لماذا يكرهون العربية؟!

ان التحدث باللغة العربية و إتقانها ودراستها من شعار الإسلام ، فقد قال تعالى في سورة يوسف: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)}. وقال في سورة الرعد: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37)}. وقال في سورة طه: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113)}.

وقال في سورة الزمر: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28)}. وقال في سورة فصلت: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)}.
وقال في سورة الشورى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)}.
وقال في سورة الزخرف: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4)}.
وقال في سورة الأحقاف: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12)}.

إن تعلم العربية ييسر فهم القرآن و شرح معانيه، كذلك كونها لغة القرآن، فمعرفة الصرف يمكننا من فهم تراكيب الكلمات، و بالنحو ندرك تراكيب الجمل و فهم هندستها، و في معرفة فنون البلاغة نتفصح في اللغة و يحلو كلامنا بالبيان. فوجب نشرها في أنحاء العالم للمساهمة في زرع حب القرآن بقلوب الذين لا يعرفون الإسلام عن طريق حب اللغة ، فإن تمسكنا بهويتنا يجعلنا أقوياء الشخصية في عيونهم ، و الطبيعة البشرية تنجذب للإنسان القوي و تتخذه قدوة ، و هكذا ستميل قلوبهم و يكون نشر دين الإسلام أسهل. و العربية جزء من هوية المسلم، فالصلاة يصليها بالعربية، و حين يحرم يكبر و يلبي بالعربية. بل إنه حين يسأله الناس من تكون ، فيجيب بلسان عربي: “أنا مسلم.” مهما كانت لغته. و لكم أن تروا في العربية سحر البيان و جمال المعنى و سلاسة الوصف، و إنكم تطربون لشعرها و تتلذذون بروعة و حلاوة بحوره و قوافيه. لغة قد فاقت كلماتها الإثني عشر مليون كلمة، هي قمة في ثراء المعاني و المرادفات. أجملها خطا باختلاف و تنوع مدارسه، و إبداع الخطاطين فيه و في زخرفته و تزيينه فنافس أشهر اللوحات. و الملحوظ شغف كثير ممن اعتنقوا الإسلام باللغة العربية و اقبالهم على تعلمها طواعية كونهم أحبوا القرآن و فهموا جيدا كل ما عنته الآيات التي ذكرتها.

العربية جزء من هوية المسلم
اللغة العربية جزء من هوية المسلم كونها لغة كتاب الله المختارة، فهي بذلك توحد المسلمين و هذا ما أدركه المستعمر الذي رأى في العربية عجبا إذ تربط بين المسلمين و تقربهم من تعلم دينهم و فهم معاني كتاب الله.

لماذا يكرهون العربية؟
الإستعمار الفرنسي حاول بطرق عدة طمس اللغة العربية و حذفها من المدارس في المغرب الإسلامي ( بالجزائر، بتونس، بالمغرب و غيرها من الدول المسلمة التي طغى عليها الإستعمار آنذاك) و تم تجريم كل من يَدرسها أو يعلمها، و بالفعل نجح إذ أنتج جيلا كاملا لا يعرف من لغته شيئا. و لم تكن سوى سنوات قلال مذ أن تم إستعادة العربية لتكون لغة أولى حتى بعد الإستقلال كان الأمر بالعسير، فطمس اللغة هو طمس لجزء كبير من الهوية و شغل المسلمين بقراءة كتب بلغة غير العربية هدفه إلهاء المسلمين عن النهل من كتب عربية ككتب الفقه و التفسير و العلوم و غيرها . كذلك حاول الإستعمار الإنجليزي فعل نفس الشيء بمصر إذ حارب الأزهر الشريف و حاول حرق مصادر العلم أو ما ينتجه من علوم بالعربية. و قام بتهجير العلماء و المعلمين لهذه اللغة و قمعهم و تصفيتهم ، كل ذلك لمسح اللغة العربية و تقزيم قيمتها لتشويه شخصية المسلم. و عمد أيضا إلى تهجير النخبة من المفكرين و المتفوقين ليدرسوا بالخارج سعيا منه في تغيير هويتهم و استغلالهم و تحويلهم إلى علماء بلا هوية. المستعمر حين خرج من البلاد الإسلامية ، لم يكن يائسا تماما ، فقد عرف أنه ترك أثرا قويا يزعزع هوية المسلم ، و إلى يومنا هذا تظل سيطرته مطبقة لكن العيون لا تلحظ إذ غرق الناس في انشغالهم عن ملاحظة أمور تبدو عادية ، فتجد كثيرا من لافتات المحلات بلغات أجنبية، و البعض يتحدث بلغات أجنبية ظنا منه أنها لغات التمدن و الحضارة. فقد ترك الإستعمار بقاياه ، نارا خافتة تكاد تشتعل.

أصل مشكلة كره بعض من غير العرب للعربية

جد أن الإستعمار اليوم يصور العربية على أنها مرتبطة بالعرق ، فتجد المسلمين يتناحرون و يتراشقون بالتهم و منهم من غير العرب من يتبرؤون من العربية لأنها بنظرهم ‘دفنت’ لغاتهم ، و أخص بالذكر الأمازيغ أو الأكراد و غيرهم من الأعراق التي تجاهلها بعض من العرب و غيرهم اليوم لقلة اختلاطهم بهم و قلة معرفتهم بحضارتهم و ثقافتهم و التغييب الإعلامي لهم، و ربما لسيطرة كثير من مفسديهم و هم قليلون لكنهم لا يتوانون في تغذية الحقد و الكراهية بين الأجناس . بيد أن الدارس للتاريخ يدرك أن الأمازيغ -على سبيل المثال- أحبوا العربية بعد أن اعتنقوا الإسلام و نصروه، و أنهم هم من تمسك بها و ساهم في نشرها بشكل كبير في المغرب الإسلامي و الأندلس و غير من البقاع التي وصلوها بفتوحاتهم. أما إندثار بعض اللهجات فهو ليس بسبب إنتشار العربية بل بسبب الإستعمار ذاته الذي حاول قتل العربية و قتل جميع اللغات و اللهجات لإقتلاع كل ما من شأنه أن يكون جزءا من شخصية المسلم و هويته، بل فعلوا ذلك مع كل من هو مخالف لملتهم و لا ينتمي لحضارتهم، و مثال ذلك الهنود الحمر و استعمار الأوروبيين الطامعين لأرضهم، إذ أبادوهم و اغتصبوا كل أملاكهم و فسخوا الهوية و حاربوا كل من يختلف عنهم، فبعد أن كان لهم أزيد من 500 لغة و لهجة، لم يبقى سوى بقايا لهجات تكاد تُعد على الأصابع. يجب على كل إنسان مهما كانت لغته ألا ينساها و لا يتركها بل و يعَلِّمها إن استطاع، فهي جزء من تاريخه و حضارته و أصله و هويته. إن المُطَّلِع في مجال اللغات ، و الباحث في شؤونها يلاحظ أن الأجانب لا يستغنون عن لغتهم ، بل و يصرفون أموالا لإنشاء مدارس بكل الدول إن استطاعوا لنشر لغاتهم و تعليمها ، و لا يبالون بالمصاريف، ذلك أنهم أيقنوا أن اللغة جزء لا يتجزأ من ثقافتهم و هويتهم و أنها السبيل ليتوسعوا و يسيطروا على أكبر قدر من العالم وجب زرع لغاتهم و تحبيبها و تكون هذه بوابتهم للإستعمار الثقافي.

لا تتخلى أبدا عن لغة و لهجتك، ولكن..

كل ما ذُكر لا يعني بالضرورة التشجيع على عدم تعلم اللغات، بل وجب تعلمها و هذا ما حث عليه ديننا و شجع و حرص عليه. فقد قال تعالى: ” .. وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)” (طه) وبيّن سبحانه فضل العلم ومنزلة العلماء: “… يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)” (المجادلة). و هنا تبرز أهمية طلب العلم الذي فرضه الله على كل مسلم و مسلمة، بل المقصد مما ذُكِر هو عدم تقديم لغة على حساب العربية و إنما التعلم بالتوازي. فتقديم وقت لتعلم أي لغة أو الحديث بها لا يكون على حساب تعلم العربية و استخدامها.

إحياء اللغة إحياء للدين

ختاما، العربية لغة إختارها الله من بين مئات آلاف اللغات لتكون لغة أعظم معجزة ‘القرآن الكريم’، و جعلها الإسلام أكثر رفعة و أعظم شأنا، ثم إن الله حين أوجدنا في الأرض، خلقنا في بلاد تعرف العربية و تتعلمها منذ الصغر، فسهل علينا الطريق لتعلم القرآن و فهمه و إستيعاب ما في الدين من سنة و فقه. و جعلها الله رباطا يحتضن المسلمين و يقربهم فتكون وسيلة تواصل و نشر للدين الإسلامي في كل بقاع المعمورة، فإحياء اللغة إحياء للدين.

إضافة تعليق

1 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.