الرواية على حافة الشعر: جمال لغوي أم سقوط سردي؟

الثلاثاء, July 8, 2025
كاتب المقالة: 

في عالم الرواية الحديثة، لم يعد السرد محصورا في نقل الحكاية فحسب، بل غدا أفقا مفتوحا للتجريب اللغوي وتوسيع إمكانيات التعبير الفني. فاللغة الروائية باتت الوعاء الذي يحمل نبض النص وروحه، والجسر الذي يعبر منه القارئ إلى عوالم السرد المتخيلة. ومن هنا، برزت إشكالية لافتة أثارت جدلا واسعا بين النقاد والمبدعين وهي: «شعرية اللغة في الرواية».
حين تتلفّع لغة الرواية بحُلل الشعر، وتتوشّح بصوره وإيقاعاته، تُطرح أسئلة مشروعة: هل يُضفي ذلك على النص عمقا وجمالا مضاعفا، أم يُغرقه في الانزياحات البلاغية التي تُضعف سلاسة الحكاية وتشوّش وضوح المعنى؟ وهل تُعدّ الشعرية إثراء للتجربة السردية، أم عائقا أمام تماسك البناء الروائي؟
بين مَنْ يرى في اللغة الشعرية وسيلة لتعميق الرؤية الفنية وتكثيف الدلالة، ومَنْ يعتبرها انحرافا عن جوهر السرد نحو الزخرف اللفظي، تتنوّع الرؤى وتتباين المواقف. فهل الشعرية تيارٌ مُلهم يدفع بالرواية إلى آفاق جديدة من التعبير، أم مجرّد غواية لغوية تُهدد توازن النص وتُباعده عن المتلقّي؟
في هذا التحقيق الثقافي، نطرح السؤال المحوري التالي على نخبة من النقاد والناقدات: «ما رأيك في توظيف اللغة الشعرية في الرواية؟ وإلى أي مدى تُعدّ شعرية اللغة إثراء للتجربة السردية ونقطة قوة للرواية، ومتى تتحوّل في رأيك، إلى نقطة ضعف وعائق أمام تماسك الحكاية ووضوح المعنى؟».
الغاية ليست الوصول إلى إجابة حاسمة، بل إلى تنويع زوايا النظر، واستكشاف هذا التوتر الخلاّق بين الرواية بوصفها حكاية، والرواية بوصفها فنّا لغويّا. نستعرض في هذا التحقيق الثقافي نماذج وآراء متباينة، بعضها مع توظيف متوازن للغة الشعرية، وبعضها يُحذّر من الانسياق وراء الإيقاع، على حساب الحدث، ومن التغني بالصور على حساب الشخصيات.
إلى أي مدى يُمكن للغة الرواية أن تُحلّق في فضاء الشعر، دون أن تفقد توازنها؟!
الروائية والأكاديمية العُمانية عزيزة الطائي: اللغة روح النص السردي تتجلى أهمية اللغة في النص الأدبي باعتبارها ركيزة أساسية للتعبير عما يجول في ذهن الكاتب (سردا وشعرا)، وطالما أننا نواجه نصوصا أدبية حديثة تتراوح عند تجنيسها بين السردي والشعري، وتختلف في تجنيسها مع تداخل الأجناس واستقاء كل جنس سردي من رديفه، ناهيك عما نقرأه الآن من نصوص إبداعية تداخلت مع بعضها بعضا، والاستفادة لغة ونظاما في بُنيتها من بعضها؛ وليس أدل من ذلك ونحن نتأمل القصيدة العربية التي اتجهت بداية في بُنيتها إلى شعر التفعيلة، حتى ما أطلق عليه بـ(قصيدة النثر) وهو عندما تحررت القصيدة من بُنيتها كاملة مع الاحتفاظ بالانزياح والتكثيف اللغوي، والصورة المتخيلة، والإيحاءات الرامزة، والدلالات المتعددة. ومع تطور بُنية الرواية الحديثة، واشتغالها على التجريب بالسعي إلى تحرر بُنيتها السردية من خصائص لها محل اعتبار في بُنية الرواية، ولعل أبرزها لغة السرد التي جعلت من الرواية أكثر حيوية وتشظيا وتفاعلا وتجريبا، مع تصاعد الأحداث وتطور الشخصيات في سبيل إثراء مساحتها السردية، لذلك انفتحت الرواية على الأجناس النثرية والشعرية.

الناقد الأردني سليم النجار: العلاقة بين الشعر والرواية مأساوية
يقول بورخيس: إنّ محاولة تعريف الشعر تشبه محاولة تعريف مذاق القهوة أو لون الوردة. نعم، هذا كلام دقيق، فلا يمكن تعريف الشعر، لكن يمكن التعرّف عليه بما فيه؛ ما يُحدث فينا من الدهشة والشعور بالجميل المغاير، وبما فينا من خبرة نقول هذا شعر كما نقول عند تذوق القهوة، هذه قهوة، هكذا بلا تفسير، لكن يبقى السؤال الأزلي عما يجعل الشعر شعرا؟ الإجابة تختلف من كاتب إلى آخر، ومن شاعر إلى آخر، لكن يبقى القول الفصل كما أعتقد، ابتعاده عن الإخباري والسرد الذي يغوص في التفاصيل، وانحيازه للديناميكي الجمالي.
وقبل القول إنّ الشعر له دور ما في كتابة الرواية؟ علينا اكتشاف رموزه المفعمة بالدلالات الإنسانية والاجتماعية والثورية، يجب علينا تبصُّر أحوال المجتمع الذي عاصره الشاعر، لندرك إلى أي مدى، كان الشعر وما زال انعكاسا لأحلام وأحزان طبقات مُعَدمة من أغلب شرائح المجتمع.
وإذا ما تتبعنا المكانة التاريخية للشعراء، وضربنا مثالا على شاعر عربي مصري مثل الشاعر صالح الشرنوبي، شاعر تنبأ بثورة يوليو/تموز، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها، لكنها لعبت دورا كبيرا في العالم العربي والعالم، ومن أجمل ما كتب (وساكنيها عابدي الفجور.. النائمين في حمى الحرير.. الغافلين عن أسى الفقير.. ولوعة المشرد المدحور.. الوالغين في الدَّم المهدور.. من عصب الكادح والأجير). وقد جمع شعر هذا الشاعر عبد الحي دياب.
هذا هو الشعر، أو على الأقل أستطيع وصفه وتوصيفه، أما الكتابة الروائية فليست مجرد حكاية أو حدوثة، وإن كانت هي الأصل والأساس في السرد، فليس هناك سردية، دون حكاية أو حدوثة، ولكن أي حدوثة وأي حكاية؟ ومن ثم كان لا بد من تجليات السرد لما بعد حداثي ليس بالمعنى الفانتازي والغرائبي والأسطوري والماورائي والغيبي، وكل ما يتصل باللاوعي فقط.
قد يجمع ما بين الشعر والرواية المواقف الإنسانية، أكرر قد، لكن هذا يتوقف على كاتب الرواية وطريقة توظيف الشعر في السرد الروائي، تجد كاتبا روائيا يستخدم الشعر كرمز بصورة رائعة ينقل القارئ من الواقع المباشر إلى الخيال، ويخلق بينهما حوارا داخليا بشكل يتناسب مع كل شخصية في الرواية، وبلغة تجعله عالقا في الذاكرة، وفي كل نص روائي. القارئ يستطيع الحكم إذا ما كان الشعر له دور مفيد في السرد الروائي.
إنّ العلاقة بين الشعر والرواية مأساوية، فالكاتب يكره الديكتاتورية، ديكتاتورية هيمنة أي جنس إبداعي، وهذا لا يتوقف على الشعر فقط في لعب دور ما في السرد الروائي، ويمكن أيضا للفن التشكيلي أن يلعب دورا أيضا في إلهام الروائي في سرد رواية، فجميع الأجناس الإبداعية يمكن لها لعب دور ما في سرد الرواية.
فالفوضى والعشوائية لا تقتصر بالطبع على حدود زمانية ومكانية؛ ولكنها تمتد إلى أبعد من ذلك فالفوضى سلوك بشري، وليست مكانا أو زمانا محددان. فلا الشعر منعزل عن الرواية ولا الرواية منعزلة عن الشعر.

الناقد الأكاديمي الجزائري سعيد موفقي: اللغة الشعرية تُحيل إلى معنى المعنى
إنّ النظر إلى اللغة في سياقها الإبداعي كالنظر إلى اللوحة في تشكيلين؛ مرّة بالألوان ومرّة بالأبيض والأسود، وهي العملية التي تختلف حولها الأذواق والقدرات القرائية، إذ لا يمكن أن نساوي بين وظيفتها في النثر ووظيفتها في الشعر، باعتبار الوصول إلى المعنى تحكمه أنساق غير تلك التي قد تبدو سهلة في نظر القارئ البسيط وحتى الكاتب نفسه.
وهذه القضية أثيرت في المدونة الأدبية العربية القديمة، إذ يرى الجرجاني أنّ التمييز الأساسي بين النثر والشعر يكمن في طريقة توظيف اللغة: فالنثر يُوصل المعنى مباشرة من ظاهر اللفظ، أما الشعر (أو اللغة الشعرية) فيحيلك إلى (معنى المعنى)، أي إلى دلالات، تتجاوز المباشر عبر الكناية والاستعارة والتمثيل. بهذا، تصبح الشعرية عند الجرجاني مرتبطة بالصناعة اللغوية المستوعبة والمبدعة، والقدرة على إحداث الأثر الجمالي في المتلقي وإحالته إلى المشهد المتكامل للنص في بنيته الداخلية والخارجية.

الناقد العراقي حمدي العطار: اللغة الشعرية أداة لتكثيف المشهد وتعميق الإحساس
تعد اللغة أداة أساسية في بناء الرواية، ويتوقف جمال النص الروائي أحيانا على قدرة الكاتب على توظيف اللغة الشعرية بشكل متوازن يخدم السرد ويثري التجربة الفنية، خاصة أنّ الروائي يوظف اللغة الشعرية في بعض المواقع من الرواية التي تحتاج إلى لغة شعرية، والروائي يمتلك لغة شعرية يمكنه استخدامها في إطار يختلف عما يستخدمه الشاعر في القصيدة!
لقد نجح عدد من الروائيين العرب، مثل أحلام مستغانمي في رواية «ذاكرة الجسد»، وغسان كنفاني في رواية «رجال تحت الشمس»، وعبد الرحمن منيف في رواية «مدن الملح»، ومحمد شكري في رواية «الخبز الحافي»، في إدماج اللغة الشعرية في رواياتهم، دون أن يُخلّوا بجوهر الحكاية. كانت هذه اللغة أداة لتكثيف المشهد وتعميق الإحساس، لا مجرد زخرف لغوي. لكن، حين تطغى اللغة الشعرية على السرد وتستخدم بإفراط على حساب الواقعية، فإنها تتحول إلى عبء جمالي يضعف البناء الروائي ويشتت القارئ، ما يجعل الرواية عرضة لفقدان المعنى وغياب التماسك. إنَّ التوازن بين جمال اللغة ووضوح الفكرة هو ما يصنع نصا روائيا ناجحا، يجمع بين المتعة الفنية وعمق المحتوى.

الناقد والأكاديمي المغربي سعيد الفلاق: اللغة الشعرية مثل التوابل
أرى أنّ توظيف اللغة الشعرية في الرواية مفيد جدا لإثراء النص السردي، خاصة إذا اُستُخدمت باتّزان ووعي فني ومعرفي، ذلك أنّ شعرية الأسلوب تُضفي بعدا جماليا على الرواية، فتجعل السرد أكثر عذوبة ومتعة، فضلا عن التعبير عن معانٍ كثيرة في كلمات قليلة، ما يسمح للكاتب بتمرير أفكار ومشاعر كثيفة دون إطالة. لكن قد تتحول اللغة الشعرية إلى نقطة ضعف وعائق أمام تماسك الحكاية ووضوح المعنى أثناء الإفراط في الزخرفة، وطغيان الشعرنة على السرد، ما يضعف الحركة الدرامية ويسحب القارئ بعيدا عن تطور الأحداث.
في رأيي، فإنّ اللغة الشعرية ليست غاية الرواية، لكنها عنصر أصيل في تميّزها، ونقطة قوة يمكن أن تفتح آفاقا دلالية أمام تأويلات تغني المسار الحكائي للرواية، لكن اللغة الشعرية مثل التوابل، إذا زادت عن حدّها أفسدت الطعام، وصعُب هضمه، لذلك، نلاحظ أننا أحيانا لا نستطيع إكمال بعض الروايات، إما لأنها شديدة الملوحة، أو تفتقد إلى الملح تماما. ما يعني أنَّ التوازن اللغوي مدخل أساس لضبط العلاقة بين جمالية اللغة والبناء الروائي بما يتضمنه من شخصيات وحبكات، بحيث عندما تصبح اللغة غاية في ذاتها، فإنها تتحول الى استعراض لغوي يمكن إدراجه في باب التأملات، وليس في جنس الرواية.

الناقدة الأكاديمية المصرية رشا الفوال: اللغة الشعرية مرآة تعكس الحالة النفسية للكاتب
الشاعرية في السرد ليست مجرد زخرفة لغوية، بل قد تكون تعبيرا لا واعيا عن صراعات داخلية؛ أحلاما، أو رغبات مكبوتة. مع ذلك يمكننا اعتبار أنّ الإفراط في الشعرية قد يدل على محاولة الكاتب الهروب أو طمس الحقائق خلف حجاب الجماليات التي تتسم بها لغة الشعر، وهو الأمر الذي يربك المتلقي ويُفقد السرد وضوحه، هنا تتحول الشعرية إلى عائق يُثقل النص ويفصل المتلقي عن الحدث السردي. معنى ذلك أنّه يمكننا النظر إلى توظيف اللغة الشعرية في الرواية، كمرآة تعكس الحالة النفسية للكاتب، وكذلك تعكس عمق العوالم الداخلية للشخصيات.
إذن؛ الشعرية تُعد نقطة قوة حين تنبع من حاجة نفسية صادقة تتسق مع السياق النصي، وتتحول إلى نقطة ضعف حين تستخدم كقناع يعكس خواء التجربة، أو يستخدم كوسيلة للإبهار اللغوي على حساب المعنى.

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
8 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.