشعائر الدينية في مختلف أنحاء العالم ‏الإسلامي.‏

وأوضح الباحث في العلوم الإسلامية والاجتماعية محمد يامن حمزة في تصريح لـ سانا أن ‏العرب قبل الإسلام لم يعرفوا تقويماً موحداً لحساب السنوات، بل كانوا يؤرخون للأعوام ‏بالأحداث الكبرى التي تقع فيها، مثل عام الفيل وغيره من الوقائع المشهورة، مبيناً أن ‏الأشهر القمرية كانت معروفة بأسمائها المتداولة اليوم.‏

وأشار حمزة إلى أن بعض القبائل العربية كانت تلجأ إلى النسيء بتأخير أو تقديم الأشهر ‏الحرم، قبل أن يبطل الإسلام هذه الممارسة ويعيد الأشهر إلى مواقعها الأصلية، ما أسهم ‏في استقرار التقويم القمري وتوحيد المرجعية الزمنية للمسلمين.‏

مرحلة متقدمة من بناء الدولة

وبيّن حمزة أنه مع اتساع الدولة الإسلامية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، تقرر ‏اعتماد تقويم رسمي للمسلمين، واختيرت الهجرة النبوية بداية للتاريخ الإسلامي لكونها تمثل ‏الانتقال إلى مرحلة بناء الدولة والمجتمع.‏

وأكد أن التقويم الهجري لم يكن مجرد وسيلة لحساب الأيام والشهور، بل تحول إلى ركيزة ‏أساسية في إدارة شؤون الدولة الإسلامية وتنظيم الدواوين والمعاملات والعقود والأوقاف ‏والمراسلات الرسمية، كما أسهم في توثيق الأحداث التاريخية والعلمية والثقافية وحفظ ‏التسلسل الزمني لتطور الدولة ومؤسساتها.‏

أسس فلكية دقيقة

بدوره أوضح عضو اللجنة الوطنية لرصد الأهلة ورئيس الجمعية الفلكية السورية الدكتور ‏محمد ‏العصيري، أن استمرار التقويم الهجري لأكثر من أربعة عشر قرناً لم يكن نتيجة ‏ارتباطه بالشعائر الدينية واستخداماته في تنظيم شؤون المسلمين فحسب، بل لاعتماده ‏على أسس فلكية دقيقة ضمنت دقته واستمرارية العمل به عبر العصور.‏

وأشار العصيري إلى أن التقويم الهجري يُعدّ من أقدم التقاويم المستخدمة بصورة متواصلة ‏في العالم، إذ يقوم على الدورة الاقترانية للقمر، وهي المدة الزمنية الفاصلة بين اقترانين ‏متتاليين للقمر مع الشمس، والتي تبلغ في المتوسط نحو 29.53 يوماً، وتشكل الأساس ‏الفلكي الذي يقوم عليه حساب الأشهر والسنوات الهجرية.‏

ولفت العصيري إلى أن هذا الأساس الفلكي يفسر تكوّن الأشهر الهجرية من 29 أو 30 ‏يوماً، فيما يبلغ عدد أيام السنة الهجرية نحو 354 يوماً، أي أقل من السنة الشمسية ‏بحوالي أحد عشر يوماً، حيث يبدأ الشهر الهجري برؤية الهلال بعد حدوث الاقتران الفلكي ‏وغروب الشمس، الأمر الذي جعل متابعة الأهلة وحساب مواقع القمر جزءاً أساسياً من ‏اهتمام المسلمين بعلم الفلك منذ وقت مبكر.‏

وأوضح أن قصر السنة الهجرية مقارنة بالسنة الشمسية يؤدي إلى انتقال الأشهر الهجرية ‏والمناسبات الإسلامية تدريجياً بين فصول السنة المختلفة، حيث تدور الدورة الكاملة ‏للأشهر عبر جميع الفصول خلال نحو 33 سنة شمسية، ما يحقق العدالة الزمنية في ‏أداء العبادات، إذ تتعاقب مواسم الصيام والحج على مختلف الظروف المناخية عبر ‏الأجيال.‏

تكامل الدين والعلم

وأشار العصيري إلى أن الحاجة إلى تحديد بدايات الأشهر القمرية وأوقات الصلاة واتجاه ‏القبلة ومواسم الحج والصيام، أسهمت في ازدهار علوم الفلك والحساب والرصد في ‏الحضارة الإسلامية، حيث أُنشئت المراصد الفلكية وطُورت الجداول الحسابية وأساليب ‏رصد الأهلة وحساب مواقع الأجرام السماوية، الأمر الذي جعل العالم الإسلامي أحد أبرز ‏مراكز المعرفة الفلكية لقرون طويلة.‏

ولفت إلى إسهامات العلماء المسلمين في الفلك والرياضيات والحساب والتي تجاوزت ‏خدمة الشعائر الدينية إلى إثراء المعرفة الإنسانية، مبيناً أن دمشق كانت من الحواضر ‏البارزة في هذا المجال، ومن أبرز علمائها ابن الشاطر، فيما لا تزال مزولته في الجامع ‏الأموي شاهداً على التقدم العلمي الذي بلغته الحضارة العربية الإسلامية.‏

وبيّن العصيري أن التقويم الهجري لا يزال يحافظ على حضوره في مختلف جوانب الحياة ‏الدينية والرسمية، بوصفه مرجعية أساسية لتحديد الشعائر والمناسبات الدينية، ومعتمداً في ‏المراسيم والقوانين والوثائق الرسمية، لافتاً إلى أن تشكيل اللجنة الوطنية لرصد الأهلة ‏بموجب مرسوم جمهوري يجسد هذا الاهتمام المؤسسي في سوريا، ويعد أول مرسوم من ‏نوعه في العالم العربي والإسلامي يصدر بتوقيع رئيس دولة لتنظيم تحري ورصد الأهلة ‏وإثبات بدايات الأشهر الهجرية ضمن إطار رسمي متخصص.‏

وبعد أكثر من أربعة عشر قرناً على اعتماده، لا يزال التقويم الهجري يمثل نموذجاً فريداً ‏يجمع بين البعد الديني والدقة الفلكية، محافظاً على حضوره في حياة المسلمين وارتباطه ‏بالشعائر والمناسبات الإسلامية، في استمرار يعكس رسوخ هذا النظام الزمني وقدرته على ‏مواكبة تعاقب العصور.‏

المصدر: 
وكالة سانا
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
6 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.