"غصون البندق: سردية أنثوية في مواجهة الماضي والهوية

الأحد, September 14, 2025
كاتب المقالة: 

 

في روايتها غصون البندق، تقدم منى سلامة سردًا يتجاوز حدود الحكاية التقليدية، لتنسج عالمًا روائيًا مشحونًا بالرمزية والتوتر النفسي، حيث تتقاطع الذات الفردية مع الذاكرة الجمعية، ويصبح المكان أكثر من مجرد خلفية للأحداث، بل كيانًا حيًا يحمل ذنوبًا وأسرارًا لا تُقال. الرواية، الصادرة عن دار عصير الكتب بالقاهرة، والمتوفرة حالياً في مكتبة دار الفكر بدمشق ، تنتمي إلى الأدب الاجتماعي الرمزي، وتُقدَّم في جزئين، وتُعد من أبرز أعمال الكاتبة التي اشتهرت بأسلوبها السلس والمشحون بالعاطفة.

تدور أحداث الرواية في واحة مفقودة، لا وجود لها على الخرائط، لكنها تنبض بالحياة داخل ذاكرة الشخصيات، وتتحول إلى رمز للوطن الضائع، وللجراح التي لا تُشفى. البطلة "رُبى" تدخل هذا العالم كغريبة، لكنها تبدو وكأنها تنتمي إليه منذ زمن، وكأنها جاءت لتكمل حكاية لم تُكتب بعد، أو لتواجه خطيئة لا تخصها. هذا التداخل بين الماضي والحاضر، وبين الذات والآخر، يمنح الرواية عمقًا نفسيًا واضحًا، ويجعل من رحلة البطلة بحثًا عن المعنى أكثر من كونها مجرد مغامرة.

الكاتبة تعتمد على تعدد الأصوات، حيث تتحدث الشخصيات بلغات مختلفة تعبّر عن مواقفها النفسية: الأم بلغة الحجر، العاشق بلغة الرمل، والطفل بلغة الحلم. هذه اللغات ليست مجرد أدوات سردية، بل رموز تحمل دلالات عميقة؛ فالحجر يرمز إلى الجمود والانغلاق، والرمل إلى التبدّل والانكسار، والحلم إلى البراءة والاحتمال. كذلك، تظهر شجرة البندق كشخصية رمزية في الرواية، إذ ترمز إلى الذاكرة المدفونة، والخصوبة المعطلة، والخطيئة الجماعية التي لم تُكفَّر عنها. توقفها عن الإزهار يعكس حالة من الجمود والخذلان، وكأنها شاهد صامت على ماضٍ لم يُغلق بعد.

أما الرجل الممسوس الذي يسكن الجبل الأسود، فيُجسّد اللاوعي الجمعي، ويتحدث بلغة تشبه النبوءات، باحثًا في وجوه النساء عن ملامح امرأة ضائعة. وجوده المتكرر يربك الشخصيات، لأنه يذكّرهم بما يحاولون نسيانه، ويطرح سؤالًا عن الذنب المتوارث، وعن الذاكرة التي لا تموت. الواحة نفسها تتحول إلى رمز للوطن حين يتحول إلى سؤال لا إجابة له، وإلى الحلم حين يصبح سرابًا.

اللغة المستخدمة في الرواية، رغم بساطتها، تحمل طاقة رمزية عالية، وتُستخدم بذكاء لتكثيف المعنى دون إغراق في الزخرفة. الرواية لا تكشف أسرارها دفعة واحدة، بل تفككها تدريجيًا، كمن يحفر في رمال ساخنة بحثًا عن حقيقة مدفونة. هذا الأسلوب يخلق تشويقًا داخليًا، ويجعل القارئ شريكًا في الاكتشاف، لا مجرد متلقٍ.

الرواية لا تكشف أسرارها دفعة واحدة، بل تفككها تدريجيًا، كمن يحفر في رمال ساخنة بحثًا عن حقيقة مدفونة. هذا الأسلوب يخلق تشويقًا داخليًا، ويجعل القارئ شريكًا في الاكتشاف. كما أن اللغة المستخدمة، رغم بساطتها، تحمل طاقة رمزية عالية، وتُستخدم بذكاء لتكثيف المعنى دون إغراق في الزخرفة.

في المحصلة، غصون البندق ليست مجرد رواية عن فتاة تبحث عن ذاتها، بل هي سردية عن الإنسان حين يُحاصر بين ماضيه الغامض وحاضره الملتبس، وعن الوطن حين يتحول إلى ذاكرة مشوشة، وعن الحكاية حين تُكتب من جديد، لا بحثًا عن النجاة، بل عن المعنى.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

9 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.