حوارات لقرن جديد ...مشروع مبتكر يتلمس هموم الحياة العربية ويتفاعل معها!

الاثنين, June 2, 2025
كاتب المقالة: 

      ‏مع صدرو الطبعة الجديدة من  كتب سلسلة ( حوارات لقرن جديد) ..نعيد نشر مقالة الباحث فايز سارة حول مشروع الحوارات وأهميته في هذه المرحلة بالذات 

كثيراً ما جرى تأكيد، أن المشروع الثقافي في العالم العربي هو مشروع الدولة، واستند التأكيد إلى نوعين من التجارب، كان الأول منها تجربة البلدان التي اختطت تجارب شمولية، حيث أناطت بنفسها كل المسؤوليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي تجربة قاربت فيها تجارب الأنظمة الشمولية التي كانت تحكم البلدان الشيوعية كما في الاتحاد السوفياتي السابق والصين الشعبية وما بينهما من ألمانيا الديمقراطية ويوغسلافيا وألبانيا وفيتنام ومنغوليا، وكان النموذج العربي المقارب حاضراً في مصر وسورية والعراق والجزائر واليمن الجنوبي وغيرها من بلدان، أحدثت هيئات ومؤسسات ثقافية وإدارية مهمتها رسم وتنفيذ سياسة نشر وطباعة وتوزيع وتداول الكتب والمواد الثقافية بما فيها الكتب الفكرية والعلمية، والتي في إطارها مضت تجارب كثيرة كان منها تجربة وزارة الثقافة السورية وخاصة مديرية التأليف والنشر، التي انصب اهتمامها في نشر وترجمة وطباعة وتوزيع الكتب بموضوعاتها المختلفة.

والنوع الثاني من تجارب الدولة للمشروع الثقافي العربي، كرسته تجربة قلة من الدول العربية النفطية، التي تقدمت -ولو من موقع مختلف للتجربة السابقة- للقيام بعبء مشروع ثقافي عام متعدد المجالات في ميدان التأليف والطباعة والنشر والترجمة، وكانت المعالم الأكثر وضوحاً في التجربة الكويتية، التي مثلتها تجربة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بإنجازاته الثقافية المتنوعة والمميزة، وهي تجربة سعت بلدان عربية نفطية أخرى إلى محاكاتها مثل قطر والبحرين وعمان وسط مستويات أقل من نجاحات التجربة الكويتية.

وبغض النظر عن اختلاف التجربتين في تولي الدولة مسؤولية المشروع الثقافي العربي، فقد راوح المشروع في كل الحالات في الحدود المعرفية والثقافية، أكثر مما ذهب في الاتجاهات الفكرية والسياسية، التي قد لا تتوافق أو أنها تتعارض مع فلسفة النظام السياسي إلا في حالات محدودة ونادرة، كما في حال قيام وزارة الثقافة السورية بنشر عدد من أمهات الكتب الماركسية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي تحت تأثير عوامل معينة، لكن أغلب منشوراتها ذهبت في اتجاهات معرفية وثقافية، كما في مشروع المدن السورية وفي سلاسل الروايات والقصص والكتب الاقتصادية، وقريباً من هذا الاتجاه جاءت تجربة ناتج النشر للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت من سلسلة عالم المعرفة إلى سلسلة المسرح.

وإذا كان ثمة بلدان عربية،خرجت بتجاربها في المشروع الثقافي العربي عن النموذجين السابقين في قيام الدول بأعباء ذلك المشروع، فإن هذا الخروج، كان جزئياً، وغالباً ما استند إلى عجز الدولة المالي وربما السياسي في ملء الفضاء الذي يوجبه المشـروع الثقافي، مما فرض مستويات من التدخل تقوم به الدولة وأجهزتها في رسم حدود المشروع الثقافي وتحديد مساراته ومحتوياته، ومحاولة أخذ حيز في بعض هوامشه سواء من باب إثبات الموجودية، أو بهدف رسم توجيهات أو رسائل ثقافية للمشتغلين في المشروع الثقافي من مؤسسات وأفراد للالتزام بها أو السير في ركابها.

ربما كان لبنان، هو البلد العربي الوحيد الذي امتلك لأسباب متعددة فرصة الحضور المحدود للدولة في المشروع الثقافي، تاركاً هذا المشروع ولاسيما في ميدان التأليف والطباعة والنشر والتوزيع في يد القطاع الخاص بمؤسساته وأفراده، وكان التفرد اللبناني الثاني في موضوع المشروع الثقافي هو غياب الرقابة المسبقة بشكل كامل، وهو أمر قائم في أغلب البلدان العربية، والأقل فيها هو مايجعل القضاء صاحب القرار في حظر التداول، وفي المجال الأخير، فإن لبنان صاحب الموقع الأفضل في التعاطي مع تداول المنتج الثقافي ولاسيما مع الكتاب،وقد جعلت الخصائص اللبنانية، لبنان بلد الكتاب العربي الأول بلا منافس في التأليف والترجمة والنشر والتداول.

لقد تركت التجربة اللبنانية أمام دور النشر الكثيرة والمختلفة فرص رسم وتنفيذ مشروعاتها في ميدان النشر، وقد ظهر كثير من هذه المشروعات، لكن الغلبة فيها كانت للمشروعات الثقافية والمعرفية والعلمية المتقاربة مع حدود المشروع العربي العام على نحو ما هو عليه مشروعات دار رياض الريس ودار الساقي ودار العلم للملايين، وقلة قليلة من تلك المشروعات تجاوز تلك المشاريع للذهاب نحو مشروع فكري سياسي له أهمية راهنة على نحو ما ذهبت دار الفكر بدمشق توأم وشريكة دار الفكر المعاصر ببيروت في مشروعها القائم "حوارات لقرن جديد".

ولا يستمد مشروع " دار الفكر " أهميته من محتواه الفكري والسياسي المتفرد فقط، بل من حيثيات طبيعته الأخرى، التي يؤشر إليها اسمه "حوارات لقرن جديد". إذ هو مشروع حوار بين متخصصين من باحثين وعلماء وكتاب، وهو بالمعنى المحدد المشروع الأول من نوعه في العالم العربي، وقد ولدت هذه الأسبقية على قاعدة الحاجة لا على قاعدة التجريب، الأمر الذي تؤكده محتويات المشروع سواء من ناحية الموضوعات المطروحة، أو من ناحية الأسماء المشاركة،أو من الطريقة التي اتبعت في التعامل مع موضوعات المشروع، والأهم في ميزات المشروع سخونة وراهنية موضوعاته، التي لاشك أن أغلبها يندرج في أول اهتمامات الرأي العالم العربي والإسلامي وجزء كبير من الرأي العام في العالم.

لقد فتح إطلاق المشروع في العام 1998 الباب للتفكير في مختلف الموضوعات التي تهم القارئ والمواطن في مختلف البلدان العربية، وهكذا صارت كل الموضوعات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية على أجندة المشروع، وقد تكرس هذا التنوع في المنتج الذي صدر عن المشروع وقد تجاوز حتى الآن الخمسين كتاباً من مختلف الاختصاصات، كان منها في الفكر والسياسة "إشكاليات الخطاب العربي المعاصر"، و"مستقبل الحوار الإسلامي – المسيحي"، و"الإسلام والغرب الحاضر والمستقبل"، و"مستقبل الحركات الإسلامية"، وفي الاقتصاد صدرت مؤلفات "الخصخصة آفاقها وأبعادها"، و"الاقتصاد الإسلامي:علم أم وهم"، و"الربا والفائدة دراسة اقتصادية مقارنة" وفي موضوعات المجتمع "المجتمع الأهلي ودوره في بناء الديمقراطية"، و"أزمة الأقليات في الوطن العربي"، و"حقوق الإنسان في الوطن العربي"، وفي الموضوعات الثقافية "المسألة الثقافية في العالم العربي/الإسلامي"، و"مستقبل العلاقة بين المثقف والسلطة" و"جذور أزمة المثقف في الوطن العربي"، وفي الموضوعات الإسلامية "تجديد الفقه الإسلامي"، و"إشكالية تجديد أصول الفقه الإسلامي"، و"الاجتهاد:النص، الواقع، المصلحة"، و"الإسلام والعصر"، وفي قضايا المرأة "المرأة والدين والأخلاق" و"المرأة والجندر".

لقد تضمن المشروع كثيراً من الموضوعات سواء في العناوين الأساسية أو تفاصيلها، وهو أمر سوف يستمر في الإصدارات التي ما تزال تتوالى في إطار المشروع، وقريباً من هذا التطور في الموضوعات، يجري مسار المفكرين والباحثين والكتاب المشاركين في المشروع، وقد بلغ عددهم العشرات من أهم الأسماء العربية؛ بينهم عزيز شكري،  ورضوان السيد، وبرهان غليون، ولؤي صافي، وخليل أحمد خليل، ومحمد وقيدي، وعبد الوهاب المسيري، وطيب تيزيني، وميلاد حنا، وسعيد يقطين، وفيصل دراج، وأحميدة النيفر، ونوال السعداوي، وشيرين شكري.

 ويتوزع هؤلاء على مختلف التخصصات العلمية والمعرفية، وهم ينتمون إلى مشارب فكرية وسياسية مختلفة، كذلك الأمر بالنسبة إلى انتماءاتهم إلى ديانات وطوائف متعددة، وإلى بلدان مختلفة بينها بلدان عربية وأخرى إسلامية، وقد انضم الى المشاركين رجال دين مسيحيين من غير العرب، جاء في طليعتهم الإيطالي الأب موريس بورمانس الذي شارك أحميدة النيفر في حوارية مستقبل الحوار الإسلامي – المسيحي.

إن تميز المشروع يتجاوز موضوعاته والمشاركين فيه إلى طريقة العمل فيه، وهي طريقة محدثة ؛إذا نظرنا إليها في عمومية المشروع لا في خصوصية موضوع واحد من موضوعاته. ففي آليات عمل كل حوارية، يجري تحديد الموضوع عبر اتصالات أولية مع مجموعة من المختصين، قبل أن يتم اختيار بعضهم للمشاركة، ثم يكلفون كتابة البحث المحدد، ويجري تبادل الأبحاث بعد إنجازها، لكتابة تعليقات متبادلة على البحث الأول، والتبسيط في شرح طريقة العمل يتجاوز كثيراً من العقبات والمشاكل، التي تعترض إنجاز كل واحدة من الحواريات.

وإضافة إلى ما سبق، فإن سخونة وراهنية موضوعات المشروع هي بين أهم ميزاته. ففي الوقت الحاضر، هناك عدد من القضايا التي تشغل بال العالم، ويتوقف على تطورها مصير المنطقة العربية الإسلامية ومصير العالم كله، ومن ذلك موضوع الإرهاب، والعلاقات بين الدول والشعوب والثقافات، ومستقبل إسرائيل والصراع معها، ومستقبل الحركات الإسلامية، والعولمة، وكلها موضوعات في صلب اهتمامات الدوائر الدبلوماسية ومراكز البحث والدراسات في العالم، وهي موضع اهتمام الحكومات والجماعات السياسية وأوساط الرأي العام. كما أن ثمة موضوعات لها أهمية خاصة على الصعيد العربي/الإسلامي ومنها موضوعات حقوق الإنسان، والأقليات والمجتمع المدني والمجتمع الأهلي، والتحول الديمقراطي، والعلمانية والنظام السياسي في الإسلام، وموضوعات أخرى يثار حولها كثير من الأسئلة في العالمين العربي والإسلامي.

وميزة موضوعات المشروع، أنها تطرح وجهات نظر وتحليلات مختلفة بالاستناد إلى معطيات ووقائع معرفية وعملية، ثم تدخل وجهات النظر تلك في عملية حوار، يكمل فيها المختصون وجهات نظرهم، ويجاوزها للرد على وجهات النظر المقابلة في موضوع الحوارية، وإذا أخذنا بعين الاعتبار اختلاف تجارب المشاركين وتنوع معارفهم وخبراتهم، فإن محتوى الحوارية، يفترض أوسع تغطية معرفية وتحليلية، يعقبها سجال بين المتشاركين، الأمر الذي يفترض وصول الموضوع إلى مستوى أعلى من معالجة القضية المطروحة.

إن التفاصيل المحيطة بالمشروع الذي تتوالى حلقات إنجازاته متجاوزة الخمسين كتاباً، تكشف عن عمق فكرته وريادتها في إطار العمل الثقافي العربي، وهي فكرة تطلبت جهوداً متواصلة في الإعداد والمتابعة على خطوط متعددة ومتشابكة، كما احتاج المشروع إلى تمويل ضخم، سعت دار الفكر بكل طاقتها وقدراتها المادية والبشرية إلى استمرار المشروع وإنجاحه، وقد عكست هذه الإرادة والقدرة روح الرغبة في فتح ذهن القراء ومساعدة الجمهور في التعرف على القضايا المطروحة والتفاعل معها من بوابة المعرفة والإدراك لما يجري حولنا من أحداث وتطورات. 

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

4 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.