قراءة في بؤس الأنظمة العربية

في كتابه "قراءة في بؤس الأنظمة العربية"، يقدم الدكتور حسين الشرع تشريحًا عميقًا لأزمة الدولة العربية الحديثة، متتبعًا جذورها التاريخية، ومظاهر إخفاقها، ومآلاتها المحتملة. ينطلق المؤلف من فرضية مركزية مفادها أن الدول العربية تواجه اليوم تحديًا وجوديًا حقيقيًا: إما أن تعيد بناء نفسها على أسس دستورية وقانونية سليمة، أو أن تتفتت إلى كيانات ضعيفة غير قادرة على البقاء، مرتهنة لحماية القوى الدولية وشروطها.
يرى الشرع أن التكوين الأولي للدول العربية جاء نتيجة صفقة استعمارية تمثلت في اتفاقية سايكس بيكو، ونظام الوصاية الذي فرضته عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى. هذا التكوين غير الدستوري، إلى جانب الأنظمة الملكية الشمولية، أسس لمرحلة من الإخفاقات السياسية والعسكرية، أبرزها الهزيمة أمام العصابات الصهيونية وقيام دولة إسرائيل في قلب الوطن العربي، وما تبع ذلك من سلسلة انقلابات عسكرية أطاحت بأي أمل في بناء نظام ديمقراطي حقيقي.
ويؤكد الكاتب أن هذه الأنظمة، سواء ما قبل الاستقلال أو ما بعده، حولت الدول العربية إلى دول مخفقة، يتجلى فشلها في عدة مظاهر: أولها عدم استكمال مرحلة التحرر الوطني، حيث بقيت فلسطين والجولان تحت الاحتلال، وانساقت الدول العربية وراء مشاريع استعمارية جديدة بغطاء اقتصادي وسياسي. ثانيًا، فشلت برامج التنمية نتيجة تغليب رغبات الحاكم على حاجات الشعب، ما أدى إلى تفشي الفقر والبطالة والفساد. ثالثًا، قُطعت الصلة مع التعددية السياسية، وتم قمع الحريات، وتحولت الدولة إلى جهاز أمني يخدم النظام لا المواطن.
كما يشير الشرع إلى أن هذه الأنظمة سعت لإرضاء القوى الدولية، وخضعت لوصاية المؤسسات المالية العالمية، ما عمّق تبعيتها وأفقدها استقلالية القرار. ومع اندلاع ثورات الربيع العربي، تحولت بعض هذه الدول من دول مخفقة إلى دول قاتلة، استخدمت أدوات القمع والبطش ضد شعوبها، كما حدث في سوريا وليبيا ومصر واليمن، حيث انكشفت حقيقة الأجهزة العسكرية والأمنية بوصفها أدوات لحماية النظام لا الوطن.
ويختم المؤلف برؤية إصلاحية جذرية، تدعو إلى تجاوز عقدة "الرئيس القائد"، والانتقال إلى نظام برلماني تكون فيه الرئاسة منصبًا بروتوكوليًا، مع احترام الدستور، وضمان تداول السلطة عبر انتخابات دورية شفافة. ويشدد على ضرورة تمكين المواطن من معرفة حقوقه وممارسة حرياته، وكسر حاجز الخوف، وتحرير القرار السياسي من هيمنة رأس المال والشعارات الجوفاء.
في النهاية، يؤمن الدكتور حسين الشرع أن الشعوب العربية بدأت تدرك طريقها، وأنها قادرة على تجاوز حقبة الظلم والظلام، لتصبح مصدر السلطات الحقيقي، وصانعة الأمل، في أوطان جاذبة للمبادرة والإبداع، لا طاردة للكفاءات والمبدعين.

إضافة تعليق