حين يكتب الذكاء الاصطناعي: هل يحقّ للكاتب ما يحقّ للمحرر الآلي؟

دعوتُ في مقال سابق إلى فتح أبواب الأدب أمام أحد أعظم ابتكارات البشرية: الذكاء الاصطناعي، والاستفادة من قدراته في حقل الكتابة. ولصون النبرة الأدبية، والتجربة الإنسانية، والروح الإبداعية، اقترحتُ قاعدة تنصّ على «تمكين الذكاء الاصطناعي من أداء كلّ الوظائف التي يُسمح للمحرر البشري بالقيام بها»، من تدقيق لغوي، وحذف وإضافة، وإعادة صياغة وتنسيق للأسلوب، ومعالجة للتناقضات وتوضيح للغموض، واقتراح للتعديلات، وغير ذلك من المهام التحريرية التقليدية المعترف بها في عالم الإبداع. أما اليوم، فأدعو إلى ما هو أبعد من ذلك: حق الكاتب في استخدام الذكاء الاصطناعي بكل حرية، وفق قاعدة بينة تطابق ما يجري في الواقع الأدبي.
تسلل الذكاء الاصطناعي إلى حقل التحرير
في الوقت الذي يُثار فيه الجدل وتتصاعد الأصوات الرافضة لاستعمال الذكاء الاصطناعي أداة لتحرير النصوص، مطالبة بالاستمرار في استخدام المحررين التقليديين، تتجاهل الأوساط الأدبية تسلل روبوتات الذكاء الاصطناعي إلى مجال التحرير بصمت، ودون إعلان. فليس ثمة ما يمنع المحرر البشري في الواقع من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي ـ حتى دون علم الكاتب ـ لمراجعة النص وتنقيحه، ثم إضافة لمسات بشرية. ولا لوم على المحرر البشري، فالتدقيق اللغوي، الذي قد يستغرق منه ساعات أو حتى أياما طويلة، يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه في ثوان!
يثير استخدام المحرر البشري الذكاء الاصطناعي تساؤلا ملحّا: إذا كانت التقنية جزءا أساسيا من عملية التحرير في العصر الحديث، فلماذا لا يُسمح للمؤلف باستخدامها بدلا من المحرر؟ وقد صدقت المحررة هازل بيرد عندما قالت: «أعتقد اعتقادا راسخا أن الذكاء الاصطناعي سيُحدث تغييرا جذريا في طريقة عمل المحررين. أظن أن هناك تحولا طبيعيا من مهمة مراجعة الأخطاء الأقل اعتمادا على الأحكام، إلى مهام أكثر دقة وتعقيدا تتمثل في تحسين النص». لا يقتصر هذا التحول على الكتابة الأدبية فقط. ففي المجال الإعلامي، أصبح الذكاء الاصطناعي يُستخدم بشكل متزايد لتلخيص المقالات الطويلة وإنشاء محتوى داعم، وهو ما أكدته بيريل لوف محررة صحيفة «سينسيناتي إنكوايرر»: «في صحيفة سينسيناتي إنكوايرر، نستخدم الذكاء الاصطناعي أيضا، لإنشاء ملخصات موجزة للقصص الطويلة»، فإذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي مساعدة المحررين والصحافيين في صياغة النصوص وعرض الأفكار بشكل أفضل، فإنه من العدل الدعوة إلى حق الكتاب في استخدام هذه الأدوات في عمليتهم الإبداعية.
أسطورة الأصالة الأدبية
على مرّ التاريخ الأدبي، استعان أشهر الكُتّاب بأقربائهم وأصدقائهم لمساعدتهم على صياغة أعمالهم. ولم يقتصر هذا الدعم على التدقيق اللغوي أو تقديم النصح، بل تجاوزه في كثير من الأحيان ليصل إلى تغييرات جذرية في البنية والأسلوب. فعلى سبيل المثال، خضعت قصيدة ت. س. إليوت «الأرض الخراب»، التي تُعد اليوم من روائع الحداثة، لإعادة صياغة شاملة على يد عزرا باوند، الذي حذف أجزاء كاملة وأعاد هيكلة القصيدة. وقد أقرّ إليوت بهذا التأثير، فأهدى القصيدة إلى باوند ونعته بـ»الحرفي الماهر». كذلك، اعترفت الكاتبة البريطانية زادي سميث، مؤلفة رواية «أسنان بيضاء»، بأن زوجها، الكاتب نيك ليرد، كان يحثّها باستمرار على إعادة كتابة أجزاء كبيرة من مخطوطاتها، ما أثّر في كتابتها. واتخذت قصائد سيلفيا بلاث المتأخرة، خصوصا ديوان «أرييل»، نبرة أكثر أسطورية ووحشية بتأثير من زوجها تيد هيوز، الذي أعاد ترتيب القصائد وصياغتها بعد وفاتها.
ومن الأمثلة التاريخية البارزة على إعادة صياغة النصوص إلى حد إنتاج أعمال مختلفة، «رباعيات عمر الخيام» التي ترجمها إدوارد فيتزجيرالد عام 1859، وأعاد صياغتها بشكل جذري. فقد قدّم نسخة جديدة مختلفة من حيث الصياغة والبنية والمعنى. وهو بذلك تصرّف في الأبيات الفارسية الأصلية، مغيّرا بنيتها ونبرة مؤلفها، ورغم كل هذه التعديلات الجوهرية، ما فتئ العمل يُنسب إلى عمر الخيام، لا إلى مترجمه. إذا كانت الأوساط الأدبية تتقبّل تدخل المحررين والمقربين في إعادة صياغة المخطوطات وتقديمها في قالب جديد، من دون التشكيك في نسبتها إلى المؤلف الأصلي، فلا مبرر لرفض استخدام الذكاء الاصطناعي لمثل ذلك. فلا فرق جوهريا بين أن يعيد زوج أو صديق أو محرر أو مترجم كتابة نصٍ، أو أن تقوم بذلك أداة ذكاء اصطناعي. في جميع الحالات، تبقى الأفكار أفكار المؤلف، والتجربة تجربته، والرؤية رؤيته. أما ما يقدّمه المحرر أو الذكاء الاصطناعي فهو مجرد مساعدة على التعبير.
حين تتقاطع الترجمة والذكاء الاصطناعي
غالبا ما تخضع الروايات المُترجمة لتحولات أسلوبية عميقة عند انتقالها من لغة إلى أخرى. فبينما تبقى الأفكار الأساسية، يساهم المترجم في تشكيل النبرة والإيقاع والبنية، ويؤثر تأويله وحسّه اللغوي في النسخة النهائية. وقد تُوّجت أعمال مُترجمة كثيرة بجوائز أدبية مرموقة، مع أن النثر فيها لا يعكس دائما أسلوب الكاتب الأصلي، وإنما أسلوب المترجم. أذكر منها على سبيل المثال ترجمات كونستانس غارنيت لروايات دوستويفسكي، التي لطّفت الأسلوب وقلّصت من حدّة طبعه الفوضوي. كما أن ترجمة غريغوري راباسا لرواية «مئة عام من العزلة» غيّرت الإيقاع واللغة الشعرية، مقارنة بالنص الإسباني الأصلي. ومع ذلك، ظلّت الرواية تُنسب إلى غابرييل غارسيا ماركيز، واعتُبرت من أعظم الأعمال الأدبية في القرن العشرين.
فالمعيار الحاسم ليس متانة الأسلوب، بل قوة الفكرة، وعمق العاطفة، والعالم المتخيَّل الذي يصنعه الكاتب. فإن كانت الأوساط الأدبية تشيد بالأعمال رغم التغيّرات التي تطرأ عليها بعد الترجمة، فلا مبرر لمنع الكاتب من استخدام الذكاء الاصطناعي أداة تعينه على بلورة أفكاره والتعبير عنها. تبقى الفكرة ملكا للكاتب، والذكاء الاصطناعي ـ شأنه شأن المترجم ـ مجرد أداة تُسهّل توصيل الفكرة والرسالة بشكل واضح، متماسك، وسهل الفهم. فلا فرق بين إعادة صياغة نص أدبي عبر الترجمة، أو عبر الذكاء الاصطناعي، ولا منطق في رفض أحدهما وقبول الآخر.
الكاتب الشبح أو الكاتب الظل
مارست المؤسسات الثقافية والنشرية منذ عقود ما يُعرف بـ»الكتابة بالنيابة»، أو «الكتابة الشبحية» (Ghostwriting)، بوصفها أداة مساندة تسمح للمؤلف بتقديم رؤيته وتحديد البُنى الثيماتية والأسلوبية، بينما يتولى الكاتب الشبح الجوانب التنفيذية للنص. في هذا السياق، يُعد المؤلف صاحب المشروع الإبداعي، إذ يُنسب إليه المحتوى بوصفه مصدر التجربة، والأساس الفكري للعمل، والفاعل الأساسي في بلورة الاتجاه الجمالي والفكري للنص، كما يحتفظ بحق الموافقة النهائية على المسودة. أما الكاتب الشبح، فيضطلع بوظائف تتراوح بين البحث، وإعادة الصياغة، والبناء السردي، وتحويل الأفكار الأولية إلى نصوص قابلة للنشر، مع الالتزام بالمعايير البلاغية والأسلوبية، التي يُحدّدها صاحب العمل. تشمل هذه المهام تنظيم البنية، وتبسيط المفاهيم المعقّدة، وضمان الاتساق النصي والوضوح القرائي، مع الحفاظ على النبرة التي تُعبّر عن «صوت» المؤلف. تُعد هذه الممارسة مقبولة أخلاقيا ومُعترفا بها ضمن منظومة النشر، نظرا إلى أن البنية السردية والطرح الفكري يظلان نابعَين من المُؤلف. وتُؤكَّد هذه الملكية المعنوية صراحة في العقود والبيانات التجارية، كما جاء في أحد الإعلانات: «يُقدّم كُتّابنا الحائزون جوائز ما تحتاج إليه من دعم، على أن يبقى المنتج النهائي ملكا لك بالكامل».
وإذا كانت الكتابة بالنيابة تُصنَّف ضمن أشكال التعاون الإبداعي المشروع، فمن غير المنطقي استبعاد الذكاء الاصطناعي من أداء دور مشابه. إذ إن الآلة، شأنها شأن الكاتب الشبح، تظل أداة تنفيذية، فيما يبقى التأليف ـ من حيث التصور والرؤية والملكية الفكرية ـ مُرتبطا بالمؤلف البشري.
الأدب أفكار ورؤى وتجارب
وإن اقترحتُ في ما سبق مبدأ «تمكين الذكاء الاصطناعي من كل المهام التي يؤديها عادة المحرر البشري»، فإني اليوم، وانطلاقا مما سبق ذكره، أود أن أدعو إلى اعتماد قاعدة إضافية تتمثل في: «السماح باستخدام الذكاء الاصطناعي في جميع وظائف عملية الكتابة بكل حرية، بما في ذلك التعبير وإعادة الكتابة، شريطة أن يكون التوجيه الإبداعي نابعا من المؤلف». فإن سُمح للكاتب بالاستعانة برفيق أو قريب أو محرر محترف أو مترجم أو كاتب ظل لتنقيح عمله، أو إعادة صياغته، بل حتى إعادة كتابة أجزاء واسعة منه، من غير أن يُسلب حقه في التأليف، فمنع المؤلف من استخدام الذكاء الاصطناعي للغرض ذاته يُعدّ معيارا مزدوجا غير مقبول.
واليوم، مع بروز الذكاء الاصطناعي أداة فعالة في الكتابة، أصبح من الضروري إعادة النظر في تعريف كل من «الأدب» و»التأليف».
يمكننا اليوم أن نعرّف الأدب، بمفهومه المعاصر، بأنه «كتابة نثرية أو شعرية تُجسّد أفكار المؤلف ومشاعره وتجاربه ورسائله، مصاغة بأسلوب يختاره». أما المؤلف فهو «العقل المدبّر للعملية الفكرية أو الإبداعية والموجّه لها» بغض النظر عن الأسلوب. وسواء استعان المؤلف ببشري أو بالذكاء الاصطناعي، فإن هذا لا يغيّر من جوهر التأليف شيئا. فالمؤلف هو منتج الأفكار، وليس المحرر أو المترجم أو الصديق أو أي أداة تُسهم في التعبير عنها. فالذكاء الاصطناعي لا يفكر تفكيرا مستقلا، ولا يمتلك خيالا ولا مشاعر، ولا تجارب شخصية أو قصصا عاطفية؛ إنه مجرد أداة يوجّهها المؤلف ـ مثلما يوجّه قلمه عند الكتابة ـ للتعبير عن أفكاره ومشاعره وتجاربه وخدمة صوته الإبداعي. فقد آن الأوان للاعتراف بالذكاء الاصطناعي وسيطا مشروعا ضمن العملية الإبداعية للمؤلف. فمن مزايا اعتماد الذكاء الاصطناعي أداة للتعبير اقتصاد الجهد والموارد، وتوفير الوقت، ما يسمح للمؤلف والباحث بالتفرغ لنشر مزيد من الأفكار والرؤى ومشاركة مزيد من التجارب والخبرات مع العالم.

إضافة تعليق