هل هناك قيم كونية يجتمع عليها البشر؟ قراءة في كتاب "صراع القيم بين الإسلام والغرب"

هل هناك قيم كونية يجتمع عليها البشر بمختلف ثقافاتهم وقومياتهم ولغاتهم؟. وما سبب اختلاف نظرة الشعوب إلى بعض القيم؟. وما مدى التباين في النظرة للقيم بين الغرب والإسلام؟ وهل صحيح أن الغرب يقدر الحرية أكثر من المسلمين؟. وهل يحرّم الإسلام الاستمتاع بالملذات؟. ثم هل المسلمون أكثر تديناً من الغربيين؟. وهل صحيح أنهم يتمسكون بالروابط الأسرية، في حين يتفلت منها الغربيون؟.

قضايا عديدة يعالجها كتاب “صراع القيم بين الإسلام والغرب” لكاتبيه الدكتور رضوان زيادة والدكتور كيفن جيه أوتول، بهدف جلاء الصورة، ليتمكن كل طرف من فهم حقيقة الآخر.

قيم كونية

يقدم رضوان زيادة في مداخلته (الصراع على القيم الكونية) تعريفاً لمعنى القيم من الناحية اللغوية، ويبين كيف فهمها العرب، ثم كيف ترجمت إلى اللغات الأجنبية، وكيف تكونت وصنفت من حيث هي دينية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو جمالية، وينتقل بعدها لاستعراض المنطق الفلسفي للقيم ومعالجة الفلاسفة لإشكالاتها من حيث كونها معيارية أم علمية أم إنسانية. لينتقل بعد ذلك إلى القيم الكونية، وماذا تعني، وكيف تحدد سماتها، وما علاقتها بالنظام الثقافي للأمم والشعوب، وهل القيم الكونية هي ذاتها في الحضارات المختلفة، وما مدى ثباتها في الثقافة الواحدة؟.

يرى الدكتور زيادة أن وراء الجدل الدائر حول مفهومي الكونية والخصوصية صراعاً خفياً حول إسهام الحضارات الأخرى في بلورة هذه (القيم الكونية)، فالمؤمنون بالخصوصية يحاججون بأن هذه القيم ليست كونية البتة، بل هي تنحدر بالأخص من حضارة الغرب. وهم يجادلون بأن الإقرار بكونية هذه القيم يلغي خصوصية الثقافات الأخرى. لكنهم يقرون بالوقت نفسه أن هناك حقائق أخلاقية أساسية يشترك بها كل البشر.

هل ينتهي الغرب؟

يعتقد الدكتور زيادة أن (القيم الكونية) تكاد تكون هي ذاتها في الحضارات المختلفة، إلا أن طرق تطبيقها تزداد تبايناً حتى ضمن الثقافة نفسها، فالأوروبيون والأميركيون يمتلكون قيماً أساسية مشتركة، لكنهم لا يشتركون في فهم واحد لها. فعلى سبيل المثال يمجد كلا الطرفين الكرامة الإنسانية، إلا أن الأوروبيين يرون في عقوبة الإعدام انتهاكاً لها، في حين يستمر الأميركيون في تطبيقها. كما أن أوروبا تتحول أكثر فأكثر إلى تبني العلمانية، بينما يمثل الدين مكانة مهمة في الحياة السياسية والاجتماعية الأميركية. والولايات المتحدة تنزع نحو التفرد في القرار والقيادة، معتبرة أن المعاهدات الدولية ليست سوى قيود غير مسوغة تكبل السيادة الأميركية، أما الأوروبيون فيدعون إلى تعددية قطبية لأنهم مقتنعون بأن قواعد الحق تحمي الجميع ولاسيما الأضعف.

فإذا كان التصدع قد أصاب الثقافة الغربية ذات الأصل التاريخي المشترك والهوية الواحدة والتحالف السياسي الاقتصادي الاستراتيجي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فإنه من الأسهل علينا القول إن (الثقافة الكونية) أكثر بعداً ونأياً مما نتخيله، فالصراع على القيم في جوهره هو اختلاف على المصالح والرؤى وامتلاك الأفضلية، وإن التفوق الحضاري يشمل تفوقاً فكرياً وتقنياً واقتصادياً وعسكرياً، وهو سيفرض حتماً تفوقاً قيمياً لمصلحته.

يرى زيادة أن التعاطي الأميركي مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر أحدث شرخاً عميقاً في العلاقات الأميركية الأوروبية، وبدا الحديث يقترب أكثر عن طبائع أميركية وطبائع أوروبية، بل إن مقولة (نهاية الغرب) أصبحت عنواناً للكثير من التفسيرات والتحليلات التي حاولت قراءة التحولات العميقة التي يمر بها المسار الفكري للقيم الغربية. فالغرب اليوم يشهد انشقاقاً مصيرياً شبهه تشارلز كوستبشان بانشقاق الامبراطورية الرومانية، ويتمحور الخلاف على مفهوم (الشرعية الديمقراطية) على المستوى العالمي، فهناك خشية أوروبية من الأحادية الأميركية، والتي لا ترى لأية شرعية ديمقراطية وجوداً يفوق ما تتمتع به الدولة القومية من شرعية، في حين يرى الأوروبيون أن الشرعية الديمقراطية تنبع من إرادة المجتمع الدولي وتجسد سلطة أخلاقية عليا. وهم يعيشون في طموح نحو تجاوز منطق السلطة، في عالم يسود فيه القانون والتنظيم والتفاوض والتعاون بين الدول، أي أنهم يحلمون بالفردوس ما بعد التاريخي، حيث كل شيء في سكينة وازدهار، وبالمثال الأعلى الكانتي القائم على (السلام الدائم). وهذا ما يحرض على بروز القيم الإنسانية الموحدة، وعلى رأسها الديمقراطية، التي ستتيح للحضارات جميعها أن تتعايش بدل أن تتصادم، وأن تتوافق على مفهوم (القيم الكونية).

الخطاب الأخلاقي

ينتقل الدكتور زيادة إلى فلسفة القيم في إطارها الإسلامي، ويوضح كيف تم التأسيس النظري للأخلاق في التراث العربي الإسلامي، ويتساءل هل نعيش اليوم صراع قيم بين الإسلام والغرب؟. ويقول إن موضوع الأخلاق في الفكر الإسلامي المعاصر حاضر رئيسي في خطابه ونقده للآخر الغربي على اعتبار الحضارة الغربية اليوم تشهد انحلالاً خُلقياً يبشر بزوالها، وأصبح يقابل الواقع الغربي بالمثال الإسلامي، دون أن يلحظ المفارقة التي تحكم خطابه، فهو يعيش أزمة المنهج الإسقاطي، ورغبة ما يريد أن يكون بدل أن يعيش الواقع بعيناته المختلفة. فالمنهج الإسقاطي يتجاهل البنية التفصيلية للمجتمع والتاريخ، ويكتفي باستقراءات بسيطة للواقع الاجتماعي، وقد وقعت غالبية الأعمال الفكرية في هذا المطب، فهي تريد إثبات طهورية المجتمع الذي تسعى إليه مقابل المجتمع الغربي، وكأن المهم إثبات الأفضلية أمام الآخر مع كل المشكلات والأزمات الخلقية المتكاثرة التي تعيشها المجتمعات العربية والإسلامية، مما يدفع إلى العمل الجاد لتأسيس نص يخاطب ذاته أولاً قبل أن يحاور الآخر.

العقيدة والشك

أما كيفين جيه أوتول فيتحرى في مداخلته الاختلاف في القيم بين الإنسان الغربي والمسلم، في سياق تحديد ماهية الإنسان الغربي بالاستناد إلى مبادئ مجلس أوروبا وأهدافه، وماهية الإنسان المسلم عبر مبادئ منظمة المؤتمر الإسلامي وأهدافها، باعتبار أن هاتين المنظمتين تضمان أكبر ممثلين عن كل جماعة، من حيث الدول وعدد السكان. ويحاول أن يحدد أماكن الاحتكاك التي حصلت بين الإسلام والغرب، ثم ينتقل بعدها لدراسة نشأة منظمة المؤتمر الإسلامي، والتجارب التي سبقت للتأسيس للوحدة الإسلامية، والمعايير التي وضعها المؤتمر للقيم الممثلة للإنسان المسلم، وبعدها يدرس الوضع القيمي للإنسان الغربي من خلال منظمة (مجلس أوروبا)، ويعود بالتاريخ للصراع الذي كان دائراً بين الشعوب الأوروبية، ودواعي تأسيس (مجلس أوروبا)، وما القيم الغربية التي شكلت الفضاء الأخلاقي لأوروبا الحالية.

ويعتقد الدكتور أوتول أن محاولة التمييز بين العالمين الغربي والإسلامي بقيم كالحرية أو الفردانية أو الديمقراطية أو الالتزام الديني أو حكم القانون أو العائلة، ليس من شأنها إلا اختزال النقاش إلى مجرد تصنيفات لغوية، فما يراه البعض حرية يراه آخرون فجوراً، وما يمجده قومٌ من مذهب النزعة الفردية يستهجنه قومٌ بوصفه انفلاتاً من الضوابط، وبالمثل، قد تبدو الديمقراطية في أعين البعض استبداداً في نظر سواهم، وقد يظهر التدين لدى طائفة من الناس تعصباً عند غيرهم. وبالتالي لا يرى أوتول أن الغرب يقدر الحرية أكثر مما يفعل الإسلام، أو أن الإسلام يكبر الالتزام بمبادئ الدين والإمساك عن الملذات، في حين لا يفعل الغرب، أو أنه يقيم وزناً كبيراً للروابط العائلية، وليس الغرب مثل ذلك.

ومع هذا، فإن أوتول لا ينفي أن التباعد بين الغرب والإسلام يقترن باختلاف في القيم، لكن هذا الاختلاف أعمق بكثير مما قد تجمله بضع كلمات. فلكل من الإنسان المسلم والغربي عقيدته المتميزة بما تنطوي عليه من شعائرَ أو ممارسات، حيث تقدس عقيدة المسلم وممارساته فضيلة العقيدة الراسخة المطلقة، في حين تقدس عقيدة الغربي وممارساته فضيلة الشك. وهذا الشك ذاته قاد أوتول لنقض فرضياته أيضاً، فاستحضر من عصر الإسلام الذهبي نوابغ من أمثال الرازي والفارابي وابن سينا وابن رشد والكندي، الذين جبلوا على التساؤل وإخضاع معرفتهم للتمحيص النقدي المستمر، وهز المسلمات، وهذا لا يبتعد عن القيم الإسلامية ـ على حد تعبيره ـ لأنه إذا سلمنا بأن العقل البشري، بما فيه من قدرة على عقل الأمور، هو نعمة حبا الله بها الإنسان، فإن هؤلاء العلماء كانوا ينفذون مشيئة الله في إعمال عقولهم.

وأخيراً يتساءل أوتول: إذا صح أن أوروبا تنسى نفسها عندما تنسى أنها ولدت من رحم المنطق وروح الفلسفة، فهل يصح ذلك أيضاً على العالم الإسلامي؟. وهل يمكن أن تمتد يوماً جسورٌ بين العالمين؟.

إضافة تعليق

3 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.