رمضان في غزة… موائد مزدحمة بذكرى الراحلين ومحاولات فرح تتحدى الألم ... تفاصيل صغيرة تصنع من الشهر الكريم حالة روحانية

الخميس, February 26, 2026
كاتب المقالة: 

في سنوات ما قبل الحرب الأخيرة، كانت المساجد في غزة تمتلئ بالمصلين في ليالي رمضان. لكن هذا العام، عدد كبير منها تضرر أو دمر بالكامل بفعل القصف. ومع استمرار الغارات الإسرائيلية، وإن على نحو متقطع، تقلصت التجمعات في غزة، ومن بينها الصلوات، إلى حد كبير، وكذلك التجمعات العائلية، التي كانت من أهم سمات الشهر الفضيل. ففي ظل تشرذم معظم سكان القطاع في مخيمات أو بين البيوت المتضررة، بات من الصعب استعادة طقوس شهر رمضان، إلا أن التحدي الأكبر يبقى أنه ليس ثمة عائلة واحدة من عائلات غزة لم تفقد عزيزا واحدا على الأقل خلال الحرب.

مائدة لشخص واحد

أمجد جودة، 25 عاما، لم يكن يتخيل أن يأتي عليه يوم يحيي فيه رمضان دون عائلته. فخلال أشهر الحرب، فقد والديه وإخوته دفعة واحدة. لم يبق له سوى بيت متصدع وجدران تحمل آثار القصف، وذكريات تتكاثر كلما اقترب موعد آذان المغرب في رمضان.

ليس الفقد خبرا عابرا، وإنما كرسي شاغر الى الطاولة، وسرير لم يرتب منذ رحيل صاحبه، وصورة معلقة تعاد إليها النظرات أكثر مما يعاد النظر إلى ساعة الحائط. مع ذلك، يحاول الناس، كما في كل مرة، أن يلتقطوا من بين الركام ما يشبه الحياة.

يقول أمجد: "كنت أهرب من الضجيج إلى بيتنا في رمضان. أمي وأختي تعدان الشوربة والطعام قبل المغرب بساعة، أبي يفتح الراديو على القرآن، وإخوتي يتشاجرون حول من سيحمل طبق الكنافة. الآن، لم يعد ذلك موجودا، أنا فقط أتذكر وأتألم".

أمجد لا يعرف كيف سيمضي طقوس الشهر وحده. في السنوات الماضية، كانت صلاة التراويح فرصة للالتقاء، والسحور مناسبة لقضاء وقت جميل مع العائلة. أما هذا العام، فلا يهتم أمجد، مثل كثيرين في القطاع، ماذا يفطر أو يتسحر، "لا أعرف ما الفائدة من أن أعد المائدة لي وحدي".

يضيف بأسى: "فكرت أكثر من مرة ألا أصوم هذا العام".

يكمل: "كنا نجتمع أنا وإخواني الى المائدة في رمضان، لا نفطر حتى يأتي أبي من صلاة المغرب، فرمضان كان عنوانا للمة العائلية. كنا نمضي أوقاتا سعيدة، وفجأة اختفى كل شيء".

لا يتحدث أمجد عن الطقوس بوصفها عادات، بل بوصفها روابط. يرى أن رمضان بلا عائلة يفقد الكثير من رونقه، ويتوقف الإحساس بروحانيته حسب الأجواء المحيطة: "ما يحيط بي فقط حزن كبير، فكيف أشعر برمضان؟". 

مع ذلك، يحاول أن يجد لنفسه معنى جديدا. يفكر أن يدعو بعض الجيران الذين فقدوا بدورهم عائلاتهم، "ربما نصنع مائدة صغيرة تشعرنا بالونس".

فوانيس مؤجلة

على باب خيمتها، تجلس سناء الشرباصي، 41 عاما، بين أطفالها الثلاثة، تحاول أن تشرح لهم لماذا لن يكون هذا العام مثل الأعوام السابقة. زوجها أصيب إصابة بالغة خلال الحرب، ولم يعد قادرا على العمل. 

"كان لدى زوجي راتب يكفينا قبل الحرب، الآن يحصل على مساعدة بالكاد تكفي من رب عمله".  

تعيش الأسرة على هذا الجزء المقتطع من الراتب، بالإضافة إلى المساعدات الإنسانية التي بالكاد تكفي الطعام والدواء.

تقول سناء: "في كل رمضان، كنت أشتري لهم فوانيس ملونة، ولو صغيرة. كنت أعلق الزينة على الشباك، وداخل البيت. لم تكن أشياء فاخرة، لكنها كانت تفرحهم، هذا أول رمضان لا أشتري فيه زينة".

هذا العام، تتوافر الزينة إنما بأسعار تتجاوز خمسة أضعاف سعرها الطبيعي، "أشعر بالحسرة حين يسألونني: متى سنشتري الفانوس؟ لا أملك الجواب".

تضيف: "حين طلب أطفالي مني تزيين الخيمة، قلت لهم الأسبوع المقبل، وأنا أعرف أنني لن استطيع تلبية هذا الطلب البسيط".

اعتاد أهل غزة طهي الملوخية والدجاج أول أيام رمضان لكن هذا لم يكن متاحا لسناء وعائلتها هذا العام، بسبب ارتفاع الأسعار الجنوني. "لم أعد قادرة على شراء اللحوم". تقول سناء.

أطفالها لا يفهمون معنى العجز الاقتصادي، لكنهم يشعرون حقا بغياب الفرح. تحاول سناء أن تعوضهم بطرق أخرى، كأن تطبخ دون لحمة، أو ببعض قطع صدر الدجاج.

تضيف: "كان رمضان في السابق فرحة للأطفال، لكنه تحول بسبب الحرب إلى حسرة". 

تتبع سناء طرقا اخرى لتزيين الخيمة، إذ تصنع من الورق الملون زينة بسيطة، وتطلب منهم أن يرسموا هلالا ونجوما، أشكالا يفرحون بها قليلا. "أحاول أن أقدم لهم فرحة ولو صغيرة، أخاف أن يكبروا وهم يربطون رمضان بالحرمان".

لدينا ذكريات جميلة مع  رمضان، كنا نزور الأقارب، ونتبادل أطباق الحلوى والطعام. الآن بالكاد نملك ما نضعه في صحوننا

زوجها يجلس في زاوية الخيمة، يتابع الحديث بصمت، فالإصابة أفقدته القدرة على الكلام. 

"الإصابة  تؤلمه بالطبع، وما يؤلمه أكثر شعوره بالعجز، ففي مطلع رمضان كان يسعد أطفاله بما يتمنون"، تقول سناء.  

تحاول أن ترفع عنه الحرج أمام الأطفال، فتقول لهم إن أباهم هو "أقوى رجل في الدنيا"، وإنه سيعود إلى العمل حين يتحسن.

"رمضان يبقى شهر العطاء"، تضيف، "ولدينا ذكريات جميلة معه، كنا نزور الأقارب، ونتبادل أطباق الحلوى والطعام. الآن بالكاد نملك ما نضعه في صحوننا".

لا تشعر سناء بالقلق بالرغم من العبء الثقيل: "يأتي رمضان ومعه رزقه". 

من يعد الحلوى؟

أما إيهاب حسنين، 42 عاما، فيستقبل رمضان هذا العام بجرح مختلف. زوجته رحلت قبل أشهر بعد صراع مع مرض السرطان، في ظل نقص العلاج وصعوبة السفر. خمسة عشر عاما جمعتهما، كانت فيها مائدة رمضان شاهدا على تفاصيل لا تحصى.

يقول إيهاب: "لا أستطيع أن أتخيل نفسي جالسا على الإفطار من دونها. كانت هي من تختار الأطباق، ومن تصر على أن نجلس جميعا قبل أن يؤذن المؤذن، كانت ترتب حياتنا كما يجب".

يأتي رمضان هذا العام على العائلة بطعم لاذع لا يمكن تحمله، لكنهم يحاولون التعايش. أطفاله لا يزالون في حالة إنكار: "يتجنبون قول ماما ماتت... وأنا كذلك"، يخبرنا إيهاب.

لكن يأتي أول رمضان في غيابها، ويعيد طرح الأسئلة الصعبة في أذهانهم. "هل تصوم ماما رمضان معنا؟". تسأله ابنته. ويجيبها: "نعم وتأكل القطائف وقت الإفطار".

رمضان بالنسبة إلى إيهاب ليس فقط شهرا دينيا فقط، فهو ذاكرة مشتركة أيضا. مخزن ذكريات جميلة أفرغته الحرب والمرض من معناه. 

"كانت زوجتي تعد القطائف مع الإفطار، لم يكن هذا يعني لي الكثير في السابق، أما اليوم فسأفعل ذلك، سأحاول الحفاظ على عاداتنا المشتركة كل رمضان".

يخشى إيهاب اللحظة التي يرفع فيها يديه وحده بالدعاء وقت الإفطار. كانا يتقاسمان الدعاء، يتبادلان نظرات الاطمئنان. الآن سيبقى الكرسي المقابل فارغا، شاهدا على غياب لا يمكن تعويضه.

مع ذلك، يصر على أن يحاول: "سأجلس مع أولادي، وسنقرأ الفاتحة لها كل إفطار وكل سحور. سأخبرهم عن أول رمضان جمعنا، وعن ضحكنا حين وضعت السكر بدلا من الملح في الشوربة. لا أريد أن تتحول إلى صورة فقط، أريد أن تبقى ذكراها في حياتنا".

يحاول الغزيون أن يتمسكوا بخيط رفيع من الماضي، يخبرهم أن رمضان لا يزال قادرا على أن يوقظ في الداخل شيئا من الطمأنينة رغم الحزن الكبير

رمضان غزة هذا العام لا يشبه ما سبقه، خاصة أنه يأتي بعد حرب حطمت الكثير من ذكريات غزة معه. لكنه أيضا لا يتلاشى تماما من القلوب، فلكل عائلة تفاصيل خاصة بها، تلك التي قد تصنع من الشهر الكريم حالة روحانية، تعيد ذكراه في قلوب الغزيين. 

فأمجد الذي يفكر في أن يتخلص من وحدته، وسناء التي تصنع فانوسا وزينة من ورق، وإيهاب الذي  يصر على أن تكون زوجته الغائبة في كل لحظة روحانية، جميعهم حرك رمضان ذاكرتهم مع الماضي. طقوس وتفاصيل صغيرة كانوا يمارسونها، اهتزت او اختفت، لكنها ما زالت تمثل لهم معنى رمضان كما ألفوه منذ الصغر.

  ربما لن تعود الطقوس كما كانت، وربما ستبقى الكراسي الفارغة تذكر أصحابها بما كان. لكن باللحظات المشتركة مع الغائب، يحاول الغزيون أن يتمسكوا بخيط رفيع من الماضي، يخبرهم أن رمضان، لا يزال قادرا على أن يوقظ في الداخل شيئا من الطمأنينة رغم الحزن الكبير. 

المصدر: 
مجلة المجلة
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.