عام 2026: ضحية تحاكم ضحية

وصلنا إلى عام 2026 ونحن في عداد الأحياء.وكلما طوينا صفحة من عمرنا نقلّب في الوقت نفسه في دفتر الذكريات، أو ما يسميه الأوروبيون خط الأحداث .timeline وفي ذاكرتي عدة محطات أساسية ومقلقة.
أولها حرب عام 1973 التي انتهت نهاية درامية، وبموجبها خرجت مصر من ساحة القتال، وعقدت أول اتفاق علني مع الإسرائيليين. وحتى هذه اللحظة لم ينعم المصريون بما نتمناه لهم من دعة ورخاء. فإسرائيل كابوس نتعايش معه بالإكراه. وكلما لجأنا إلى لغة العقل نتعرض لزلزال أمني، أو سياسي يجرنا إلى الخلف، وكأن أمن إسرائيل لا يتحقق إلا إذا كنا في نقطة الصفر على الدوام، أو ربما تحت الصفر. حتى إن التوجه العام في أوروبا ينحو للتقليل من الاعتماد على النفط العربي، ليس لأنه ملوث للبيئة، ولكن أيضا لأنه سلاح استراتيجي بيد العرب، كما ثبت في حروب عام 73. وهذا الكلام لروبرت لي، المتخصص بشؤون الطاقة والتكنولوجيا.
المحطة الثانية هي ورطة السوريين في لبنان، ولا أحد يعلم بالضبط السيناريو الذي تحكم بتلك الفترة، ولكن نهايته المفجعة كانت بخسارة السوريين لصوت معتدل وهادئ وهو، رفيق الحريري، ثم انسحابهم من جميع الأراضي اللبنانية، ولكن بعد رسم حدود جديدة بين الأحياء والمدن، وبعد هبوط الليرة اللبنانية بمعدل غير مسبوق، بالإضافة إلى تنمية روح البغضاء ضد كل شيء سوري. وكلما قارنت أدبيات ما بعد حرب 1975 بما قبلها، ألاحظ الفرق في طريقة تصوير السوري. فقد تحول من لاجئ يبحث عن الاستقرار والأمان، كما في “الثلج يأتي من النافذة” لحنا مينة، إلى مقاتل يدافع عن الوجود الفلسطيني، وأذكر هنا “بستان الكرز” للمرحومة قمر كيلاني، وحتى احتلال مكان الضحية والمنبوذ في رواية “سوريو جسر الكولا” لياسين رفاعية. ومثل هذه التحولات لا تعبر عن الانحدار والتراجع في دور السوريين فقط، ولكن عن عمق الصدع الذي يهدد جدار النظرية العربية عن الزمن والتاريخ والهوية. ويبدو أن حالة فقدان الذاكرة هي القاسم المشترك في هذا السياق. وأكثر ما يؤسف أن الذاكرة المتبدلة في دول المواجهة لا تشبه بأي شيء ذاكرة الفلسطينيين في أراضي عام 48، وعلى ما يبدو أن تفسيرنا للذاكرة كان عرضة لأمور شكلية، ومنها معنى الأرض. فقد كنا نتعامل معها وكأنها قيمة بحد ذاتها، وهذا انعكاس لمفهومنا عن مشكلة السلطة، فهي لا تعني لدينا فن إدارة المجتمع ولكن فن التحكم به. بعكس عيون أدب الأرض المحتلة، وأنوه بـ”المتشائل” لإميل حبيبي، و”الشارع الأصفر” لتوفيق فياض، و”وارث الشواهد” لوليد الشرفا. وعلى وجه الخصوص “قناع بلون السماء” لباسم خندقجي، وكلها أعمال تضع الإنسان فوق الأرض. وتعتبر أن الحضارة هي التي تعطي للأرض معناها النوعي، بمعنى أن الأرض هي التابع، أو أنها المرادف لذاكرته. وبتعبير آخر هي معطى ونتيجة أو حلقة من تاريخه الراهن.
بالضبط كما عبرت الهندية أنورادا روي عن ذلك في روايتها “أطلس الحنين المستحيل”، وتأخذ فيها الأرض عدة صور وتجليات يحددها وعي كل جيل، فهي مصدر القيمة عند المرابي، لكنها مصدر للعذاب واللوعة عند العاشق. وبهذا الاتجاه لا يغيب عن ذهني مأساة حصار بيروت عام 1982، وإذا كنت حينها متفائلا بمستقبل المقاومة وبضرورتها في لبنان، كان ذلك ينسجم مع ثقتي اللامتناهية بحكمة أدباء حملوا السلاح لا ليقتلوا به، ولكن ليستأنسوا بمعناه الرمزي. ومنهم محمود درويش وأمجد ناصر وسعدي يوسف وناجي العلي والقائمة تطول. وكانوا جميعا مراسلين حربيين، وليسوا مقاتلين بالمعنى الحرفي للكلمة. وهو ما استنتجه أيضا من مذكرات نوال السعداوي عن تلك الفترة، وبالأخص أنها تطوعت للعمل في المستشفيات. ويوجد فرق حقيقي بين القتل وإجلاء ورعاية الضحايا. وتوجد خلفيات إنسانية وثقافية لهذا النشاط منذ أيام الحرب ضد الفاشية في إسبانيا. وقد شارك بها اثنان من أهم أدباء القرن العشرين، وهما همنغواي وأورويل. لكن ما يؤسف أن ينتهي التكاتف بين مثلث السوري والفلسطيني والمثقف العربي، إلى التخوين ثم إلى هجرة المثقف ودخوله في متاهة أوروبية أو خليجية. والانتقال من التفكير الرمزي بالسلاح إلى التفكير الرمزي بالربح والمكاسب الشخصية والجوائز. ومثل هذا التبدل ليس طفرة، ولكنه نتيجة فراغ غير مفهوم بين الأطراف. وسببه على الأغلب أننا كنا نتكلم بلغة واحدة ولا نقبل المراجعة والنقد. وفي ظل هذا الغياب لأي شكل من أشكال العقل غابت عنا وجهات نظر بقية الأطراف. ومن بينها أصوات دعمتها جهات ليبرالية وغربية. وإذا سمعنا جميعا بسعيد عقل وكريم بقردوني توجد أسماء مغيبة قسرا – أو معتقلة بسلطة الأمر الواقع ومكممة الأفواه. ومنهم روان عثمان وماهر أباظة ومنى برنس إلخ…
وما يلفت النظر حقا أن كل من أيد دخول سوريا في النزاع انقلب ضدها في نهايات الألفية السابقة. وانضم إلى جوقة الأصوات الثابتة التي شككت بدواعي وأهداف هذا التدخل. بخلاف ما جرى في نزاع صدام مع الكويتيين، فقد كان الرفض علنيا وبالإجماع، حتى لو تخلله حياد تكتيكي غير مباشر وغامض. وهو ما يزج بالعقل العربي في مشكلة العطالة الذهنية.
وكما ذكر القاص محمود الريماوي في إحدى ملاحظاته: إن العربة تسير ولكن لا أحد يعلم إلى أين. مع أنه أشار في وقت سابق في قصته المتميزة “القطار” إلى توقف دورة حياتنا في المحطة. وهذا يوازي مفهوم كاتب آخر من جيله وهو وليد إخلاصي، فقد كتب في روايته “رحلة السفرجل” عن قطار متحرك، ولكنه يحمل مسافرا ميتا. كما لو أنه يريد أن يلقي التهمة على دينامية الحركة الساكنة. فالدواليب تدور غير أن الوعي معطل تماما. ولا يختلف ذلك عن التغير في أسهم حزب الله، من الإجماع عام 2006 إلى الشك والعداء العلني بعد 2010 واندلاع شرارة الربيع العربي. والمأساة تتكرر في غزة، من الضغط على إسرائيل لوقف المبالغة في ردها على حماس إلى انقسام الصف في داخل غزة، وظهور رموز وعشائر تتصدى لحماس. وعلى ما يبدو أن تشابك وتقاطع كل هذه الخيوط لن يخدم الزمن العربي ولا لحظته، وسيتكفل بمزيد من التعطيل والألم والعذاب.
ماذا يخبئ لنا عام 2026؟
بما أنني لا أومن بالعرافة أترك هذا السؤال إلى الأحداث لتجيب عنه.

إضافة تعليق